في الذكرى الخامسة لرحيل رافع الناصري

733

 

في الذكرى الخامسة لرحيل رافع الناصري

النهر وأنا .. عشق على مر السنين

علي إبراهـيم الدليمي

تستذكر الحركة التشكيلية في العراق، الذكرى الخامسة لرحيل الفنان رافع الناصري، أحد مؤسسي الفن الحديث والمعاصر العراقي، وبهذه المناسبة أقدم قراءة في كتاب خاص صدر عنه، والمعنون: (رافع الناصري، النهر وأنا.. عشق على مر السنين) الذي أصدرته دائرة الفنون التشكيلية بالتعاون مع دائرة قصر المؤتمرات، في وزارة الثقافة، وهو من تحرير وإعداد الشاعرة والناقدة مي مظفر زوجة الفنان الراحل، والناقد صلاح عباس- الذي كانت له فكرة إعداد هذا الكتاب- وقد ضم مجموعة من المقالات النقدية، والشهادات الحية، التي كتبها بعض من زملائه الفنانين وتلامذته والنقاد، وهم كل من الأساتذة: ضياء العزاوي، ومي مظفر، وفاروق يوسف، وعادل كامل، ود.عاصم عبد الأمير، وإبراهيم رشيد، وعمار داود، ومظهر أحمد، وسامر إسامة، وهناء مال الله، فضلاً عن موضوع كتبه الفنان الراحل بقلمه عن بداياته، كما أحتوى الكتاب على مجموعة كبيرة من أعماله المنتخبة، و(c.v) دقيق التوثيق، مع صور أرشيفية شخصية، على مدى مسيرته الطويلة. وقراءة سريعة في هذا (الكتاب/الوثيقة)، يستفتح السيد جمال العتابي، مدير عام دائرة الفنون/السابق، المقدمة قائلاً: يأتي هذا الإصدار الجديد بالفنان الكبير رافع الناصري، كتجربة جديدة في عملنا، مختلفة في الإسلوب، إعتماداً على التقنيات الإخراجية والطباعية الحديثة،… ولابد من التنويه إلى أن فكرة المشروع مرت بمخاضات عديدة، لم نستطع تجاوزها لو لا الموقف النبيل للفنان الكبير ضياء العزاوي، بملاحظاته وأفكاره النيرة، وما تيسر له من صور لأعمال الفنان الناصري عالية الجودة،… وكان لمراجعة النصوص من قبل السيدة المبدعة مي مظفر عقيلة ورفيقة الفنان، الأثر البالغ في منحها الرصانة الإبداعية والذائقة الجمالية الأرقى، وفي الواجهة الأولى من العمل، كنا مع الزملاء صلاح عباس رئيس تحرير مجلة تشكيل، والفنان إبراهيم رشيد، فريق عمل واحد نعمل بصبر ودأب بالمتابعة والقراءة والتحضير والاعداد من أجل أن يرى هذا المطبوع النور. وبقلمه يستذكر الراحل الناصري مسيرته، التي عنونها: “النهر وأنا.. عشق على مر السنين” التي تبتدئ في مدينته تكريت، مع النهر والسباحة والحصى والرمال،.. حتى في إنتقاله إلى بغداد، كان بيته يقع على ضفة النهر التي لاتفصله عنها سوى ممر للمشاة، وكان سعيد جداً بذلك مع أصدقائه،.. وكذلك وهو يغادر إلى بكين، كان لقاءه الأول مع الماء على ضفاف بحيرة جامعة بكين،.. وتمتد ذكرياته مع الماء في باريس، وعلى نهر النيل العظيم في مصر.. التي أمتزجت في خياله مياه النيل مع مياه دجلة في لحظة عشق نادرة، لحظة تسللت من حلم قديم عمره عشر سنوات، لحظة نادرة عشتها بفرح طفلي، وكانت أجمل من كلام الأحلام في حياتي. وتحت عنوان: لندع الجمال الذي نعشق كائناً بما نفعل،” إنسجاماً مع مقولة أبن الرومي” كتب الفنان ضياء العزاوي، قائلاً: تشكل رحلة الناصري إلى البرتغال (1967- 1969) علامة فارغة في تجربته الطباعية، وكذلك في تحولات علاماته وما تضمنته من صراعات في التكوين الفني ضمن نتاجاته في اللوحة، فقد تبدل كل شئ، تكوين العمل وتجميع مفرداته، سحر اللون، وغواية التضاد، هذا التبدل توسعت دلالاته عبر السنوات التالية، وتم إستخدامه في بيئات مختلفة،… ولعل سفره إلى البرتغال كانت العصا التي كسرت كل ضوابطه الصينية على صعيد التكوين والموضوع،… وعند فحص أعماله المنجزة خلال العامين (1968و1969) وإستخداماته للحرف العربي، يفاجأ المرء بجدة لا مرجعية لها في أعماله السابقة (تكويناً وعلامات) لكنها جدة إمتلكت تأسيساً فردياً غاية في التنوع والغنى، وتأسيساً مغايراً لما تم طرحه من قبل آخرين قبله. وسأقتنص قبس مما كتبته بشكل موسع الناقدة مي مظفر، في “النهر الأول: رافع الناصري.. الغربة وتحولات الإسلوب”، جاءت فيه: على الرغم من أن الناصري قد غادر بغداد في 1991?