من ذاكرة سبايكر
لست ميتاً
ومّما تهّشًّمَ من ذاكرتي الملتهبة في أغلب مفاصلُها لتقادم السنّ عليها والتي أعيتها حروبٌ عبثية وفي زمنٍ ماجنٍ منحطٍ وعالم مترد تأبطته جراثيم ومايكروبات تنساب تلك الحروف منها اليوم وتنفلت دون َروية أو خوف وكأنها ِعتَاقٌ من جوارح مسيبة تخرج من ُخرم قفص خشبي متهرئ.
كنت قد َتيَفَّعّتُ في زمنٍ ما , وَرَعْرَعَ الله خلقتي في أرضٍ مسكونةٍ , َجَرزَ الجراد نباتها ولكني احتفظت بقلبٍ ساذجٍ بسيط يحتوي حباً لامي التي ترمّلت بفعل الحرب الاخيره لهذا لم أكن وأقراني نُغرم إلا بحب الام آله الامتداد كما كنا نسميها وعلى العكس من كبرائنا المراهقين, المغرمون بالمال والنساء والحشيش لهذا ومما تقدم كنّا وقودا وطرائق ِقدَدّا امتطتنا فرسانهم وأحرقتنا نيران صراعاتهم المذهبية والعرقية فسلّط الله علينا وباء بشريا قذرا انتشر بسرعة مذهلة عاث بالأرض ومن عليها , إنها حرب بلا أخلاق او ضمير , حرب ستؤدي الى انقراض الناس وهلاكهم , وبناء إمبراطوريات الموت والتكفير, وكنت ضمن المئات من المحاربين اللذين تطوعوا و تركوا ذويهم لمحاربة هذا الوباء و طمعا في (الجنة والخلود ) وكان ايضا هذا الشعار نفسه ترفعه الفئة الباغية من اعلى فوهات المدافع من الجانب الآخر,لم نحظ بفترة تدريب كافيه ماعدا محاضرات معنوية وهي عبارة عن محاليل فكرية عقائدية, وما هي الا ايام قلائل حتى سِيقتْ هذه الكتل الآدمية اليافعة ومعهم أنا نحمل أسلحتنا الخفيفة والصدئه إلى معسكرات للتدريب وفي مكان ليس ببعيد من ميدان الحرب .
لم نحس بطعم الخوف أو الغربة على الإطلاق لأننا كنا في موطننا وبين أهلينا وكان هاجس يجمعنا الا وهو صد الاعتداء عنهم وتحرير الأرض التي اغتصبت وأخذت منا قهراً وظلما , كان معسكرنا يضم أعدادا غفيرة من الشبان اغلبهم من الجنوب بمثابة جحفل حربي مع عدته وآلاته العسكريه , ومع مرور الايام ومن خلال علاقات عابره مع بعض السكان من العشائر القريبة منا بدا لنا ان المياه لا تجري في مجاريها , اكتشفنا اننا نعيش وسط مدينة أشباح (مشيخية) تحيطنا بحدودٍ ملتهبة ونوايا مبيتة من الثأر الُمنيم لتركيبتها المذهبية المتشددة وإيمانهم باعتقادات ورواسب دينية غير متسامحة وانتشار حواضنَ وخلايا نائمة تتنفسُ الفتنةَ التي زرعها أرباب الفتن على مر العقود فينا مما أدخل شيوخ العشائر المتسلطة بلعبة قذرة وَتَرنّيٍ لشهواتٍ طموحة مع خصومنا .
اشتّدّت بنا الهواجس هذه الليلة ويبدو أن امرأ ما دُبّرَ بين طيات عتمتها , لم يخطر في خلدي إننا سنكون بيعا رخيصا وصفقة سرية بين المشايخ وهؤلاء الصعاليك المسوخ ,لم يتبادر الى أذهاننا ولو للحظة إننا سُيغدر بنا ونكون طعما لضيوفهم الاجانب, ونحن اللذين جئنا بملأ إرادتنا لطردهم وفعلا حصلت المؤامرة و حدث ما كان مخفيا وصرنا ضحية مجانيه وبضاعة سهلة المنال للأعداء, حيث غرر بنا واستمالوا قلوبنا للتسليم والاستسلام , انه الأسر المخزي, وكذلك فنحن لم نكن بالجنود المحترفين او بالمقاومين الشجعان وخلال فترة وجيزة سيطر على المعسكر بغتةً رجال مسلحون لا لغة تجمعهم, صُفر الوجوه , شُعُوُرهم مرخاة كشُعُور النساء, كأنهم برابرة لا نسمع منهم الا اصوات التكبير والتهليل
كان تعاملهم وحشيا معنا للغاية, وهمجياً, انهم يملكون قلوبا كأنها ُزبر من حديد في قساوتها, ويبدو إننا وقعنا في شراك الموت المحقق فكان اول شيء فعلوه ان اقدموا على تجريدنا من أسلحتنا الخجولة وقسّمونا إلى ثلاث مجاميع صغيرة وكنت أنا ضمن المجموعة الثالثة وكانوا يتنقلون بنا من مكان الى آخر وسط هذه القفار والصحراء المترامية والتي لا يوجد فيها ماء ولا كلاء .
