إنتهاء عصر العسكرة (2-2)
ضرورة إعادة التأهيل
انّ ضياع التاريخ والجهد الثوري الشيعي واستلابه وحصار اقتصاد الجنوب والوسط وغياب المشروع المرجعي المنقذ وصعود الانتهازيين والنفعيين في كل الاطياف تحت ظلّ الظروف المشوهة تلك ، وكذلك عقدة التاريخ والحاجة للاجنبي التي عاشها الطرف السلطوي وما جلبه من أمراض الصحراء ، كل ذلك أنتج شخصية ادارية وسياسية عراقية مريضة ومشتتة .
في السبعينات وبعد تكريس السلطة لصالح حزب البعث الملحد كان الوضع يشهد موقفا طريفا ، حيث وصلت قيم البداوة والانهيار القيمي والمهني – بفعل هذا التيار الصحراوي المائج منذ قيام الدولة العراقية الحديثة – الى مرحلة الصراع بين طرفي نقيض في الحزب ، فمن جانب كانت هناك الكوادر الأكاديمية التي تمثّل واجهة الحزب الفنية والإدارية ، ومن جانب اخر كانت هناك الكوادر العشائرية الصحراوية التي كانت تشغل مراكزا أمنية واستخبارية ، وجميعها تحت نظر الادارة العسكرية التي ضعفت كثيرا بسبب انهيار القيم العسكرية تحت ضغط الغنائمية والانتهازية الصحراوية . شهدت فترة الصراع بينهما سيلا من الدماء وتلويثا للسمعة ، ولمّا كانت الكوادر الأكاديمية في الغالب من الجنوب او الوسط العراقي الشيعي فقد كان من السهل تخوينها واتهامها بالعمالة ، وجرّ العشرات الى المقصلة بجناية مبهمة لواحد . ولمّا كانت الكوادر الصحراوية غير قادرة على استلام السلطة لافتقارها العلمي فقد شكّل الحزب لجاناً ترتبط كل واحدة منها بوزارة ، وتشرف على عمل وقرارات الوزير – وهو من الطرف الأكاديمي – ، ويدير تلك اللجان احد الصحراويين ، حتى وصل الامر الى تصفية كل الكوادر الأكاديمية وتسليم السلطة مباشرة للصحراويين الامنيين .
في عام 2000 – 2001 تمّ تسليم إدارة اكبر شركة في الشرق الأوسط وهي شركة نفط الجنوب العراقية المعروفة بقدراتها الهائلة الى جنرال عسكري من أفراد القوات الخاصة ، ولأنه لا يعي المهنية والمدنية ولا يفهم نظام الحوافز التي تحرك العمل فقد استخدم القوة المفرطة في إدارة الشركة الكبرى ، حتى قام في احدى المرات بضرب احدى الموظفات بيده وامام الملأ ، ولا نحتاج التذكير بمقدار ما اثرى على حساب هذه الشركة . كما لا نحتاج الى تصوير مدى الانهيار المعنوي والقيمي داخل الشركة حينها .
ولعلّ أسوأ المؤسسات التي عانت تأثيرات وانعكاسات هذا ألكم الهائل من التشوّه الاجتماعي والاداري هي المؤسسة القضائية ، التي شهدت حاكمية اصحر الشخصيات وأكثرها قسوة وعنفا وفسادا ، ولم يكن القضاة يهتمون الى فلسفة القانون ، ولا يبالون بنتائجه او ينتبهون لتناقضاته ، لأنهم يعلمون مصدره ، حيث الاعراب والعسكريين ورجال الظلام الذين يكتبونه حسب الحاجة .
لذلك اقتنع القضاة انهم لا يتعدون الاداة التنفيذية لقمع من يعارض هذا الانهيار الاجتماعي والصحراوي . ولانّ الشيعة كانوا يَرَوْن حرمة العمل القضائي الوضعي دائما فقد كان القضاة هم ممن ينتمون لطيف السلطة الصحراوية او يأتون من النفعيين في العالم الشيعي ، لذلك كان شخصية القاضي سيئة قبل تسلّمه مهام عمله ، وأسوأ بعد تسلمه ، لانه أمّا صحراوي يعشق السلطة ويستغلها لصالح رغباته ، او نفعي يعاني نبذا اجتماعيا ونقصا اخلاقيا يريد من السلطة ان تسدّه .
عن الصادق عليه السلام : ( القضاة أربعة : ثلاثة في النار وواحد في الجنة ، رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار ، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار ، ورجل قضى بحقّ وهو لا يعلم فهو في النار ، ورجل قضى بِالْحَقِّ وهو يعلم فهو في الجنة ) .
ولمّا انهارت المؤسسة القضائية – بعد السياسية والإدارية – لم يبقَ امام الفرد العراقي سوى الأمراض النفسية والاجتماعية ، وتضاعفت العقد التي تعيشها القيادات الإدارية ، وصارت تتباهى بالإساءة للمواطن وخدمة السلطان .
