سلسلة مراقد المتصوفة والزهاد  (6) – صلاح عبد الرزاق

سلسلة مراقد المتصوفة والزهاد  (6) – صلاح عبد الرزاق

بهلول الكوفي معارض يلبس قناع الجنون

من أغرب قصص المعارضة السياسية للسلطات العباسية هي شخصية بهلول الكوفي الذي اضطر للتظاهر بالجنون وسلوك الدراويش لحماية نفسه من بطش الحكام. فهو شخصية أثارت الجدل حول أصله وانتمائه وسبب هروبه من المجتمع وعيون السلطة.

السيرة والنشأة

هو بهلول بن عمرو الكوفي الصيرفي وكنيته ابو وهيب. ولد في الكوفة ولم تحدد لنا المصادر تاريخ ولادته. وكان من علماء وفضلاء الكوفة. وكان يفتي على مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، ونقلت عنه مناظراته مع أبي حنيفة وغيره. قال الشيخ محيي الدين المامقاني ( إنّ مَن يفرّ بدينه، ويحرص على إيمانه، ويمتثلّ أمر إمام زمانه عليه أفضل الصلاة والسلام بالتجنّن بغية الحفظ على عقائده، ومع ذلك لا يفتأ من الدعاية للمذهب، ونشر فضائل أهل البيت، وإرشاد الناس لما فيه صلاح دينهم، وهو بعد ذلك لا تصدر منه أيّ منقصة، لجدير بعدّه من أوثق الثقات، ومن نوادر الرجال، فالرجل عندي ثقة جليل). (١)

وقال عنه صاحب (تذكرة الأولياء) : هو العارف المتجاهل ، والكامل المتساهل ، مرحم مقام الوصل حضرة العاقل بهلول. كان من أقارب هارون الرشيد وابن عنه على ما قيل. وله في أفواه الأنام مناقب كثيرة. (٢) ، توفي ببغداد سنة ١٩٠ هـ / ٨٠٦ م .

وقال عنه صاحب (مراقد المعارف): (هو البهلول العباس المعروف بالمجنون الذي استجن تقية. كان غزير الفضل ، مسدداً في القول ، عميق الفكر ، لين الحديث. ذكره جملة من أصحابنا الرجاليين وأرباب السير والتاريخ. فهم وإن اختلفوا في بعض الجهات من أحواله، ولكنهم اتفقوا على أنه كان شيعياً فاضلاً أديباً شاعراً. (٣)

ويرى باحث آخر أن بهلول (شيعي المذهب عاصر الامام جعفر بن محمد الصادق (ع) . فكان من خاصة تلاميذه ، وقد عُدّ من نوابغ عصره لما امتاز به من عقل راجح. يؤيده ما أثر عنه من أقوال وأبيات تزخر حكمة وتفيض وعظاً) (٤)

ويضيف (وأما تشيعه فهو ما تعكسه بوضوح لا شَوْبَ فيه مناظراته وردوده المروية عنه في المجال العقائدي، ومناجزته لخصوم أهل البيت (ع) ومخالفيهم بكلمات مقتضبة وعبارات مركزة تحمل بعضها طابعاً فكاهياً أو تهكمياً) .

ينقل صاحب (أعيان الشيعة): (كان أبوه عمراً عم الخليفة هارون الرشيد. وكان بهلول من أصحاب الإمام جعفر الصادق (ع) ، وأنه كان يستعمل التقية ، وأن الرشيد كان يسعى  في قتل الإمام موسى الكاظم (ع) ويحتال في ذلك ، فأرسل إلى حملة الفتوى يستفتيهم في إباحة دمه متهماً إياه بإرادة الخروج عليه ومنهم البهلول، فخاف من هذا واستشار الكاظم (ع) فأمره بإظهار الجنون ليسلم . فإن صح هذا فيكون معاصراً للصادق والكاظم عليهما السلام). (٥)

ونقل أن الرشيد أراد أن يولّي رجلاً القضاء ، فشاور أصحابه فأشاروا ببهلول فاستدعاه وقال له: أعنّا على عملنا هذا، قال: بأي شيء أعينك؟ قال: بعمل القضاء، قال: أنا لا أصلح لذلك، قال: أطبق أهل بغداد أنك صالح له، فقال: سبحان الله أنا أعرف بنفسي منهم. فإن كنت في إخباري بأني لا أصلح للقضاء صادقاً فهو ما أقول . وإن كنت كاذباً فالكاذب لا يصلح لهذا العمل. فألحّوا عليه وشددوا وقالوا: لا ندعك أو تقبل، قال: إن كان ولابد فأمهلوني الليلة حتى أفكر في أمري. فلما أصبح تجانن وركب قصبة ودخل السوق وكان يقول: طرقوا خلوا الطريق ، لا يطأكم فرسي، فقال الناس: جن بهلول . فقال هارون: ما جنّ ولكن فر بدينه منا. وبقي على ذلك إلى أن مات.

