صبراً‮ ‬أيها الصبر – مقالات – سامي‮ ‬الزبيدي

صبراً أيها الصبر – مقالات – سامي الزبيدي

 قال الله تعالى في كتابه الكريم (وبشر الصابرين ) وقال أيضاٌ (والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس) وقيل في الصبر(من صبر ظفر) و(الصبر مفتاح الفرج) و يذكر لنا التاريخ من خلال قصص الأنبياء أن نبي الله أيوب (ع) كان أكثر الأنبياء صبراٌ فبعد أن كان في صحة وعافية وبحبوحة من العيش الرغيد حيث كان يملك أراضي ومزارع ومواشي وخيرات كثيرة وأبناء وبنات يساعدونه في أعماله وكان يتصدق على الفقراء و يساعد المحتاجين فابتلاه الله تعالى بالعديد من المصائب لاختبار إيمانه وصبره فاحترقت مزارعه ونفقت أغنامه ومواشيه وسقط سقف البيت على أولاده وبناته فماتوا جميعاٌ ثم ابتلاه الله بمرض أبعده قومه بسببه عن قريتهم ولن تبقى معه إلا زوجته الوفية التي اشتغلت  في البيوت لإعالته وبقي صابراٌ محتسباٌ فترة طويلة إلى أن طلبت منه زوجته الدعاء إلى الله تعالى ليفرج عنهم كربتهم وفعلاٌ توجه النبي إلى ربه بالدعاء راجياٌ منه أن ينهي معاناته ويمن عليه بالصحة فاستجاب سبحانه وتعالى لدعاء نبيه وعافاه من مرضه ورزقه أموال وأنعام كثيرة واخضرت أراضيه ومزارعه ورزقه تعالى بعيال عوضاٌ عن عياله وعاد أفضل من ذي قبل كل ذلك كان بعد أن صبر نبينا أيوب على بلواه فكانت عاقبة صبره خيراٌ    ولقد ابتلى الله تعالى العراقيين بالعديد من المصائب والمآسي و المحن وأجزم قاطعاٌ بعدم وجود أي شعب على وجه هذه المعمورة صبر وتحمل مثلما صبر شعب العراق فخلال سنين عجاف طويلة قاربت النصف قرن تحمل العراق والعراقيون من الحروب والمآسي والمحن ما لم يتحمله أي بلد وأي شعب, وهل شهد أي بلد في العالم حرباٌ حديثة بعد الحرب العالمية الأولى استمرت ثماني سنوات غير الحرب الإيرانية _ العراقية و التي استخدمت فيها أحدث الأسلحة الفتاكة فتسببت في خسائر بشرية ومادية كبيرة جداٌ وصلت قرابة المليون شهيد من العراقيين ناهيك عن تداعياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ,وهل تعرض بلد في العالم إلى حملة عسكرية دولية شاركت فيها أكثر من ثلاثين دولة في مقدمتها أكبر قوتين في العالم أمريكا وبريطانيا مثلما تعرض له العراق بعد غزوه للكويت عام 1990 فدمرت بالإضافة إلى قواته المسلحة كل بناه التحتية ومشاريعه الخدمية وأهمها محطات الكهرباء والماء والجسور والمستشفيات ومخازن الحبوب والأغذية والمشاريع الصناعية والزراعية الكبرى وحتى مؤسساته الثقافية والعلمية إضافة إلى التدمير الكبير الذي لحق بالمدن والدور السكنية ,وهل تعرض شعب مثل شعب العراق إلى حصار ظالم قامت به الأمم المتحدة وهيئاتها ومنظماتها تحت ضغط أمريكا استمر ثلاثة عشر عاماٌ منعت بموجبه عنه الغذاء والدواء وكل مستلزمات الحياة وتسبب في كارثة إنسانية كبرى طالت بالذات أطفاله بعد منع الحليب والمواد الغذائية عنهم أما باقي فئات الشعب فحدث ولا حرج وصبرنا على هذا الحصار كل هذه السنين, أكلنا خبزاٌ دخلت فيه مواد لا أستطيع ذكرها لبشاعتها ,لبسنا بالات الغرب بعد أن عجزنا عن شراء الملابس ,استخدمنا صناعات القرن التاسع عشر لتلبية احتياجاتنا اليومية ,ابتكرنا وسائل وأساليب