

هل يعيد التاريخ نفسه؟ فصل من كتاب (مفاتيح الحكم في العراق)
قراءة معاصرة في رسالة الملك فيصل السرية عن العراقيين – خالد المعيني
إتسم العراق في العهد الملكي بفسحة من الإستقرار والهدوء النسبي فقد شهدت بدايات هذا العهد تبلور نواة الدولة العراقية الحديثة، بعد قرون من التخلف والإنحطاط السياسي والإقتصادي والإجتماعي، حيث ظهرت وتطورت مدارس التعليم الحديثة بدل أسلوب الكتاتيب وتأسست معاهد لتخريج المعلمين لهذا الغرض، وتطورت الصحافة المطبوعة، وتشكل جيش عراقي وطني قوي لأول مرة، وكليات عسكرية لتخريج دورات من الضباط، وبدأت لأول مرة نهضة صناعية من خلال مجلس الإعمار التي شكلت لاحقا البنية التحتية للصناعة في العراق، وبدأت ملامح حرية سياسية نسبية من خلال التعددية الحزبية وإنتشار الصحف، وتزايد نمط من الحراك الطبقي الإجتماعي من خلال حركة التعليم المتصاعدة، وربما بالإمكان أن يعزى هذا الإستقرار في العراق للتدرجية والهدوء في التقدم الى الأمام بهيكلية الدولة دون التعرض أو إحداث هزات عنيفة، كما حصل لاحقا وأطاحت بكافة إنجازات هذا الشعب، وكذلك يكمن السر في إستقرار ونزاهة وإستقلال كلا من مؤسسات القضاء والتعليم والتي بسببهما تم إستقلال العراق عام 1932 وكان العراق في هذه الحقبة الملكية ورغم قصر الوقت قد خطا خطوات متقدمة وقوية وسريعة وأصبح في مقدمة دول الجوار بل أصبح مركزاً إقليمياً ومحوراً مهما مقارنة ببقية الدول العربية أو دول الجوار، كما هو إستحقاقه دائماً.
لا يمكن في هذا الصدد وبقدر تعلق الأمر بهذه الدراسة، إغفال دور وعقلية الملك فيصل الأول، الذي وقعت على عاتقه تأسيس الدولة وضمان نموها ووحدتها في ظل ظروف دولية معقدة إتسمت بتداعيات الحرب العالمية الأولى، وإستقطاب دولي شديد، وبين ظروف داخلية محبطة تتعلق بشعب تم تشويه هويته طيلة مئات السنين نتيجة الإحتلالات المتعددة، وتفتك به الأمية والجهل والفقر والإنقسامات والتمردات القبلية والعشائرية والقومية من شماله إلى جنوبه، وهو أمر دأبت عليه بإستمرار عشائر وقبائل العراق ضد معظم ولاة الحكم من العثمانيين، وكذلك عانى العراقيين عند تأسيس الدولة العراقية من غياب الروح الوطنية الجامعة بسبب العهد العثماني الذي ترك البلاد غاية في الإنحطاط والتخلف والجهل والإهمال.
ثنايا الرسالة
وردت في ثنايا رسالة للملك فيصل الأول كان قد أرسلها مطلع القرن الماضي بصفة خاصة لبعض خلصائه من كبار سياسيي ووزراء العراق ممن يثق بهم للعمل معه بغية النهوض بواقع العراق وزيادة تماسك نسيجه الإجتماعي وضمان وحدته وقوته، نظرة ثاقبة في النظر لطبيعة العراقيين وكيفية سياستهم وأهم العناصر الرخوة في خاصرة المجتمع العراقي ووسائل تجاوزها.
وبقدر تعلق الأمر بطبيعة هذه الدراسة، سنسلط الضوء على تلك الأفكار التي خلص اليها فيصل فيما يخص طبيعة الشعب العراقي وسنترك جانبا، تلك الوقائع التفصيلية المتعلقة بالجانب التنفيذي آنذاك.(29).