حكايات بهلول

يعقّب السيد محسن الأمين بالقول: وكيف كان الأمر فما يأتي من أخبار البهلول يدل على عقل وافر ، وأنه ليس فيه شيء من الجنون ، وأنه كان يظهره لمصلحة من المصالح ، وأنه كان معاصراً للرشيد. ونقل بعض المؤرخين حكايات للبهلول مع الامام أبي حنيفة ، وانها كانت في عصر الرشيد مع أن وفاة البهلول ووفاة أبي حنيفة نحو أربعين سنة لأن أبا حنيفة توفي سنة ١٥٠ هـ /   والبهلول سنة ١٩٠ هـ / وإدراكه له وإن كان ممكناً إلا أن جعله ذلك في عصر الرشيد يبطل الخبر من أصله لأن أبا حنيفة لم يعاصر الرشيد بل المنصور. والبهلول وإن كان عاصر الصادق (ع) فقد عاصر المنصور، ثم أن كونه من بني العباس أيضاً موضع شك ، لأنه لو كان كذلك لوصف بالهاشمي أو العباسي ، ولم يقتصر في وصفه على الصيرفي أو الصوفي ويأتي بهلول بن محمد الكوفي . وإن ابن حجر العسقلاني وصفه بالصيرفي ، فلعل الاشتباه نشأ من هنا، وهو غير هذا لاختلاف الأب وعدم الإشارة إلى ما اشتهر به هذا من إظهار الجنون.

كان بهلول يتشيع فقال له إسحق الكندي: أكثر الله في الشيعة مثلك، فقال: بل أكثر الله في المرجئة مثلي وفي الشيعة مثلك. وتؤكد الأخبار أنه كان من أصحاب الإمامين الصادق وابنه الكاظم عليهما السلام، وأن إظهاره الجنون كان بأمر الكاظم (ع) وقاية لنفسه. وروي أن البهلول جاء يوماً إلى باب بعض أئمة المذاهب فسمعه يقول لتلاميذه: إن أشياء يقولها جعفر بن محمد الصادق لا تعجبني، يقول: إن الشيطان يُعذّب بالنار وكيف يُعذّب بالنار وهو مخلوق من النار؟ ويقول: إن الله تعالى لا يمكن أن يُرى مع أنه موجود ، وكل موجود يمكن رؤيته. ويقول إن العبد هو الفاعل لأفعاله مع أن الله تعالى هو خالق كل شيء. فأخذ بهلول مدرة وضربه بها فشجّه وهرب فتبعوه وقبضوا عليه ورفعوا أمره إلى الخليفة فقال بهلول: إنه يقول إن إبليس مخلوق من النار فلا يمكن أن تؤثر فيه وهو مخلوق من التراب فكيف أثر فيه. ويقول إن كل موجود يُرى فليرني الألم الذي برأسه. ويقول إن الله هو الفاعل لأفعال العباد ، فإذن الله هو الذي ضربه لا أنا. (٦)

وتنقل كتب الرجال والسير مناظرات علمية وكلامية بين البهلول وفقهاء وعلماء عصره أمثال عمرو بن عطاء العدوي بحضور هارون الرشيد، وكان تنتهي المناظرات بانتصار البهلول وتفوقه على خصومه. وكان الرشيد يوجه إليه أسئلة دقيقة وعميقة في العقيدة والسيرة والإمامة والخلافة فكان يتهرب من بعضها كي لا يقع في خصومة مع السلطة ، وأخرى يجيب عنها كل حسب تقديره وجلسائه.

وكان يتخذ السخرية أسلوباً يختزن ردوداً قوية تلقم خصومه الحجر. حكي أن الوزير قال له يوماً: يا بهلول طب نفساً فإن الخليفة ولّاك على الخنازير والذئاب، فقال: إذا عرفت ذلك فالزم نفسك كي لا تخرج عن طاعتي وولايتي. فضحك الحاضرون وخجل الوزير.