بدائية لكي نستمر في الحياة وفوق هذا البلاء والحصار والدمار والضعف تعرضنا لغزو بربري همجي قامت به أمريكا وحلفائها من كل دول  العالم عام 2003 فأتت على ما تبقى من بنى تحتية وما تم تأهيله وبنائه بعد حرب الكويت من مستلزمات الحياة ووسائل العيش فدمروا كل شئ على سطح الأرض وما تحتها من مؤسسات وطرق وجسور ومشاريع خدمية وصحية ومعامل ومصانع وجامعات ومدارس وحتى المتاحف والمكتبات ودور العلم ليوقفوا المسيرة العلمية والثقافية للبلد بعد أن أوقفوا كل أشكال الحياة فيه ,هؤلاء الغزاة الذين جاءوا فاتحين محررين كما ادعوا دون تفويض من مجلس الأمن  وتحت ذريعة إنقاذ البلد من الدكتاتورية وإبدالها بنظام ديمقراطي فيدرالي تعددي فجعلوا من بلدنا أنقاض بلد بعد عمليات القصف والتدمير الهمجي الذي قاموا به مستخدمين كل وسائل الحرب  الحديثة والأسلحة المتطورة وبوحشية وهمجية لا توصف خدمةٌ لمصالح إسرائيل ومنعاٌ لأي تهديد قد يطالها مستقبلها من العراق,ثم أكملوا تدمير العراق وإحراق ما تبقى من معالمه العمرانية والصناعية والزراعية والاقتصادية وتدمير شعبه وتفكيك نسيجه الاجتماعي بعد أن سلموا مقاليد الأمور فيه إلى أحزاب متعطشه للقتل والثار والانتقام من كل شيء حتى من بعضهم البعض فعمت الفوضى والاضطرابات والاغتيالات والسرقات والأعمال الإجرامية كل مدن العراق,  وعرفنا القاعدة وجرائمها  وتفجيراتها ومفخخاتها وعرفنا العبوات والأحزمة الناسفة وعرفنا الصراع الطائفي والقتل الطائفي والتهجير الطائفي والمداهمات والاعتقالات والإعدامات فدمرت اللحمة الوطنية والوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي الذي كان متجانساٌ قرون عديدة  وصبر العراقيون على ذلك, وفوق كل هذه المآسي والكوارث والمصائب استفحلت  عمليات الفساد المالي والإداري والسرقات الكبرى من قبل السياسيين المتنفذين والأحزاب والكتل الأخرى لكل شئ في هذا البلد وأصبح العراق كأنه غنيمة غنمها هؤلاء اللصوص فتم سرقة المال العام وعقارات الدولة وأراضيها الزراعية والبساتين والمزارع وأموال مشاريع الدولة وعائدات الوطن النفطية وثرواته الأخرى وصبر العراقيون على كل هذه السرقات على أمل أن تنتهي في يوم ما لكن بدون جدوى, وسيطر المزورون وأنصاف المتعلمين على الوظائف المهمة في الدولة وبني الجيش والقوات الأمنية على أسس غير مهنية وغير علمية وغير صحيحة فازدادت أوضاع العراق الأمنية والاجتماعية سوءاٌ , ووصلت البطالة والأمية والفقر إلى نسب مخيفة , وتدنى مستوى التعليم والخدمات الأخرى وأهمها الخدمات الصحية وتم تسييس القضاء وانتهت كل ملامح الدولة المدنية الديمقراطية لتحل محلها الدكتاتورية السياسية  وصبر العراقيون على كل هذا البلاء, وفي غمرة هذا التردي والضياع والصراع السياسي على المناصب والمكاسب والصراع الطائفي دخلت داعش على خط المواجهة بمؤامرة أمريكية ودعم عربي و دولي لتقضي على ما تبقى لشعب  العراق من أمل في العيش موحداٌ  في بلده  ينعم بالحرية والكرامة  والأمن والسلام وينعم بثرواته التي حباها الله له فضيعها الجهلة وطلاب السلطة والخونة بمغامراتهم السياسة الفاشلة وطائفيتهم المقيتة وجهلهم بإدارة البلاد والعباد وقيادة القوات المسلحة