لماذا يرج بورخس عقولنا كقنينة بيبسي؟- مقالات – نوزاد حسن

nozad

لماذا يرج بورخس عقولنا كقنينة بيبسي؟- مقالات – نوزاد حسن

  احيانا اشعر ان الكتابة عن بورخس تعني لاي كاتب انه يريد ان يظهر لنا انه متفوق في فهمه.بالنسبة لي يقف بورخس على نفس درجة الغموض التي تلف كتابات كانط الفيلسوف الالماني.نعم بورخس وكانط اكبر مثقفين وصلا الى لغتنا ولم نفهمها فهما كاملا حتى هذه اللحظة.واذا كان الدكتور طه حسين في كتابه الرصين حديث الاربعاء،وفي الجزء الثالث منه قد اعترف انه اتهم نفسه بالجهل حين قرا كانط وهيجل ولم يفهمهما،فاننا لم نجد من يعترف انه لم يفهم بورخس فهما يعطينا المتعة على اقل تقدير.لذا سيكون بورخس مثار اهتمام جميع الكتاب والشعراء ولعل زمنا قريبا سيكون فيه من العيب الا يقرأ الانسان بورخس باصرار كبير.وانا اعترف ان قراءته تحتاج مثل ذلك الاصرار المفقود في هذه الايام الا فيمن ندر.   لكن دعوني اسال لماذا بورخس.؟وقبل الاجابة عن هذا السؤال لا بد من التوقف قليلا عن مشكلته.لكن هل لبورخس مشكلة.؟اجيب نعم لبورخس مشكلة غريبة بعض الشيء،وتتلخص في انه لم يكن يؤمن بفكرة التقدم والتطور كثيرا.ليس لانه اعمى وانما لانه فرد محدود القدرة على خداع نفسه.لنتوقف عند هذه الفكرة المبسطة عنه لا يستطيع ان يخدع نفسه ابدا.هو فرد محاصر بزمنه وعاهته،وخياله.ومن هذا الخيال المتفجر كبركان والمليء بسحر اميركا اللاتينية عاش بورخس باسلوب غامض مثير للاهتمام.كيف.؟  في تجربته كانسان فقد تعرض لازعاجات من الحاكم الدكتاتور بيرون الذي تدخل حتى في وظيفته ونقله الى عمل ادنى،ومع ذلك لم نجد في كتاباته تلك الثورة الجامحة المباشرة التي نجدها عند غيره من المثقفين على الدكتاتور الذي اضطهدهم.كان هذا الضرير مسكونا بالاحساس بالموت،وغارقا في غموض هذه الدنيا.اذن لو اردنا ان نشير بدقة الى مشكلة بورخس فعلينا ان نتحدث عن مشكلتنا نحن معه.  اننا نؤمن وبقوة ان الواقع الاجتماعي يحرض الكاتب على الابداع،وعلى الكاتب او الشاعر او الروائي ان يكون صوتا للتعبير عن هذا الواقع.ومع بروز فكرة الالتزام الادبي التي دعا اليها سارتر،والواقعية الاشتراكية فاننا صدقنا هذه المعادلة.الواقع منجم للكاتب.وهذه فكرة دقيقة وجيدة.اذ لا احد يشك في ان الانسان الذي يعيش في بيئة ما لا يمكنه ان يتناسى عيوب ومشاكل بيئته وواقعه.هذا شيء صعب جدا.ان الخطأ في فكرة المثقف الذي يكون مرآة لمجتمعه هو ان لغة هذا الكاتب ستكون خالية من انفعال اعمق يصلنا كخبرة فيها شيء من اصالة الفردية المفقودة لدينا.وقد لا يعرف البعض ان التاكيد على دور المجتمع والواقع واهميتهما لدى الكاتب،هي فكرة ماركسية.فالواقع يسبق وعي الكاتب وان كان الكاتب يتدخل في معالجة نصه اي انه يملك الحرية الفنية في النهاية.بورخس لا يفكر بهذا الشكل لانه يعرف ان الواقع موجود لكنه يتحكم به من خلال خياله.وهنا نجد انفسنا بعيدين عن حدود تخيله وعالمه.اننا نريد ان نفهمه وقد ادخلناه في مختبر عقولنا التي تؤمن ان كتاباته لا بد ان تكون مرآة للواقع،وانها لا بد ان تعبر بطريقة واضحة عن معاناة الاخرين،وان تنتقد الانتهاكات.هذا ما يقوله مختبر عقولنا لكن ما يكتبه بورخس لا ينسجم مع هذه الطريقة في الفهم والتحليل لسبب بسيط لان الشاعر الارجتيني لم ينضج بما فيه الكفاية ليكون مثلنا.فاذا كنا ناضجين عقليا ونبحث عن الاسباب والنتائج،ونفضل الحديث عن التقدم،وانجازات العقل،والعالم كيف سيكون بعد خمسين سنة،فهذا كله لا يهم بورخس.انه يبتعد عن دنيانا لان تخيله تاثر بكل الاشياء الواضحة في الحياة.لقد تاثر بضوء القمر،والشوارع والسكاكين،والزمن،والازهار.تاثر بكل شيء واحب كل شيء،وعاش الماضي البعيد كعقوبة او ذكرى ستقتص منه لانه سيكون هو ايضا ماضيا.لذا فان عقولنا لا تستوعب ما تفعله قصص بورخس بهذا الواقع المليء بالمغريات.فكل ما بناه العقل من حولنا تهدمه قصة او قصيدة او حكاية او قطعة نثرية صغيرة يكتبها بعفوية مجردة من اي اثر عقلي.هذه هي مشكلتنا مع بورخس انها مشكلة نفسية او هي معركة شرسة معه.فنحن نريد ان نفهمه من خلال عقولنا وهو يريد ان يرينا حقيقة العالم،ووهم الاشياء،وقوة الماضي.اننا نريد ان نجعله منتميا لمملكة العقل وهو ضد هذه المملكة.ان صدامنا معه هو صدام العقل والخيال هذه هي مشكلتنا مع ذلك الضرير.ومن هنا نشعر باننا نفقد عقولنا ونحن نقرا كتاباته الرائعة،بل اننا نشعر انه يرج عقولنا،ويسخر منا لان للخيال قوة جبارة تهدم العالم احيانا.وتجعله اوضح مما نظن.