لم يكن تقسيمنا الى تلك المجاميع اعتباطيا , إنها عملية مدروسة , وبدا تسلسل الأحداث حزينا ومبكيا و يوما بعد يوم , سيطر علينا الهلع لهول ما اطّلعنا عليه , وأخذ الجوع والعطش مأخذه من اجسادنا النحيلة, وأخذت أعداد المجموعتين الاخريين بالزوال و بالنقصان شيئا فشيء , لاوجود لقانون هنا , او ذادٍ يذود عنا , لاوجود إلا للجبناء ,فكانوا عند كل غروب يقتادون الأسرى سحلاً متواترين واحدا بعد واحد الى دكةٍ نهر بجوار قصر يبدو انه لملك منتحر,انها دكةُ الموت كما كانوا يسمونها فكنا لا نسمع الا أصوات استنجاد واستغاثة وتوسلات وصرخات استرحام سرعان ماتنتهي بصوت أطلاقة نارية تعقبها مهلة هدوء مخيف حتى يحين دور الضحية الأخرى وهكذا ومن الضفة الاخرى للنهر الذي صار لون مائه قرمزيا كنا نرى بأعيننا جثث رفاقنا وهم يجّرونها الى مقابر جماعية مبعثرة هنا وهناك ليدفنوها مضرجة بدماها ,جثة فوق جثه , لقد سيطر علينا الفزع ,نحن هذه المجموعة المتبقية ويبدو أن نَزَغ هؤلاء الشياطين سيصلنا وان رغبتهم الجامحة لرائحة الدم لا تنتهي الينا فحسب ,غير أن الأقدار قدّرت بمصائرنا ويبدو ان شبح الموت قد ابتعدعنا في الوقت الحاضر على اقل تقدير لما لمسنا من حراسنا من لين العريكة غير المتوقع واهتمام غير معتاد بنا, فاقدموا على نقلنا الى مكان اكثر ملائمة واكثر أماناً لقد تم نقلنا الى مكان جديد ويبدو انه مشفى أو مايشبه وقاموا بإطعامنا فدُهشنا ولم نكن نجرأ على السؤال وظننا انهم عادوا الى محاكاة إنسانيتهم والرجوع الى القيم الآلهية ولكن كان حدسنا في غير محله وكما ورد أسماعنا من بعض الاشباه ,أننا صرنا مخزنا بشريا ومزادا لبيع الأعضاء البشرية هذا ما افصح عنه احد رجالاتهم الذي تكلم بلغتنا بخطبة دينية استهلها باسم الله الرحمن الرحيم واننا نحن الاسرى سنكون بعد حين طيورا في الجنة نحلق بسماء الرحمة والخلود لاننا سنتبرع بما يحتاجه اخواننا المجاهدون من أعضاء لأجسادهم المعطوبة واننا تم تسميتنا بالتائبين وسنلقى الله وهو راض عنا تمام الرضا وان السرر المرفوعة قد بنيت لنا وفرشت بالزرابي المبثوثة من قبل الحور العين اللائي ينتظرن قدومنا بلهف وشوق….. وأنهى خطبته المزخرفة هذه بالاستغفار لنا ولنفسه .
وكم كنت ازدرئ هذه الصيحة وهذا الانجاز البشري الساقط (التبرع بالاعضاء البشرية) وكنت اعتبره لعنة آلهية على بني آدم وطوفان مدمر واعدام دون اطلاقات نارية وبينما كنت اقلب ذكريات الزمن الماضي اخذتني اغفاءة لا اعرف زمنها حتى رفسني احدهم عدت منها الى رشدي وصحوتي التي كرهتها :
هيا ايها الفتى جاء دورك
فنهضت مرعوبا اسحب بخطواتي التي انهكها الخوف .. انه الموت ولكن الى دكة تختلف عن سابقتها هذه المرة ليس فيها دوي عيارات نارية ولا تكبيرات مكررة ,انه الإعدام الهادي والموت الرحيم … فاقتادني الحارس الى غرفة كبيرة ووجدت نفسي بصالة لم اشاهدها من قبل حينما كنت على قيد الحياة ,فيها مقعد مستطيل تتبعثر على جوانبه مشارط وسكاكين فأمروني بالاستلقاء عليها فاستلقيت وتجمع ممن لبس النقاب حولي وهمس احدهم الى آخر
هل تاكدتم ان قلبه سليم ؟
نعم حضرة الدكتور
ودقاته؟
منتظمة (شبابية) قهق الجميع وخفتت الاصوات حولي واجتاحني برود لم ألفه وتيه زمني مبعثر …. كأنني في حلم .. لا ريب ان الحظ هنا يلعب دوره .. اي جسد سيحويني ؟ لأي جسد سأنتمي وأي وريد سيغذيني بدمه ؟ وأي مخ سيقودني او هل انا ساقوده.؟
وها هو قلبي الان يقف منتصبا نابضا شامخا يضخ دما لإنسان , او لربع انسان , لا اعرفه هو ليس انا وليس من سلالتي وعقله ليس عقلي ولكنه جزء مني ولا اعرف من يتبع من ؟ ولكن كم كنت اشعر تجاهه بالاحتقار لما يحمل جسده من خلايا شيطانية ورغبة في قتل الاخرين , كنت اشعر انني بعيد الصلة عنه ولا انتمي اليه ولكن ما حبلتي ربما تجمعنا نهاية زمانية ومكانية واحدة.
(دائما علينا ان نحذر من السيوف الخشبية) .
هشام الطائي- البصرة



