فسلموا الموصل وصلاح الدين خلال ساعات إلى داعش في هزيمة مخزية ومذلة دون أن تقاتل قواتهم التي لم يعدوها لحماية العراق وشعبه إنما لحماية مصالحهم وأحزابهم وطوائفهم وأهدافهم ثم تمددت داعش إلى كركوك وديالى والانبار فكانت الجرائم الكبرى في بادوش وسبايكر والصقلاوية والبونمر ومجازر الايزيديين وسبي نسائهم وقتل المسيحيين وتشريدهم ونزح نتيجة لذلك أكثر من ثلاثة ملايين عراقي عن منازلهم ومدنهم في أوضاع إنسانية لا توصف لصعوبتها بسبب قلة أماكن الإيواء ومستلزماته وقلة والمواد الغذائية والخدمات الأساسية قياساٌ للإعداد الكبيرة من النازحين وبسبب سوء التدبير والفساد حتى في مأساة النازحين , وتجرع العراقيون  الصبر علقماٌ   .لقد أدخل الساسة الفاشلون البلاد في حرب لم يستعد لها بل كانت خارج حسابات هؤلاء الساسة لكنها كانت محسوبة جيداٌ في دوائر المخابرات الأمريكية والصهيونية والغربية للقضاء على كل مظاهر الحياة والحرية والتقدم والبناء والاعماروالوحدة الوطنية في عراق ما بعد الاحتلال فأصبح العراق كله ساحة حرب عمليات كر وفر بين داعش والقوات المسلحة والحشد الشعبي الذي شكل بأمر من المرجعية الدينية لتفادي الانهيار والسقوط الكبير للقوات العسكرية والأمنية التي باتت عاجزة عن حماية مدن العراق وشعب العراق بسبب سوء التدريب وسوء الإعداد والفساد وازدادت قوافل الشهداء وازدادت أعداد النازحين وازدادت تضحيات العراقيين وازدادت خسائر العراق لموارده المالية نتيجة للثمن الباهض للحرب الذي ترافق مع الأزمة المالية الكبرى بسبب انخفاض أسعار النفط وسرقة أموال العراق خلال السنين الماضية وتحمل العراقيون  كل هذه الكوارث والمصائب وصبروا .         وازدادت مآسي الشعب العراقي وازدادت همومه فبين حرب ضروس وقلة الموارد المالية وسيطرة داعش على أجزاء كبيرة من الوطن ازدادت معاناة العراقيين خصوصاٌ الطبقات  الفقيرة منه وازدادت نسبة الفقراء والمهجرين والنازحين والمشردين وتردت الخدمات وقلًت المرتبات وازدادت أسعار المواد الأساسية وشحة المواد الغذائية وشح حتى الماء في بلد الرافدين وازدادت الأمراض المختلفة خصوصاٌ السرطانية منها و جابه العراقيون كل هذه البلايا والرزايا  بالصبر  .           ومع كل هذه المآسي والكوارث والبلايا والرزايا صبر العراقيون وتحملوا الكثير فهل هناك نهاية لهذا الصبر والتحمل والمعاناة ؟ الواقع يقول لا بصيص من نور في آخر النفق يفضي إلى  حل قريب ينهي  صبر العراقيين الذي طال كثيراٌ وينهي معاناتهم وهمومهم وتشريدهم عن مدنهم وتدمير منازلهم وممتلكاتهم  وضياع مستقبل أبنائهم ومستقبل بلادهم , لأن لا حل قريب على ما يبدو في أفق العراق المظلم  لا على المستوى السياسي بين الكتل والأحزاب  السياسية وبين طوائف وفئات المجتمع ولا على المستوى الأمني حيث التفجيرات والقتل والخطف والاغتيالات والسرقات في تزايد ولا على المستوى العسكري  حيث لازالت داعش تسيطر على العديد من المدن ولا زالت المعارك مستمرة في أكثر من جبهة ,وليس أمام العراقيين إلا مزيداٌ من الصبر والصبر فإلى متى يصبر العراقيين بعد أن مل حتى الصبر منهم وبدأوا يطلبون من الصبر ن يصبر عليهم ولسان حالهم يقول صبراٌ أيها الصبر علينا.