شخصية بهلول الحقيقية

إن كلام بهلول وإجاباته واستعاراته وجزاله عباراته تشير إلى علم غزير وبلاغة وسعة علم ومعارف عميقة بفنون الكلام والأدب والفقه وسلامة اللغة. ويُرجّ أن اسم بهلول كان صفة أطلق عليه وليس اسماه الحقيقي. فحسب معاجم اللغة العربية ، بهلول جمعها بهاليل ، وهي تعني السيد الجامع لصفات الخير ، المرح الضحاك أو الرجل كثير الضحك. لكنها للمفارقة قد تعني المعتوه والأحمق والمجنون والمهرّج.

فالاسم يدل على صفات هذه الشخصية المعقدة، التي لابد أنها وظفت ذخيرتها العلمية والمعرفية والفقهية في أن تعيش هذا الدور، بحيث يصعب الوصول إلى تحديد الهوية الأصلية وراء من هو بهلول في واقعه الافتراضي، الذي يظن بأنه عاشه، أو فيما رسم عنه لاحقًا.

وقد صوّرته الدراما الحديثة على أنه ذكي وعارف، يأخذ من معارفه ليصل إلى أهدافه بشيء من الحيلة، فـ «البهللة» عنده كانت تقوم على المزاح القائم على العلم الذي يحقق المراد، مع مزيج من البلاهة المدعاة. غير أن بعض الدراما ربما وقعت في إعطائه صورة أكثر من اللازم، في أنه استخدم ذكائه وحيلته في الحصول على مآربه، وهذا قد يخالف صورته الشائعة. (٧)

 الخلافات السياسية في عصره ربما وكالعادة كانت من الأسباب التي رسمت لشخصيته مسارات غير المعهود، بحيث أن حكمته وتفرد وعيه قاده لأن يلعب دور المهرج بدلًا من أن يكون ذلك الشخص الرائد في التنوير.

كذلك قد يكون الواقع السياسي له دور أيضًا في أن يعاد إنتاج بهلول، بتصورات عديدة، أفقدته الاتزان وشكلت الشخصية العميقة التي قد تكون هي الحقيقة المفقودة.

هل كان بهلول مضطراً للتظاهر بالجنون؟

هناك تساؤلات حول تظاهر بهلول بالجنون:

أولاً: هل فعلاً كان مضطراً للتظاهر بالجنون وفقدانه لشخصيته وسمعته وموقع الاجتماعي كفقيه ومتكلم؟ وهل سبقه أحد من الفقهاء في هذا المسلك؟

ثانياً: هل فعلاً أمره الإمام الكاظم (ع) بالتظاهر بالجنون وهو أحد أتباعه المخلصين الذي تعرض قسم منهم للاعتقال والاضطهاد والتعذيب، وكان الكاظم (ع) أحدهم الذي قضى في السجن قرابة أربعة عشر عاماً.

ثالثاً: لماذا نصحه الكاظم (ع) بالتظاهر بالجنون بدل أن ينصحه بمغادرة بغداد والعراق برمته مثل كثير من أصحاب الأئمة بل وأولاد الأئمة (ع)؟

رابعاً: لماذا لم ينصح الكاظم (ْع) بهلول بما نصح به علي بن يقطين ( ١٢٤- ١٨٢ هـ /٧٤٢ – ٧٩٨ م  ) الذي أصبح وزيراً في بلاط هارون الرشيد بموافقة الإمام (ع)؟ للحفاظ على أرواح الشيعة وأموالهم وحقوقهم ، وابن يقطين من الكوفة أيضاً ومعاصر لبهلول . وقد بقي في منصبه حتى وفاته.

علماً أن بن يقطين يحظى بمكانة مرموقة عن الشيعة ومحدثيهم ومؤرخيهم. وعندما أراد الاستقالة من منصبه استأذن من الإمام الكاظم (ع) فقال له: ( لا تفعل ، فإن لنا بك أُنساً ، ولإخوانك بك عزاً ، وعسى أن يجبر بك كسراً ، ويكسر بك نائرة المخالفين عن أوليائه).

وقال عنه الشيخ الطوسي: (ثقة جليل القدر ، له منزلة عند أبي الحسن (الكاظم) ، عظم المكان عند الطائفة). وعدّه الشيخ المفيد (من ثقات الإمام الكاظم وخاصته) .

 تتمة الموضوع على موقع (الزمان) الالكتروني

خامساً: ألم يكن من الأقوى للشيعة آنذاك أن يمسك أحدهم الوزارة (السلطة التنفيذية) والآخر يمسك بالقضاء (السلطة القضائية) بدل أن يتحول بهلول إلى مجنون في عيون المجتمع والسلطة؟

بالتالي لم يكن بهلول مضطراً لهذا السلوك الغريب والشاذ بأن يتحول فقيه محترم إلى مجنون يركب قصبة يركض بها في الأسواق. ماذا يختلف بهلول عن كثير ممن سبقوه من المعارضين للسلطات الحاكمة. فقد ثار بعضهم واستشهد ، وقسم غادر مناطق نفوذ السلطات الحاكمة واستقر في بلدان أخرى متوجهين إلى إيران واليمن ومصر وشمال أفريقيا.