يلفت فيصل الأول أنظار الساسة العراقيين، الى ضرورة فكرة الموازنة بين كفتي الحكمة والعدل من جهة، والقوة ماديا ومعنويا من جهة أخرى، وذلك بعد أن أشر إفتقار البلاد للوحدة الفكرية والدينية، مما أدى الى أن تكون قواها مبعثرة، فيذكر في رسالته النص الآتي: (إن البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الإجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية والملية والدينية، فهي والحالة هذه مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها، يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين، وفي عين الوقت أقوياء مادة ومعنى، غير مجلوبين لحسيات أو أغراض شخصية، أو طائفية، أو متطرفة، يداومون على سياسة العدل والموازنة والقوة معا، على جانب كبير من الإحترام لتقاليد الأهالي، لا ينقادون الى تأثرات رجعية أو الى أفكار متطرفة، تستوجب رد الفعل).
وحول مسايرة الشعب لحين إمتلاك القوة اللازمة، ويقصد بذلك عدم جدوى الإفراط فقط في إستخدام القوة، وضرورة التعشيق أولا، مع واقع وحقائق وتقاليد الشعب، فيذكر: (إن عدم المبالاة بالرأي بتاتا، مهما كان حقيرا خطيئة لا تغتفر. ولو أن بيد الحكومة القوة الظاهرة، التي تمكنها من تسيير الشعب رغم إرادته، لكنت وإياهم، وعليه فإننا لحين ما نحصل على هذه القوة، علينا أن نسير بطريقة تجعل الأمة مرتاحة، نوع ما، بعدم مخالفة تقاليدها، كي تعطف على حكومتها في النوائب).
وحول خطورة الوضع الذي كان يراه الملك فيصل، وهو يضع على عاتقه إعادة تشكيل دولة فتية في العراق، على أنقاض مئات السنين من الحكم العثماني المتخلف للبلاد، نراه يشخص خطورة وحراجة موقف مستقبل هذه الدولة الفتية نتيجة الإنشقاقات الإجتماعية والطائفية الأفقية والعمودية، وأثرها على أداء الحكومة ومستقبل البلاد، ونجده أيضا يركز في منتصف النص التالي من الرسالة، على ضرورة الموازنة بين القوة العادلة لحكم البلاد، وبين صبر الحكومة ومطاولتها، لتجاوز الثقافات والأمراض الفرعية التي تفتك بالبلاد: (.. وفي هذا الصدد، وقلبي ملآن أسى، إنه في إعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خالية من أية فكرة وطنية متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء، ميالون للفوضى، مستعدون دائما للإنقضاض على أية حكومة كانت. ونحن نريد، والحالة هذه، أن نشكل من هذه الكتل شعبا نهذبه وندربه ونعلمه. ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في مثل هذه الظروف، يجب أن يعلم أيضا الجهود التي يجب صرفها لإتمام هذا التكوين وهذا التشكيل).
كان التشخيص دقيق وغاية في المرارة، لكن فيصل كانت لديه أيضا رؤية للخروج من هذا الواقع المظلم، وإمكانية الخروج بدولة فتية الى النور، عبر ممازجة عناصر مختلفة ما بين القوة والحكمة والعدل وخدمة الناس مقرونة بالعدل والقضاء المستقل ونزاهة الجهاز الاداري، إبتداءا من القمة متمثلة بمؤسسة الملك نفسه، لنقرأ النص التالي قبل أن نسطر الأسس والركائز التي أعتمدت لبناء الدولة في ظروفها الحاكمة آنذاك:(أقول هذا على سبيل المثال، وذلك للإختلافات الكبرى بين الطوائف التي يثيرها المفسدون، وهناك حسيات مشتركة بين أفراد الطائفة الإسلامية، ينقمون بمجموعهم على من لا يحترمها. وهناك غير هذا، دسائس آثورية وكلدانية ويزيدية، والتعصب للتفرقة بين هؤلاء الجهلاء توهن قوى الحكومة تجاه البسطاء. كما إن العقول البدوية والنفوذ العشائري، الذي للشيوخ، وخوفهم من زواله بالنسبة لتوسع نفوذ الحكومة، كل هذه الإختلافات، وكل هذه المطامع والإحتراصات، تشتبك في هذا الصعيد وتصطدم وتعكر صفو البلاد وسكونها، فإذا لم تعالج هذه العوامل بأجمعها وذلك بقوة مادية حكيمة، ردحا من الزمن، حتى تستقر البلاد وتزول هذه الفوارق وتحل محل التعصب المذهبي والديني، هذه الوطنية الصادقة التي سوف لا تكون إلا بجهود متمادية، وبسوق مستمر من جانب الحكومة بنزاهة كاملة، فالموقف خطر).