… كانت هواجس الخوف من مستقبل مظلم قد بدأت تحاصره قبل ذلك بكثير، وتحديداً مع بدء الحرب العراقية الإيرانية، حتى تجلت بوادر التعبير عن تلك المشاعر في سلسلة أعماله الموسومة “أدعية لبغداد”، وحين تدهورت أوضاع العراق الداخلية تحت وطأة الحصار الذي فرض على العراق على مدى ثلاث عشرة سنة، متزامنة مع إرتفاع صوت التهديد بالحرب، تصاعدت لديه وتيرة القلق والخوف، وبدأ يبحث عن مسارات جديدة في الفن، ينفذ منها ويتسامى بفنه على بؤس الحال وغموض الآتي، يحده أبداً أمل في مجئ الأحسن والعودة إلى داره وأرضه،… كان على رافع أن يستنجد بما يمده بالصبر ويأخذ بيده نحو أفاق التسامي على الواقع المر، إكراماً للعراق الساكن في وجدانه، فوجد في تقصي التأريخ وإسقاطه على الحاضر ملاذاً يجمع بين غنى المراجع وبهجة الروح، حيث يقول الناصري في مقدمة دليل معرضه الشخصي الذي أقامه في عمان 2010? تحت عنوان”مابعد الزمن”: في الغربة، ومع تقدم سنوات العمر، يتداخل الزمن تلقائياً مابين ماض وحاضر، وبين قديم وحديث، حينها تتوالى الصور والذكريات والأحداث الكبيرة والصغيرة، لتشكل ملامح الرئيسة لكل حالة إبداعية، وفي الفن تمتزج الأفكار والألوان والأشكال مع ذلك الزمن فتكوّن حالة واحدة تستمد حياتها من تلك التجليات الإنسانية لتصبح لوحة، في أعمالي الفنية التي أنتجتها في السنوات السبع الأخيرة جزء من هذا التماهي مع الزمن. و”شئ منه يقع في السماء” كتب الناقد فاروق يوسف: ضربة رافع الناصري على سطح اللوحة هي أشبه بالموجه التي تمحو ما قبلها، ومع ذلك فلا يزال هناك شئ من الطبيعة التي محاها يتثائب بين يديه، لقد تعلمت فرشاته دروساً في السفر في الزمن، تنسى لتتذكر وتتذكر لتنسى، تجريدياته عن تشف عن طبيعة يخالها المرء قد ذهبت بعيداً، غير أن الناصري إذ بستحضرها لا يكترث كثيراً بصورتها، بل يهمه أن يقبض على خيالها الذي لا يزال ينعم عليه بلذائذ ومسرات روحية، ولانه لم يؤنسن الطبيعة فقد حفظ لها كرامتها البرية، هي ذي الأم التي يسقي حليبها ينابيع الرؤيا، أخلص رافع الناصري للرسم، بالقوة نفسها فقد كان مخلصاً للطبيعة، لا لشئ إلا لأن الطبيعة كانت بالنسبة له نوعاً من الرسم، في كل لحظة تأمل هناك شئ من الرسم، يقع لكي يكون لما نفعله معنى، كان رافع الناصري رساماً للمعاني التي لا يمكن أن ندركها إلا بعد تحررنا من قيود وجودنا الأرضي، شئ منه يقع في السماء. الناقد الراحل عادل كامل، أطلق على”رافع الناصري المعلم”: والأستاذ رافع الناصري، على مدى نصف القرن الذي أمضاه في الفن، لم يتخل عن دور (المعلم) لنفسه، وللآخرين، وكأنه – منذ البدء – تعلم أن المعرفة هي ممارسة يومية، وهي تحافظ على شرعية أنها تمتد بحكمة أن الفن هو العمل الذي يقابل: الفراغ-أو الكسل، فالمعلم تعلم كيف يبني، يركب، ينسج، يؤلف، يجمع، يصهر.. إلخ، مجذراً دور المتلقي شريكاً في الفلسفة: أي أي حب المعرفة، كجزء من المدرسة، الورشة، الصف، التي تمنح الجذور، أصولها في الإمتداد والإستحداث، كما ترسخ أصول التجدد الإستناد إلى الأسلاف. ويركز الناقد د. عاصم عبد الأمير، على أن “رافع الناصري قطاف النَزَع الأخير”: كان إنضمامه لجماعة الرؤية الجديدة عام 1969? يعد تدشيناً لإطلاق إطروحته الجمالية تماشياً مع جيل يريد أن يرى نفسه ضمن ركب التخاطب مع الآخر آخذاً بعين الإعتبار جوهر الفعل الجمالي، والخطاب بوصفه نظاماً بصرياً له ضرورياته، وليس في الإصغاء للوازم التشخيصية وميكانيكيتها المقيدة. ويحلنا الفنان إبراهيم رشيد إلى أن “رافع الناصري فنان الواقعية الشعري”: كان فنان الطبيعة والواقعية الشعرية المدهشة، بصره لم يكل من إستقطاب كل تلك الصور التي عايشها وتجذرت ونمت في ذاكرته، فوضعها في لوحة هي أشبه بأفق يمضي لآفاق غير منتهية، أصابعه لم تمل يوماً من تغيير ماهو نمطي وتقليدي، تحدى اأشكال والألوان المتوارثة والتقليدية، وأبتكر إسلوباً جديداً يجمع مابين تقنيات فن الحفر (الكرافيك) وفن الرسم بـ (الأكريليك) وتميز به وحده ليحتل مكاناً رائداً في حداثة الفن التشكيلي العراقي والعربي.

