

لماذا الكتابة؟ – ترجمة زيد الشهيد
جوليا كاستيرتِن
لَطالما راودَني ، في أحيانٍ كثيرة ، سؤالُ : لماذا الكتابة ؟ وكنتُ صَرفتُ ساعاتٍ طويلة اتحدَّثُ مع أصدقاءٍ لي ، كتّاب وغير كتّاب ، في ما يتعلق بالكتابة ، مأخوذةً بفكرةٍ ، استمرت تصاحبُني طيلةَ السنوات الخمس والعشرين الأولى المنصرمة من حياتي ، أنَّ كلَّ شخصٍ إمّا قد كتبَ أو أرادَ أنْ يكتُب روايةً ، على سبيلِ المثال . لكنْ ما أفشَت لي احدى الصديقات التي تشاركُني العملَ ، وبعباراتٍ لا لبسَ فيها ، هناك عدمُ وجودِ رغبة في ذلك ما جعلني أُبعِد هذه الفكرة نهائياً ؛ أنا التي كنتُ افترضُ أنَّ صديقتي هذه كانت تَكتبُ في الخَفاء. وإذْ كنتُ اتعقَّب الكتابةَ مُنطلقةً من رؤيةِ أنَّها مُمارسةٌ انسانيةٌ عالميةٌ تَتطلَّبُ العُزلَةَ والمكانَ الهادىءَ اكتشفتُ أنّ صديقتي بدلاً من ممارسةِ الكتابةِ كانت تتابع برامجَ التلفازِ أو تصرف الوقتَ مع صديقاتٍ لها بالجلوسِ في حانةٍ كصورةٍ من صورِ النَّشاطِ الاجتماعي الذي يناقضُ الكتابةَ التي هي في صميمِها نشاطٌ انعزاليٌّ ، إلاّ اذا ضمَّ مجموعةً من الكتّاب الذين يتناولون مَوضوعاً في حلقةٍ نقاشية . فالكتابةَ تتطلَّبُ ، في أيِّ مكانٍ وزمان ، أنْ تكونَ وحيداً في أغلبِ ما تكتُب ، سَعياً لتحقيقِ جُهدٍ ذي شأنٍ تعتدُّ به ، يُرضي غرورَك ويُشعِرُك بأهميتِك .
الكتابةُ .. يُسرٌ أَم مَشقّة
من الواضح أيضاً أنَّ الكتابةَ ليسَت عَمليةً طبيعيةً كما هو التنفّسُ ؛ وأن اسطورة الكاتب الطبيعي/الفطري ، الذي ينسج شبكةً معماريةً ضخمةً من شعرٍ أو نثرٍ رفيعِ المستوى انَّما هي كذبةٌ مُضلِّلةٌ حيثَ حَسناً فعلَ الكثيرُ من الكتّابِ من أجلِ محوِها . فقط يمكن مشاهدة هذه الرؤية ، تظهر وبصورة فاعلة في أحايين كثيرة ، في الأعمدةِ الأدبية ، والأفلامِ الشعبية حولَ عمالقةِ الادب ، وحتى في السّير الذاتية للكتّاب .
لا يهُم كم هي احتجاجات الكتّاب واعتراضاتهم على ذلك ، أمّا غيرُ الكتّاب فيبدو أنَّهم يستعذبون فكرةَ أنَّ الكتابةَ سهلةٌ ويسيرةٌ ، وأنها بصيغتها النهائية ليست كِتاباً يتطلّب المَشقّة . وحدهم الكتّابُ المُدوِّنون ، والوجدانيون ، والمفكِّرون يعرفون كيفَ تكون مَشقَّة الكتابة .. ففي هذا الصدد عبَّرت سيمون دي بوفوار عن انزعاجِها الكبير عندما أدلى أحدُهم بإمكانِ أيِّ انسانٍ كتابة ” مُذكرات فتاةٍ مُطيعةٍ ” … فاذا كان بمقدورِ ايَّ انسانٍ كتابةِ ذلك فلماذا هي الوحيدةُ التي كتَبت مثلَ هذا الكتاب ؟ .. من هنا ينبغي على الكتَّاب التصدّي لمثلِ هذا التحامل ، ووضع ذلك في الحِسبان قبل مناقشةِ الكتابةِ مع معارفَ طارئين.
إنَّ البشرَ ، كما أعتقد ، يكتبونَ لانَّهم بحاجةٍ لذلك … فلقد وصفت فلورنس دوريل الكتابةَ على أنَّها الطريقةُ المُثلى لنصبحَ أكثرَ شعوراً بإنسانيتنا . وهذه العملية يمكن أنْ تأخذَ شكلَ السَّمكِ الطائر مع بعضِ الناس ، أو الملاكمةِ اليابانية ، أو الزخرفةِ مع آخرين . أمّا مع الكتّاب فتأخذُ شكلَ الكتابة . انَّها تتطلبُ مُتَّسعاً من الوقت لفهم هذه الحاجة . وباعتقادي أنَّ أكثرَ ما نكتبُه ، وما نتشبث به بقوةٍ هو ما نريدُ وما ينبغي التعبيــــــرُ عنه .
