نبض القلم- مقالات – طالب سعدون
حج النائب وحج إبن يقطين
ترددت أنباء هذه الأيام – كما حصل في مواسم ماضية للحج – عن قيام عدد كبير من النواب بالسفر لاداء فريضة الحج هذا العام … وهناك من تساءل باستغراب عندما عرف بالرقم الكبير …هل ( حج النائب ) هو امتياز خاص أخر للنائب العراقي يضاف لما يتمتع به من حصانة ، وإمتيازات مادية واعتبارية وأمنية ( حمائية ) … وغالبا ما يثار هذا الموضوع ، خاصة من زملائهم النواب وغيرهم ، قبل عيد الاضحى بايام قليلة ، وبعد أن يكون ( الحجاج النواب ) قد وصلوا الى الديار المقدسة ، وباشروا باداء مناسك الحج والعمرة ، وإنقطعوا عن عالم السياسة ، وابتعدوا عن الاخبار التي لا تسرهم ، وعند عودتهم يكون كل شيء قد انتهى ، وأصبح في خبر كان ، بعد إن انشغل الناس بالعيد والعطلة وزيارة القبور والاهل والاصدقاء ، و حصول احداث جديدة في البلاد تطغى على ذلك الموضوع ، ويصبح نسيا منسيا …
وتساءل أخر … هل يخضع ( حج النائب ) للقرعة والحظ والنصيب ، والانتظار سنوات طويلة ، قد لا يحالفه الحظ فيها ، والسفر مع هيئة الحج والعمرة ، أم هو خارج النسبة المسموح بها للعراقيين سنويا ….
ولك أن تعرف هذه ( الميزة ) التي يتمتع بها هؤلاء النواب من خلال الفرق الكبير بين نسبة العراقيين عامة ونسبتهم في الحج ….فمن بين اكثر من ثلاثين مليون عراقي ( اختارت القرعة ) في هذا الموسم نحو 25172حاجا عراقيا ، بينما تناقلت الانباء عن مشاركة نحو 100 نائب في هذا العام من بين 328 نائبا ، هو عدد اعضاء البرلمان …
وليس مهما معرفة الوسيلة التي حصل من خلالها ( النائب الحاج ) على موافقة السفر ، بما في ذلك عن طريق ( تأشيرة المجاملة ) التي تمنحها المملكة العربية السعودية للشخصيات السياسية وغيرها ، لكن ما يثير الاستغراب هو سفر نحو ( ثلثي ) اعضاء المجلس الى الحج هذا العام على حد ما نقلته احدى القنوات الفضائىة الليلة الماضية، ومنحوا عطلة اضافية ، في ظروف غاية في الصعوبة ، سواء بالنسبة للبرلمان الذي يعيش أزمة واضحة ، تعصف به منذ عملية استجواب وزير الدفاع خالد العبيدي ، وبعده وزير المالية هوشيار زيباري ، الذي لم يحسم أمره بعد ، أو ظروف العراق عامة من الجانب الامني والوضع الاقتصادي والحرب مع داعش على جبهات متعددة ، ومعاناة النازحين ، والعاطلين والفقراء والايتام وعوائل الشهداء ، بحيث أدى غياب هذا العدد الى التأثيرعلى جلسة يوم الثلاثاء الماضي وتأجيلها ، اضافة الى وجود نواب اخرين في ( كافتريا ) المجلس ، لم يدخلوا قاعة الاجتماع ، فعطلوا النصاب القانوني ..
لقد فرض الله الحج على المسلم مرة واحدة في العمر لمن استطاع ، وما زاد على ذلك يُعد تطوعا ، على خلاف فرائض وعبادات اخرى تمارس يوميا وفي الحياة باستمرار ..
والاستطاعة لا تعني تقديم هذه الشعيرة على واجبات أخرى يراها المسلم اكثر أهمية في ظرفها وموجباتها الآنية ، ما دام بامكانه أن يؤجل الحج الى موسم أخر ، كما حصل مع علي أبن يقطين ، العالم والوزير ، فهو رغم ما كان يتمتع به من نفوذ وجاه وسلطان ومال كثير لكنه آثر غيره على نفسه ، فقد أعطى متاعه كله ، وما بحوزته من مال معه لرحلة الحج الى أمراة فقيرة تتكفل ايتاما وأجل الحج الى وقت أخر ، بعد أن وضعته هذه المرأة في موقف لا يتكرر ، بينما الحج لم ينقطع الا بأجله المحتوم ، ويمكنه أن يؤديه في وقت أخر .. فكان ابن يقطين أمام موقف استذكر فيه واجبه الانساني ، وموقعه السياسي والاداري والقيادي ومنزلته العلمية والدينية ، وعرف أن حسابه يكون على قدر ما يتمتع به من ميزات … ولذلك اتخذ ما يناسب هذا الموقف ونجح بامتياز.. وفاز بالموقفين معا .. ( الانساني والروحي ) وقد أدى هذا الموقف الحج نيابة عنه ، وكأنه كان بلحمه ودمه مع الحجاج ، حيث كانوا يرونه معهم أينما ذهبوا ، وهو في بلاده لم يغادرها ، ولذلك إستحق أن يقول عنه الامام الصادق ( ع ) قولته المأثورة بعد زيارة الحجاج له وعرض ما شاهدوه عليه ( ….. ما حججت إلا أنا وناقتي وعلي إبن يقطين ..) …
فاين هذا الموقف من مواقف لا يتصرف أصحابها على قدر ( مقاساتهم ) في المسؤولية بكل درجاتها ومسمياتها ، أو يتعاملون مع الحج ، وكأنه ( عادة وليس عبادة ) على حد تعبير أحد الكتاب ..؟ أوكأنهم لا يعرفون أن هناك فقراء يعيشون على ما يجدونه في القمامة ، ومتعففين ، ونازحين يفترشون الارض ، ويلتحفون السماء وبلدا ينزف دما وألما يوميا …
أن أهم ما في العمل أن تطمئن الى صوابه …
والقلب دليل الانسان الى معرفة الصواب من الخطأ قبل القانون والتعليمات والضوابط ….
والبر ما اطمئن اليه القلب والنفس ..
{{{{{
كلام مفيد :
الحرية هي الحياة ، ولكن لا حرية بلا فضيلة ..( فكتور هوجو )

