وفاته ومدفنه

توفي بهلول الكوفي عن عمر يناهز السابعة والخمسين عاماً في بغداد ، وصلى عليه محمد بن الرشيد. وكان الامام الكاظم سجيناً بأمر هارون الرشيد. ودفن في الجانب الغربي ببغداد قرب مرقد النبي يوشع بن نون. وذكر العلامة مصطفى جواد (ويشاهد في خارطة نيبور موضع باسم مرقد بهلول دانه بالقرب من الشيخ معروف الكرخي. وعلى لوح القبر تاريخ ٥٠١ هـ / ١١٠٨ م ) (٨)

قالوا في بهلول

لقد كان بهلول جليل القدر حظي باحترام كتاب السير والرجال والمؤرخين منهم :

١-العلامة السيد محمد باقر الموسوي الخونساري الاصفهاني (ت ١٣١٣ هـ / ١٨٩٥م ) قال: العالم العارف الكامل الكاشف عن لطائف أسرار الفنون، بهلول بن عمر العاقل العادل الكوفي المشتهر بالمجنون، اسمه وهب. وكان من خواص مولانا الصادق (ع) كاملاً في فنون الحكم والمعارف والآداب ، بل ومن جملة المفتين على طريقة أهل الحق في زمانه ، مقبولاً عن العامة أيضاً).

٢- العلامة السيد نور الله الحسيني المرعشي التستري الشهيد في بلاد الهند سنة ١٠١٩ هـ/ ١٦١٠م في كتابه (مجالس المؤمنين) ج ٢ ، ص ١٤ ، قال (الشيخ الفاضل بهلول بن عمرو العاقل – روّح الله روحه).

٣- العلامة الميرزا محمد علي المدرس التبريزي قال عنه (عالم عارف كامل ، كاشف أسرار الفنون ، المعروف بالبهلول المجنون كان من أعقل العقلاء ، وأعرف العرفاء).

٤- العلامة القدير والرجالي الخبير الشيخ أبو علي الحائري المتوفى عام ١٢١٦ هـ / ١٨٠١م في (منتهى المقال) ، ج ٢ ، ص ١٨١ ، قال (يظهر من كتب السير وغيرها فضله وعلو مرتبته).

٥- المحدث الخبير والراوية الجليل الشيخ على النمازي الشاهرودي قال: بهلول المجنون من خواص أصحاب الصادق (ع) كان كاملاً في في فنون الحكم والمعارف والآداب. وكان ابن عم  الرشيد. تجنّن في أعينهم صيانة لنفسه ودينه. بقي إلي أيام المتوكل ، وله قضايا طريفة).

٦- المحدث الجليل الشيخ محمد مهدي الحائري المتوفى عام ١٣٨٥ هـ / ١٩٦٥م قال (فاضل عالم عاقل إمامي المذهب).

٧- العلامة المحقق الشيخ محمد حسين الأعلمي الحائري المتوفى عام ١٣٩٣ هـ / ١٩٧٣م قال (بهلول بن عمرو العاقل العادل الكوفي الصوفي المشهور بالمجنون. من جملة المفتين على طريقة الحق وأهله في زمانه ، مقبولاً عند العامة والخاصة).

٨- وقال عنه العلامة الشيخ موسى الزنجاني: (بهلول المجنون ، ترمجه الحائري (في منتهى المقال) واستفاد من كتب السير وغيرها وهو كذلك). (٩)

مقبرة بهلول

يقع ضريح بهلول في مقبرة الشونيزية التي تضم قبور الجنيد البغدادي ويبعد خطوات عن ضريح النبي يوشع. وكان مدفنه في السابق حجرتين الأولى له والثانية للزعيم الديني السيخي بابا نانك، وأمام الحجرتين صحن فيه حديقة صغيرة. وكانت هناك قبة للضريح ، لكنها سقطت في شتاء عام ١٩١٤ بسبب الأمطار الغزيرة التي شهدتها مدينة بغداد ، وتوجد لها صور. وهذا يشير إلى أن ضريح البهلول كان قائماً طوال العصور والماضية وآخرها في العهد العثماني. وكان الرحالة نيبور الذي زار الضريح عام ١٧٦٥ م وقد نقل أنه شاهد لوح على القبر مكتوب عليه (هذا قبر سلطان المجذوبين والنفس المطمئنة سنة خمسمائة وواحد). (١٠)

