نبض القلم
علي وألأخر – مقالات – طالب سعدون
لم تكن ذكرى إستشهاد الإمام علي إبن أبي طالب عليه السلام ، مجرد ذكرى ، ومناسبة عابرة تنتهي بعد موعدها ، لأن صاحب الذكرى حي بما تركه من أثركبير … و( الاثر لا يدل على وجوده فقط ، وإنما على إستمرار قيمة الوجود أيضا ) ، وأهمية الدور على مر الازمان والعصور ، وما دامت الارض تدور ..
لا نبيك يا ( علي ) ، بل نبكي أنفسنا .. فأنت ( الحاضر) ، ونحن (الغائبون) عن تلك المبادىء العالية التي نعرف بهديها أين نحن من الاسلام العظيم ، ورسوله الكريم ..
وبك يا ( علي ) نعرف قيمة الانتساب اليك .. وهل هو حقيقة ، أو ادعاء ، لأن مقياس الاقتراب اليك ، أوالبعد عنك هو العمل الصالح ..
أنت يا ( علي ) الدليل الهادي في طريق الحق .. أليس الحق معك ، وأنت معه ..؟؟ أليس ذلك ما يتفق عليه جميع المسلمبن ؟ .. أنه الطريق الذي لا يتغير مع الزمن ، ولا يتأثر بالظروف والاحداث … لأن ( الاحداث المتغيرة تحتاج الى اخلاق ثابتة ) ، وهذا ما جسده الامام علي في حياته بكل إمتداداتها ، وهو في أصعب ظروفه ، وفي أخطر حالاته عندما ضربه إبن ملجم اللعين وهو يوصي إبنه الحسن (إرفق يا ولدي بأسيرك وأرحمه وأحسن اليه وأشفق عليه .. ألا ترى الى عينيه قد طارتا في أم رأسه ، وقلبه يرجف خوفا ورعبا ………… . فإن مت بضربته هذه فاضربوه ضربةً بضربة، ولا تُمثّلوا بالرجل ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ( إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور ، وإن عشت فإني أولى بالعفو عنه ، وأنا أعلم بما أفعل به ، فإن عفوت فنحن أهل بيت لا نزداد على المذنب إلا عفوا وكرما ) ) …
وفي موقفه من ذلك اليهودي الذي سرق درعه أعطى الامام علي المثل والقدوة في العدل وكيفية التعامل مع الأخر ، وذلك عندما نادى القاضي (شريح ) – الذي إحتكما عنده في قضية الدرع المعروفة – على أمير المؤمنين بكنيته يا ( أبا الحسن ) فغضب عليه السلام ، وقال له إما أن تخاطب الخصمين بكنيتهما ، أو تدع كنيتيهما معا ، وحكم القاضي لليهودي ، لان الإمام علي لم يقدم بينة على أن الدرع له ، وعندما إنصرف اليهودي تساءل متعجبا ما هذه العدالة ، وما هذا الدين .. نحتكم أنا وأمير المؤمنين الى القاضي ويحكم لي ؟؟!!.. فذهب الى الإمام وقال له : هذا درعك وقد أخذته من بعيرك .. وأسلم ، وقد أهداه الإمام الدرع لإسلامه .
وهناك موقف أخر أيضا مع إنسان أعمى يسأل الناس الصدقة ، وعندما عرف بأنه نصراني قال قولته المشهورة ( إستعملتموه حتى إذا كَبُر وعجز منعتموه ، فأمر عليه السلام بالإنفاق عليه من بيت المال ).. فاعطى الامام علي في هذا الموقف المثل والقدوة للعالم في الرعاية الاجتماعية منذ ذلك الوقت البعيد ، ومسؤولية الدولة عن رعاية المحتاجين وتوفير الحياة الكريمة للمواطنين .
وأكد الامام على المشتركات الانسانية بين البشر ، وذلك في وصيته لمالك الاشتر عندما ولاه مصر ..(وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا ، تغتنم أكلهم ، فهم صنفان إما أخ لك في الدين ، أو نظير في الخلق ….)..
وبهذا الموقف أكد الأمام علي ( أن التنوع يعززالوحدة الاجتماعية ، وثقافة التعايش ، لانه يستند الى وحدة تقوم في الأساس على قاعدتين لا ثالث لهما ، هما الدين أو الخلق ، لكن بشرط أن تؤطر بالحب الصادق والعفو والصفح والتسامح والعدل ) كما ورد في بقية الوصية المعروفة .
فأين نحن اليوم منك يا ( علي ) ..؟
وما أحوجنا في هذا الزمن الصعب – الذي اختلت فيه المقاييس الصحيحة – الى عدل علي ، وحلم علي ، واخلاق علي ، وفروسية علي ، وشجاعة علي وسيف علي ..
وشتان بين من يقتل بأسم الدين ، ، ويهجّر بإسم الدين ، ويروع الاطفال والنساء بإسم الدين ، ويسرق بإسم الدين ، وبين من يُعلي صرح الدين ، ومن يحترم الانسان كقيمة عليا في الدين ، وليس أدل على قيمة الانسان الكبيرة ، من عظمة خالقه وهو الله سبحانه وتعالى …
هكذا ينظر الامام علي الى الانسان ، لأن قيمة الاشياء من صانعها .. فكيف لا يُحترم الانسان ، وهو أية من أيات الاعجاز في الخلق ، وفي الكرامة ، وهو أشرف المخلوقات .
ونظرة (علي ) الى قيمة الانسان وإحترام الاخر جعلته يكون المثل والقدوة في السيرة والسلوك والحكم ، في نظر الاخرين ، وليس المسلمين فقط ، وجعلت الخلافة تتزين به ، وليس هو من يتزين بها على حد ما ذهب اليه الامام أحمد بن حنبل الذي قال عن الامام علي عليه السلام أيضا ( ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وأله من الفضائل ما جاء لعلي إبن أبي طالب )..
وقد أكدت مواقفه الانسانية وسيرته العطرة أن بينه وبين قلوب الناس وشائج خلقتها الطبيعة الأدمية ، إن قصر في خلقها التاريخ والمؤرخون ، كما يرى الكاتب عباس محمود العقاد ..
ولا عجب في ذلك لانه تربى على يد معلمه الكبير في الانسانية الرسول محمد صلى الله عليه واله ، فكان خير تلميذ لأعظم إستاذ ، فإستحق هذا السمو والرفعة والخلود ..
{{{{{{
كلام مفيد :
يقول الامام الشافعي :
يخاطبني السفيه بكل قبح فأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهة فأزيد حلما كعود زاده الإحراق طيبا ..
===


