ويدلي بعض من تلامذة الناصري الملازمين له، بشهاداتهم الحية بحق إستاذهم، فقد قال الفنان سلمان داود: رافع الناصري معلمي ودليلي إلى رفعة الروح الخلاقة، كان شخصية عراقية أصيلة رقيق وحساس بشكل لايصدق، وقوي وصلب لا يستسلم، متفائل دائماً، وكلما ألتقيه أتفاجأ بالشحنة الإيجابية التي أكتسبها منه بسبب طبيعته الحيوية ولكونه مسكوناً بالأمل، وكم أدهشني تألقه وتفجر طاقته الإبداعية، لم يستسلم أبداً حتى في محنة مرضه اللعين كان يعمل ويعمل بأناقة ودقة، فالعمل عنده عبادة ومنتهى السعادة.  وشهادة أخرى من تلميذه الفنان مظهر عارف قائلاً: حياة الفنان رافع الناصري وأعماله، وهو رائد فن الكرافيك في العراق، ألهمت العديد من الطلاب والفنانين العراقيين على حد سواءء، وعلت شهرتها في إنجازاته الكبيرة في الفن البصري، أحببت في إستاذي حياته، فناناً مثالياً وإنساناً صادقاً، فهو قدوة لنا جميعاً، لقد أصبحت ذكرياتي عنه ومعه أسساً قوية رسخت في قلبي، لاتقدر بثمن، إستفدت منها وجعلتها نهجاً في حياتي الفنية. ويستذكر تلميذه الفنان سامر إسامة: كان للأستاذ الناصري الفضل الأول في جعل قسم الكرافيك مختلفاً عن بقية أقسام المعهد، فبالإضافة إلى نوع العمل التقني، وصرامة تقاليده التي كان الأستاذ الناصري يشدد عليها لتكو بذلك كالطقوس الممارسة في مكان للعبادة، كانت الحرية هي ما يؤكد على تقديسها وممارستها في العمل والفكر. وتعتز الفنانة هناء مال الله: كنت محظوظة جداً عندما تلقيت دروسي الأولى في الفن في معهد الفنون الجميلة في بغداد على أيدي فنانين معاصرين كبار ومؤثرين في الحركة التشكيلية في العراق وفي الوطن العربي في ذلك الوقت، وكان الأستاذ رافع الناصري واحداً من أهم ثلاثة مدرسين ساهموا بشكل جذري وفعال في تأسيس سيرتي الفنية والفكرية، ومهدوا لي السبيل للادراك الواضح لقدراتي.

مشاركة