صـدود الـورد
الأيام لواقح ، فيها الراقصات ، وأخرى تعسات، تمنح كل شيء للاشيء ، أو تسلبك أشياء ، فالسماء لا تدع لك الخيار فيما تشاء وفيما لا تشاء ، مولدك ، رزقك ، مدينتك ، حظك وأصدقاءك وحتى اسمك .
بالكاد تسلقت الباص وألقيت بجسدي في المقعد المحاذي لها ، الاندهاش تجلى في محياها ، مستنكرة وجودي ، أشاحت بوجهها عني نحو زجاج نافذة الباص ، ثم عادت متسائلة : أحمد .؟ ! ، أومأت براسي : نعم .
ـ ما الذي جرأك على الجلوس هنا ؟
سكت ولم اجبها
قالت : هل نسيت ؟! .
أو تناسيت ؟ .
أطرقت رأسي لحظة ثم نظرت بعينيها . فقرأت الحيرة فيهما .
وأردفت : ألا تتذكر ؟! .
تشاغلت بالكتابة بسبابة يدي على ظهر المقعد ألأمامي .
تكلم ، هل لفضت لسانك ؟!.
لماذا .. لماذا لم تقطفها لي ؟ .
تشيخ الأيام وتمضي لتفصح عن غبارها الراكد وتبيح المستور في عالم فقد صوابه وانزاحت قيمه ، عاد إلى زمن القبيلة واتخذ الحرب ثقافة . و لحوم جلدته ودماء جنسه لذة . فما عاد يمتهن الفضيلة ، ولا عاد يؤمن بالحكمة . متهور ، كنود ، يقوده صناع الشر بشراسة ، وتدفعه أوهامه بالخلاص بتعاسة . فما عسانا أن نصنع وقد سلبت الحرب أحلامنا وأفراحنا ، وصرنا رمالا صم شاسعة لا واحة فيها ولا قطر ، غير ركام من ضجر ، وأمراض وعلل وأتون من سقر .
إنها لا تعلم حتى تلك اللحظة ما حدث لي ، وكان من الصعب علي أن اعترف لها بكل شيء وعلى وجه السرعة ؛ وكذا أنا ، لا اعرف ما يدور بخلدها ولا أعرف موقفها ، أو حالها ، أو ظرفها ..
نظرت ألي وأطلقت حسرة هائلة كما لو أزاحت عن صدرها ركاما من أطلال الوجع ، أحسست بذلك في داخلي وغزا فؤادي ألما مبرحا ، أخرجت منديلا ورقيا وردي اللون ومسحت عن عينيها قطرات الندى الساقط من إطراف مآقيها اللامعة كلؤلؤ البحر انحدر على بشرة سمراء بلون حبات القمح أو كالبرد الساقط على أوراق السنديان في يوم شتائي ، سكتت فترة وابتلعت ريقها وأكملت :
لو شاء القدر وقطفتها لي ، لما حصل الذي حصل .
وبصوت خفيض تساءلت : ” وما الذي حصل ؟ “
ضياع في أروقة متمادية ، ومتاهات ملتوية ، قبول بالقسمة ، واحتفاء بالمجهول . ثم أخذت نفسا عميقا ، وأنا متلهف لمتابعة حديثها : ” بعد فترة وجيزة من زواجي علم زوجي بكل شيء عنك وعني وسرعان ما مضى وترك لي ورقة ابغض الحلال .. رأيت الليالي الغبر والأيام الداكنة ، وأنا ابحث في الصور والذكريات الغائبة . لم أكن سوى طلل تركه الأحبة ، في زمن أتت عليه رمال عاقة وكلما وطأته زخة مطر تنهد تحت سطوة اليأس المتراكم بأنفاس الأمل الراحل من حلقات مشكوك في وجودها . أقبلت فجأة ، زارتني بلا موعد ، ودون مقدمات ، وكانت على عجل من أمرها ، لم أتوقع قدومها في تلك اللحظة النحس ، جلست دون كلام ، فترة طويلة ، وأنا أراقبها بصمت واستقرئ خباياها ، لاحظت علامات التوتر والارتباك عليها ، وفجأة تنفست نفسا عميقا وبزفرة هائلة قالت :
ـ اقطف لي تلك الوردة .
