أطفال العراق
مستقبل غامض وتيه مستمر
في واحد حزيران يصادف من كل عام اليوم العالمي للطفل وهذا اليوم هو محصلة ما اقرته الاديان السماوية والقوانين الوضعية والاتفاقيات الدولية بحق الطفل في الحياة والحرية والكرامة، وقد استطاع الفكر التقدمي الانساني ان ينجز مدونات لمبادئ وقواعد قانونية دولية واقليمية بصيغة اعلانات لحقوق الانسان واتفاقيات بين الدول، وقد كان للاطفال نصيب مهم من هذه المبادئ على شكل منظومة اهداف وبرامج وآليات تنفيذ تساعد على حمايتهم وتسهم في تهيئة بيئة مناسبة للنمو الجسمي والعقلي والنفسي وتسهم في تطور التعليم والصحة للتمتع بطفولة سعيدة.
وقد تضمنت هذه المبادرة واللائحة لحقوق الانسان وحقوق حماية الطفل خاصة عشرة مبادئ تهدف جميعا الى تأمين حقوق الطفل وحمايته كي ينعم بالحرية والطمأنينة والسعادة. وقد اقر المؤتمر العالمي لحقوق الانسان والذي عقد في (فيينا) حزيران 1992 اتفاقية حقوق الطفل في الفصل الثالث من الوثيقة. Par/ 24/59/ conf/ A- وقد عرفت هذه الوثيقة الطفل بأنه (كل انسان لم يتجاوز سن الثامنة عشرة ما لم يبلغ سن الرشد وايضا تحدثت الوثيقة بأن لا ينبغي لاي طفل ان يعاني من التمييز، وايضا في المادة السادسة تنص على الاطراف ان تعترف بأن لكل طفل حقا اصيلا في الحياة وتكفل الدول الاطراف الى اقصى حد ممكن بقاء الطفل ونموه، اما المادة الاهم في هذه الوثيقة في المادة (19) التاسعة عشرة والتي تنص على اتخاذ الدول الاطراف في الاتفاقية جميع التدابير التشريعية والادارية والاجتماعية والتعليمية الملائمة لحماية الطفل من جميع اشكال العنف او الضرر او الاساءة البدنية والعقلية والاهمال او المعاملة المنطوية على الاهمال والاستغلال بما في ذلك الاساءة الجنسية. اذن فاطفال العالم التقدمي يحتفل اليوم بعيدهم الذي شرعته الوثيقة الدولية اما نصيب اطفال العراق من الاتفاقيات الدولية والاقليمية والسياسات المحلية هو القتل والتشرد والاستجداء والاغتصاب وغيرها من الانتهاكات بحقهم وحق كرامتهم. فاطفالنا يعيشون واقعا لا يخطر على بال اي انسان مهما وصلت درجة من الانسانية فهم اليوم يقتلون ويهجرون ويتشردون ويغتصبون ويستجدون نتيجة الوضع الاقتصادي المتردي لاسرهم ويعملون باعمال شاقة لا تتناسب والقوى الجسمانية لهم وكذلك حرمانهم من التعليم لظروف خارجة عن ارادتهم بسبب مساعدة اهاليهم في الحصول على لقمة العيش وتعرضهم للانفجارات والاغتصاب من ضعاف النفوس بالاضافة الى وقوعهم فريسة سهلة بيد هؤلاء وعصابات الاتجار بالبشر. فهذه المعاناة لاطفالنا ولدت واقعا مريرا متخما بالاسى والمرارة نحو مستقبل معتم ومجهول ومرعب وانها نتيجة منطقية لواقع يستند الى تراكمات الحروب الماضية وتداعياتها والازمات المستمرة والتي افقدته الاستقرار الامني والاجتماعي واخلت بالمنظومة الاجتماعية بشكل مباشر والذي يدفع ثمنها الطفل العراقي. فأطفال العراق يعيشون ازمة انسانية مريرة فعلى الصعيد الاجتماعي فهم يعرضون الى مخاطر شتى جراء اضطرارهم الى العمل في مهن شاقة كما ذكرنا وهذا يتعارض مع حقوقهم الاساسية كاطفال للائحة حقوق حماية الطفل فمنهم من يعاني الادمان على المخدرات ويتعرض لمختلف الاعتداءات الجسدية والجنسية ومنهم من ينام على الرصيف بسبب فقدانهم اسرهم حيث لا سكن ولا مأوى ويأكلون من نفايات الشوارع والازقة بالاضافة الى ان هناك الكثير من الاطفال يعيشون الخرائب وبيوت من الصفيح ولاسيما في العاصمة بغداد وضواحيها الى آخرها من الانتهاكات والتي تتنافى مع المعايير الدولية لحقوق الانسان والطفل.