إعتمدت خطة الملك فيصل الأول، للخروج من تخلف وفوضى العراق، على محورين متوازيين، إمتلاك مقومات القوة المادية الصلبة، وثانيا السعي بصبر وتروي لتغيير وعي الناس وزرع الروح والهوية الوطنية الجامعة، من خلال نشر التعليم والمدارس وإنشاء المشاريع الإنتاجية والخدمية على المدى المتوسط والبعيد، وفي أدناه النقاط التي تضمنتها رسالته لقادته ووزرائه:
اولا – إقامة أسس دولة مواطنة قانونية وحديثة ، ترعى جميع القوميات والأديان والطوائف والملل دون التمييز بينهم، فقد ورد في المادة ( 6) من القانون الأساسي لسنة 1925 وهو أول وثيقة دستورية للدولة العراقية في التاريخ المعاصر : ( لا فرق بين العراقيين في الحقوق أمام القانون ، وإن إختلفوا في القومية ، والدين ، واللغة ) .(30)
ثانيا – تقوية الجيش، بحيث يصبح قادرا على إخماد أي تمرد مسلح ينشب في آن واحد على الأقل في منطقتين متباعدتين (كل ذلك يضطرني أن أقول إن الحكومة أضعف من الشعب بكثير، ولو كانت البلاد خالية من السلاح لهان الأمر، لكنه يوجد في المملكة ما يزيد عن المائة ألف بندقية يقابلها 15 ألف بندقية حكومية).
ثالثا – عقب تقوية الجيش بهذه الصورة يجري إعلان الخدمة العسكرية الوطنية (الإلزامية).
رابعا – وضع التقاليد والشعائر الدينية بين طوائف المسلمين بميزان واحد، مهما أمكن، واحترام بقية الطوائف.
توزيع الاراضي
خامسا – إن مشكلة الأراضي (توزيع الأراضي على الفلاحين) وحلها سيربط الأهالي بالأرض، وهو ذا مساس كبير بالشيوخ (الإقطاع) ونفوذهم، ولا لزوم للإسهاب بمنافعه ويجب الإسراع بتطبيقه على قدر المستطاع، كما إنه يجب أن لا يحس الشيوخ والأغوات بأن قصد الحكومة محوهم، بل بقدر ما تسمح لنا الظروف يجب أن نطمئنهم على معيشتهم ورفاهيتهم.
سادسا – أن تكون قضية تشكيل مدرسة الموظفين (أشبه بقانون الخدمة المدنية) مطمئنة لكل سكان العراق بأنهم متساوون وسيشتركون فعلا في خدمات الدولة والإشتراك في خيرها وشرها وتزول تهمة الطائفية والعنصرية كما يقول أصحاب الأغراض.
سابعا – إعطاء صلاحيات للألوية (المحافظات حاليا) شبيهة بمجالس الولايات في العهد العثماني (اللامركزية) فسيكون ذلك من جملة أسباب تشويق سكان الألوية للاشتراك بالحكم.
ثامنا – تفريق السلطة التشريعية عن السلطة الإجرائية (السلطة التنفيذية)، ويجب عمل ذلك بتعديل القانون الأساس (المقصود هنا العمل بمبدأ الفصل بين السلطات، الذي من ميزاته، منع هيمنة سلطة على أخرى).
تاسعا – جهاز الدولة الإداري يجب أن يكون لخدمة الشعب ويبتعد عن الأحزاب.
عاشرا – العناية بالزراعة والصناعة وخدمات ومنافع الناس (وإني أحب أن أرى معملا لنسيج القطن بدلا من دار حكومة، وأود أن أرى معملا للزجاج بدلا من قصر ملكي).
– عبد الرحمن البزاز، محاضرات عن العراق من الإحتلال حتى الإستقلال، دار مصر للطباعة، القاهرة، سنة 1954 ص 117.
{ مدير مركز دجلة للتخطيط الإستراتيجي
























