قصة السقوط الأبدي

قصة السقوط الأبدي

جلس العم ثائر على كرسيه الهزاز وهو يسحب الدخان بغليونه الاحمر وراح يسترجع ذكرياته مع صديقه القديم سامي الّذي لم يره منذ سنوات طويلة لقد تعّرف إليه في مقهى البلدة ومنذ الوهلة الاولى وجد فيه ذلك الشخص المحب للمغامرة والمال ويوما” بعد يوم توطّدت علاقتهما ولاّنهما كانا عاطلين عن العمل طرح سامي على ثائر فكرة سرقة معسكرٍ للانكليز قريب من بلدتهم فوجئ  ثائر بهذه الفكرة القاتلة قائلا”:

أجننت وكيف نستطيع ذلك ؟

رسم سامي له خطته لسرقة المعسكر دون أن يخسرا حياتهما قائلا” :

الأمر بسيط فالحراس يحبون شرب الخمر ليلا” أثناء واجبهم وقد تقربت اليهم حتى أقنعتهم بأنني أصنع خمرا” محليا” فاخرا في البلدة فطلبوا مني جلب بعض قناني المشروب ليتأكدوا من صحة قولي وطبعا” انا لن أقلد ماجرى على طروادة من قبل حصانها المشوؤم الذّي كان سبب دمارها إلاّ أن فكرة الحصان الطروادي تبقى ناجحة دوما في كسر اقوى الحصون   وهكذا مضى الاثنان وهما يعدّان قناني الخمر لكي يملآ بطن المستعمر وعقله بها   نجح الأمر وشرب الحراس كل ما فيها بنهم كبير وراحوا يغطّون في نومٍ عميق مما مكّن سامي وصديقه ثائر من سرقة بعض الاسلحة والمعدات والاثاث من المعسكر وبيعها في البلدة طمعا في المال لا نصرة للثوّار الّذين يقاتلون المستعمر ومع ذلك أصبحا بطلان ثائرين .

هاج آمر المعسكر الأنجليزي عندما علم بأمر السرقة وأحال الحرّاس الى المحاكمة العسكرية ثم أستدعى ضابط الاستخبارات إليه :

كيف حصل هذا أيها الضابط وماذا سنقول للقيادة العسكرية إن علمت بالأمر ؟

هدأ ضابط الاستخبارات من روع الآمر راجيا” أمهاله بضعة أيام لكي يحلّ لغز السرقة   ومضى الى البلدة متخفيا” ومستطلعا” يعبر أزقتها الواحد تلو الأخر إلى أن انتهى به الأمر الى مقهى البلدة وهناك عرف من الجاسوس الّذي وضعه في البلدة أن أسلحة ومعدات واثاث قد بيعت للثوار من قبل شابين فطلب منه إن يستدرجهما إلى المعسكر ثانية ويشجعهما على سرقته مجددا وفعل الجاسوس ما أراد منه الضابط .

خاطب سامي صديقه ثائر قائلا : لدينا عملية جديدة في المعسكر فهل سـتأتي معي ؟

رفض ثائر ذلك : لا لن أشترك معك مرّة أخرى في أي عملية فالموت فقرا أفضل من الموت عارا ونحن نسرق معسكرا للانكليز من أجل المال فقط لا من أجل أن نحرر بلدنا من المستعمر.

مضى سامي بخطوات ثابتة الى المعسكر ليلا وهناك كانت تنتظره مفاجأة :

أمسكوا به هذه المرّة متلبسا” وقادوه الى ضابط الاستخبارات :

– ماالّذي أجبرك على هذا الفعل وأنت تعلم أن في ذلك هلاكك ؟

– المال يا سيدي المال ليس إلاّ .

– حسنا ياسامي: هل تعرف القراءة والكتابة ؟

– نعم سيدي الضابط .

– إذن سنوظّفك ككاتب في البداية كي تسجل أسماء الموظفين الّذين يعملون في المعسكر وبعدها إن ثبت لنا أخلاصك في العمل سنرقيك إلى وظيفة أعلى

لقد كانت كلمات الضابط له بمثابة الخلاص من الورطة التي وقع فيها فقبل الأمر  ولكن سامي لم يتوقف عن سرقاته حتى وهو كاتب بسيط من خلال تسجيل موظفين وهميين ليس لهم وجود وقبض مستحقاتهم وكان ضابط الاستخبارات الأنجليزي على علم بكل ذلك .

استدعاه مرة أخرى قائلا: هل لديك زوجة واطفال ؟

– نعم سيدي الضابط لدي زوجة وبنتين بالغتين .

– يا سامي : سنرقيك الى وظيفة مسوؤل لمخازن المعسكر شرط أن تجلب زوجتك وأبنتيك للعمل في المعسكر .

– قبل سامي العرض وهو يحلم بالمال الوفير الّذي ستجلبه له مهنته الجديدة .

وراحت الزوجة والبنتان تخدمان عنابر الضباط الانكليز في بادئ الامر بتنظيفها وشيئا فشيئا تطور الأمر الى الترويح عن الضباط وقت الاستراحة عن طريق مهنة الدعارة مقابل جنيه واحد في الشهر  ولم يكن الامر خافيا” على سامي حيث اصبحت الغيرة عنده من متحجرات التاريخ التي لاحياة فيها  وبعد أن تأكد ضابط الاستخبارات من سقوط سامي وعائلته الاخلاقي قال له :

– يا سامي لقد قررت قيادة المعسكر الاستغناء عن خدماتكم  (UR FIRED) انت مطرود .

فزع سامي لكلمة الضابط وراح يتوسل اليه لكي يبقي عليه خاصة بعد أن علم الثوار بأنه هو من وشى للانكليز بتحركاتهم . وباءت توسلاته بالفشل وهي تتكسر تحت حذاء ضابط الاستخبارات الانكليزي.

خرج سامي من المعسكر ومعه عائلته وأختفى من البلدة وإلى الأبد.

(حقا قد يزّل المرء إن غفل وقد تودي به زلّته هذه الى السقوط الابدي).

خـــــــــــتم ثائر ذكرياته وهو يتمتم بهـــذه الكلمات ومضى يتطلّع الى قرص الشمس وهي تعلو شيئا فشيئا في كبد السماء معلنة بداية نهار جديد.

ليث الاسدي – بغداد