اما من الناحية الصحية حيث تضاعفت نسبة الاطفال دون سن الخامسة فمنهم يعانون سوء التغذية المزمن في الاسر التي انعدم امنها الغذائي نتيجة السياسات الاقتصادية الخاطئة والتي دفعت ثمنها الاسرة العراقية وما آلت اليه من فقر وحرمان من ابسط الحقوق. اما من الناحية التعليمية فالمجتمع العراقي شهد خلال العقود الماضية تدهورا واضحا وملموسا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي مما القى بظلاله على العملية التربوية.. وتسبب هذا التدهور في تسرب مئات الآلاف من الطلبة الدارسين في المراحل الابتدائية والمتوسطة بشكل ملفت للنظر والذين انخرطوا بالاعمال المتدنية لاغاثة عوائلهم من الفقر والعوز ورفع مستواهم الاقتصادي وهذا ما يتعارض كليا مع معايير حقوق الانسان والطفل المنصوص عليها في المواثيق الدولية وفي التشريعات العراقية مما يتسبب ذلك في الكثير من المخاطر التي ذكرناها بالاضافة الى الخسارة الكبيرة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية من جانب آخر فأن هذه الاعداد الكبيرة المتسربة من المدارس ستكتسب سلوكيات سلبية وعدوانية وتجعله شخصا غير مكتمل اجتماعيا.
اما بعد 1 حزيران الماضي وما وقع في الموصل والرمادي وصلاح الدين وبقية المناطق التي سيطرت عليها عصابات داعش الاجرامية وما جرى من انتهاكات لحقوق الانسان في تلك المناطق وللطفل والمرأة النصيب الاكبر من هذه الانتهاكات ولاسيما اطفال الطائفتين المسيحية والايزيدية وما جرى لهم على يد هذه العصابات من قتل جماعي وتهجير وسبي وتجنيد بعضهم والتحاقهم بالمعسكرات الداعشية ومنهم من مات في طريق هروبه مع اسرته جوعا وعطشا ومنهم من مات اثناء ولادته في العراء.
فمأساتهم (حدث ولا حرج) ولا من مغيث لهم وهذا كله يتنافى مع المعايير الدولية لحقوق الطفل والانسان بصورة عامة في ظل دولة نفطية غنية وجهل سياسي واقتصادي والذي ادى الى انهيار الدولة ومؤسساتها وعدم وضع ميزانية خاصة للطوارئ لحماية مواطنيها من مآسي الحروب والفيضانات والكوارث الطبيعية وغيرها.
ففي هذا اليوم هل اعزي اطفالنا بقتل طفولتهم وحلمهم ام اهنيهم اسوة ببقية اطفال العالم الذين يعيشون بطمأنينة وسعادة؟ لا ادر ي مع كل الاسف!! فاذا ارادت ان تلتزم الدولة بالمعايير الانسانية الدولية فيجب ان تفهم قبل كل شيء ان اطفالنا هم الجيل الذي سيتولى في المستقبل القريب قيادة وتسيير عجلة الحياة لذلك الامر الذي يتطلب ايقاف جميع الانتهاكات الفظة الواسعة لحقوق الطفل بشتى نواحيها والالتزام بما ورد في الصكوك الدولية والقوانين وتأسيس ثقافة السلم الاهلي لتجنب الصراعات والازمات الداخلية وانفتاح الحريات بعدها المؤسس للدولة المدنية والديمقراطية.. ويجب ان تكون هناك مصداقية في تطبيق المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الانسان وحقوق الطفل فنذهب بلباس مدني للتوقيع على هذه المواثيق والمعاهدات الخاصة بحقوق الانسان وترجع بلباس ديني ونفرغ محتواها بحجة الاعراف والتقاليد والدين.
ماجدة البابلي – بغداد



