وردة بعينها ، زاهية ، متميزة عن الأخريات ، تتوسط باقة الورد، في حديقتنا ذات المروز المتناسقة والتي تهيمن فوق رؤوسها أشجار الزينة . كانت الوردة متفتحة توا ، اندهشت بادئ الأمر لطلبها :
ـ اقطفها لي .
ـ الورد لا يقطف
ـ و حتى لي ، أنا ؟
ـ وان يكن “
فانتفضت واقفة وقالت ” اختر بيننا “
قلت : ليس هناك ما يدعو للمقارنة بينكما ، فكلاكما ورد
قالت : لا تهزأ
قلت : “حاشا لله ، تريثي ، لم الإلحاح والعجل ؟ استريحي كي نتحدث ” .
قالت : ” لا حديث بيننا قبل قطافها ” .
قلت : ” ولم ؟ “.
قالت : ” هكذا تضخمت في راسي ” .
سكت ولم أجبها وبحركة هستيرية قاطعت يديها وقالت : ” إذن هو الفراق ثم خطت خطوتين وتوقفت وفتحت حقيبتها تعبث بها كأنها تريد أن تعطيني وقتا مستقطعا لمراجعة أمري ، ثم خرجت دون وداع . وخرج قلبي خلفها يجر أذياله مستعرا بحمى الجحيم
ـ إنها لا تعني الوردة ذاتها ، إنما هي تورية عن اتخاذ موقف بشأنها ، إعطاؤها الضوء الأخضر ، وتثبيت لعهودنا واتفاقاتنا .
كنت على حق باتخاذ قراري . فإنها لا تعلم أي الظروف العاتية تحيق بي و في تلك اللحظة بالذات . فهل من المعقول أن أشح عليها بوردة ؟!! .
في تلك اللحظة كانت الوالدة تعد لي حقيبة السفر فقد وصلني أمر من القيادات العليا بقطع الأجازة التي أتمتع بها واللحاق فورا إلى جبهات القتال .
أسندت لي سرية الاقتحام . وفي آخر تلك الليلة بدأ الهجوم الكبير ، توغلت مع جنودي داخل الحدود الملتهبة واجتزت السواتر الواحد بعد الأخر وأنا أهدر زحفا كالرعديد المخمور ، كما لو أن جرارا متهورا يسير بجنون ، لا تهمني الحمم البركانية ولا القذائف الصاروخية ، والجبهة مشتعلة كأنها بركان غاضب
عند اندلاع الفجر كانت لبنى حاضرة هناك ، أمام الزاحفين في الجبهة الأخرى ، حاضرة بكيانها ، اكبر حجما وأطول قامة ، فاردة جناحيها تتقدم نحوي ، تدعوني لأحتضنها ، وعلى وجهها نور ملائكي كله أسى وشفقة ، تقدمت نحوها وكلي شوق لملاقاتها ، لم تكن المسافة بيننا كبيرة ، تقدمت ، تقدمت ، وعلى حين غرة توقف كل شيء وغابت الصور وانطفأ النور .
تلك هي فجوة من الزمن ، تفصل بين الحاضر والماضي ، ركود وانعدام للصلة الحية للتعايش المستقر . فهناك فرق بين الحركة التي تعني الحياة ، والسكون الذي يعني الموت . كنت أنا الحركة و الحياة ، الأمر و النهي ، صانع القرار ، أصبحت سكونا ، موتا ، حجرا ملقى في زاوية ما . في رميم . أيام لم اهتد إلى شواطئها .. ابحث عن قدم اصطناعية عوضا عن قدمي التي وهبتها قربانا للأرض والوطن . سئمت الانتظار ، والتأجيل والتجوال بين المستشفيات والمؤسسات الإنسانية ، لأيام لا استطيع تحملها من اجل الحصول عليها وأستأنف الحياة ؛ الحركة .
توقف الباص واستأذنت بالانصراف ، فسحت لها المجال من أمامي وفي لحظة المرور أمسكتها من أطراف أصابعها وهمست لها بتودد :
” هل نلتقي ثانية ” .
ابتسمت وأسدلت جفونا ولا أجنحة الفراش برقتها ، وبحركة خاطفة أومأت موافقة .
في المرة الثانية كنت قد سبقتها إلى موقف الباص صعدنا سوية وفي الطريق أخبرتها بدعوة والدتي لها صباح الجمعة القادم وإنها ستتحدث لها عن الأسباب التي حالت دون اقتطاف الوردة.
عبدالرضا صالح محمد- بغداد



