في “غرفةٍ تعودُ لشخصٍ ” تؤكّد فرجينيا وولف بالرغم من أنَّ ما يحوزه شخصٌ ما من الكتابةِ يمكن احتسابه بمثابة هديةً صغيرة ؛ بيدَ أنَّ اخفاء هذه الهدية يشكِّلُ موتاً لها . لذا مهما تكن الاسبابُ فإنَّ الكاتبَ يُضطَّر الى الكتابة ؛ ومعه امكانيةُ كتمِ أو إخفاءِ ما كتب لعددٍ من الشهور أو حتى لسنوات ، معتقداً أنَّ مادته ربما تكون ذات قيمةٍ أكبر وجديرةٍ بالاهتمام ، بأقلِ السبل انانيةً مع تقادمِ الزمن . لكن مَن يستطيع اخبارَنا بحجمِ الضَّرر الذي نصنعُه لأصواتنا الكتابية عندما نُركنُها وبقسوةٍ إلى الصمتِ لفترةٍ زمنيةٍ طويلة ؟
القراءة والكتابة
يوجد ثمَّةَ سحرٌ في الكلمات . فنَحنُ نخوضُ في كثيرٍ من الدوائرِ البرّاقة التافهة التي حولنا ؛ وهناك الكثيرُ جداً من مَساحاتِ الورقِ الطباعي المُبهمةِ التي تجعلُنا ببساطةٍ ننسى الحقيقةَ الأولى ، وهي الكلمات ، ونسيانُ مقدرتِنا على التكلُّمِ والكتابة . هاتان المهارتان اللتان تجعلاننا نشعرُ بإنسانيتنا .. إنَّ الكلمات تعطينا التفوُّقَ والتميُّز على باقي المخلوقات والأشياءِ في العالمِ الطبيعي . وأولئك الذين لا يستطيعون الكتابةَ هُم أقلُّ مقدرةً مِن الذين يستطيعون . لأنَّ فعاليةَ الأسماءِ تقتصرُ على اولئك الذين يُصيخونَ السَّمعَ لها ؛ والذين هُم في الموقعِ المباشر . فليس مِن السهولةِ الاتصال مع المجتمعات الأخرى أو معَ الذين لم يولدوا بعد ، مثلما معَ الناسِ الذين يعرفون كيفيةِ الكتابة .. كان برتراند بريخت ينصح الناسَ الجائعين على تعلّم الأبجدية ، مُنطلقاً من أنَّ معرفةَ مهارتي القراءة والكتابة بمثابةِ خطوةٍ مهمّةٍ باتجاهِ أخذِ سيطرةِ الانسانِ على تفاصيل حياته .
الكتابةُ .. القوةُ والفاعلية
إنَّ الكثيرَ من المجتمعات وبضمنها مجتمعنا فرضت العديدَ من العقوبات على اولئك الذين يتوقون الى القوة أو الفعالية التي تمنَحُها لهم الكتابةُ . ووجدت مجموعة القرارات أنَّ اهتمامات اولئك هي الضامنة اذا هُم دُعِموا بواسطةِ قوة العمل التي لا تعتقد بقرارةِ نفسها أنَّ هناك طريقةً متماسكةً كمثلِ تلك التي تُتيحُها الكتابة .. لقد أحرقَت محاكمُ التفتيش الاسبانية الكُتبَ ، تماماً كما فعلت النازية . فالكتبُ تشكّل خطورةً لأنَّ القراءةَ والكتابةَ تورطُنا في ممارسةِ فكرةِ الحرية .
إنَّ الكتابةَ المُتخيَّلة سواء كانت شعراً أو رواية أو مسرحيات تخلقُ مَكاناً آخرَ يقطنه القراء ، عارضةً عالماً بديلاً قادراً على تحدي العالم الحقيقي المُعاش . وهيَ ، في المعنى الأساسي الغالب ، ساحرةٌ : تنسجُ الالفاظ ، وتصنعُ شيئاً من لا شيء .
الهوامش
جوليا كاستيرتِن .. كاتبة بريطانية ….. وكتابها الكتابة الابداعية (The Creative Writing ) هو دليل عملي للكتابة الإبداعية، وتقديم المشورة بشأن الاسلوب والشكل، والمساعدة في تطوير العمل لقراءة أو سماع وكيفية الحصول على نشرها. واستنادا إلى مقابلات مع كتاب آخرين، وخبرتها الطويلة كشاعرة واستاذة ، تدرس جوليا كاستيرتن العديد من أنواع الكتابة – السيرة الذاتية والشعر والحوار والقصص القصيرة والكتابة للشاشة .

