وحين قدم المحتل الامريكي – الذي كان اخر أمل للعمل الديمقراطي والمهني لدى الكثيرين – وعمل على تعزيز وتكريس الفساد والعقد الاجتماعية واستعان بالأحزاب النفعية والشخصيات الانتهازية فقد الكثيرون قدرتهم على المطاولة ، فذابوا في المشروع الامريكي المتمم للمشروع البريطاني الصحراوي . ولأنّ المرجعية الغالبة على الساحة – بقوة الاعلام – لم تكن تملك مشروعا ايضا ولم تكن كفؤا لإدراك خطورة العودة الى تشتت العشرينات ، وكذلك إيمان الغالبية من المتدينين بحرمة التعامل مع الاحتلال الأجنبي ، فقد استغلّ المرضى النفسيون وربائب سنين الصحراء والانتهازيون هذه الجواء لبدء مرحلة اخرى من مراحل الضغط الاجتماعي ودكتاتورية الادارة وعقدها .
من هنا – وبعد عقود الخبرة – انفجرت النفوس المريضة للكثيرين ، وصار الفساد والتملّق هو المقياس الذي يتم على اساسه استخدام الإدارات الجديدة ، لا سيما في ظلّ التنافس بين الأحزاب السياسية وبين العشائر والمناطق والمقاولين .
ولمّا كان المتدينون فعلا والأخلاقيون وذوو القيم من الصعب استدراجهم نحو هذه الدائرة فقد عملت الأحزاب والجماعات المتنافسة على كسب كوادر البعث والصداميين ، ومن ثمّ بعثنة الحلقة الإدارية الوسطى ، لكيلا تنكشف عورة كوادر هذه الأحزاب العلمية والأخلاقية والمصلحية امام الكوادر الوطنية المهنية المستقيمة ، التي لن تستجيب لو تمّ استخدامها لاوامر وعبثية هذه الأحزاب ، كما تفكّر قيادات السياسة العراقية .
بعد كل هذا لم يعد للقيمة والاحترام الاجتماعي والمهني من اثر الا ما رحم ربي ، ولم يعد المواطن يستغرب دكتاتورية وتناقض وتصحّر المؤسسات والدوائر الحكومية ، بل والأهلية ، فالمرض اصبح عاما ، وعدم احترام الانسان اصبح أمرا طبيعيا ، ومن الغريب جدا ان يرى المجتمع مديرا او مسؤولا او قياديا او سياسيا يحترم مواطنا ، او ان يكون له عقلا اداريا يساير التطور والتقدم الإنساني ، وعسكرة الدوائر والمؤسسات صارت جزءا من المنظومة العقلية للمجتمع والسلطة ، والدكتاتورية والفردية الإدارية أضحت مستساغة ومألوفة ، وعلى المواطن ان يعيش امام الدوائر بالضبط كما يعيش الجندي في ساحة العرضات والتدريب العسكرية ، وربما لا توجد دائرة او مؤسسة – الا ما ندر وشذّ – فيها مكان استراحة لمن يراجعها .
انّ التاريخ والواقع يثبت بوضوح وبرؤية علمية طبية ان الإدارات والقيادات العراقية تعيش أمراضا وعقدا نفسية واخلاقية كبيرة وخطيرة ، تنعكس على ادائها وأوعى المستوى المجتمعي ، وترتد نحو المواطن ذاته وتنقل اليه العدوى ، لذلك من الطبيعي والعقلاني والعلمي اعادة تأهيل جميع هذه الكوادر وعرضها على الاخصائيين النفسيين ، وإدخالها في دورات محلية ودولية للمعالجة ، والعمل على توسيع حلقة هذه المعالجة لتشمل كل الكوادر الإدارية .
فهذا الأكاديمي الجامعي الذي هو العــــــــلامة التحضّرية للبلد يقوم بــــبناء وتصميم كلية في عام 2014 على شـــــكل سجن مغلق تماما، وتفتقر الى اي معلم اخضر ، ممايعكـــــــس المستوى النفسي المريض له ، فكـــيف ستـــكون باقي طبقات المجتمع ! .
انّ من عليه تحريك دورة اعادة التأهيل تلك هي المرجعية الدينية ، لسببين : أولهما تفشي هذه الأمراض وإصابة الجميع بها ، لذلك ستكون المرجعية هي الجهة الوحيدة المتوقع خروجها من دائرة الإصابة لنبلها ، وثانيهما للخروج من التاريخ السلبي للمرجعية الكلاسيكية ووجوب تحمّل افتقارها الدائم لمشروع بنائي عام ، مما يساعد في خفض النظرة السلبية تجاه دورها.
انّ المجتمع العراقي مُتديّن عموما ويتبع قيادته الدينية ، وينتظر منها ان تحمل الهمّ العلوي والعزم المحمدي ، لتنهض بمشروع يؤسس لمؤسسات اعادة التأهيل الاجتماعي والاداري ، ومن ثمّ الخروج من زجاجة الاٍرهاب ومشاريع التغريب والتخريب ، وكذلك تملك المرجعية القدرة على التأثير الاجتماعي اللازم للتحريك ، ولها إمكانية التعاون مع الدول الصديقة التي لديها القدرات المناسبة للمساعدة.
علي الابراهيمي – النجف



