في عام ١٨٩٣ قام الفريق كاظم باشا صهر السلطان العثماني عبد الحميد الثاني ورئيس فرقة الخيالة بإعادة بناء الضريح وبنى قبته وجعل له سوراً أحاط بالمرقد وذلك بمناسبة دفن بنت كاظم بك صهر كاظم باشا المسماة إقبال. (١١)

زيارتي لضريح بهلول

يقع الضريح في مقبرة الكرخ القريبة محطة سكك الحديد حيث تجاوره عدة أضرحة لمتصوفة وزهاد. الضريح عبارة عن غرفة واسعة تعلوها قبة زرقاء ، ويقع القبر على جانب منها. على القبر شباك بسيط من الألمنيوم ، بلا زخارف ولا كتابات ، يشبه زاوية في محل تجاري أو مطعم. ارتفاع الشباك حوالي المترين ، الجزء السفلي مغلف بلوح أصفر ، يعلوه قفص بقضبان بلون ذهبي. ويقوم الزوار برمي العملات الورقية في داخل الشباك.

القبة من الداخل عليها آثار إعمار حديث لم يكمل حيث ما يزال الجزء العلوي من القبة قد سقط الطابوق المزجج الداكن الذي كان يغلفها. والقطعة الواحدة بشكل مثلث تتراكب مع بعضها لتعكس النور والظلمة. أما الجزء السفلي فيبدو حديثاً لكن بلون فاتح أقرب للون الزجاج الأبيض. تتكون الجدران من مجموعة محاريب غائرة تصطف مع بعضها لتسند القبة وهي قديمة بنيت مع إعمار المرقد. وكانت الجدران مكسوة بالطابوق المزجج لكن أعمال الترميم التي جرت عام ٢٠١٨ قد استبدلتها بالرخام بارتفاع مترين. وتم إكساء بقية الجدران بالجص والطلاء الأبيض.  وباب المرقد من الخشب يعلوه مشبك خشبي مزخرف.

من خلال اللوحات والملصقات على جدران المرقد يتضح أن زواره من الهنود والباكستانيين لأنها مكتوبة بلغة الأوردو. بقرب باب المرقد توجد لافتة خضراء تضم نص للزيارة يشابه ما موجود في العتبات المقدسة والمراقد الشيعية ، مكتوب عليها:

(بسم الله الرحمن الرحيم

زيارة مرقد الشيخ بهلول بن عمير التصريفي!!

السلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين وعلى صحبه الكرام الميامين

السلام عليك يا ولي الله الصالح ، السلام عليك يا عبد الله الناصح

السلام عليك يا أبا وهب الكوفي ورحمة الله وبركاته

السلام على جميع الأنبياء والمرسلين والصديقين

والشهداء والصالحين ورحمة الله وبركاته

الفاتحة قبلها الصلوات على محمد وآل محمد).

مضيف بهلول

مقابل الضريح توجد قاعة كبيرة بمثابة مضيف لاستقبال الزوار القادمين لمرقد بهلول ، وأغلبهم من الهند والباكستان والهند. والتقينا ببعض الخدم الذين يرتدون ملابس مغربية ، واستقبلونا بكل ترحاب قال أحدهم: إن أعمار المرقد بدأ عام ٢٠١١ من قبل وزارة الثقافة وديوان الوقف السني. ونفذته شركة المساحة الحرة. وأن شيخ الطريقة الكسنزانية بصدد إنشاء مطبخ يقدم الطعام للزوار. كما أرسل حارساً للمرقد ، وأوصل التيار الكهربائي إليه. وقد شاهدت في المضيف صور لشيخ الطريق وعصاه وسبحة من ألف خرزة.

من حكم وأشعار بهلول

كان بهلول (رضي الله عنه) شاعراً حكيماً، وكاملاً في فنون الحكم والمعارف والآداب، وله كلمات حسنة وأشعار رائقة، منها:

۱ـ قال في مدح أهل البيت(عليهم السلام):

برئتُ إلى الله من ظالم *** لسبط النبي أبي القاسم

ودنت إلهي بحبّ الوصي *** وحبّ النبي أبي فاطم

وذلك حرز من النائبات *** ومن كلّ متّهم غاشم

بهم أرتجي الفوز يوم المعاد *** وأنجو غداً من لظى ضارم

۲ـ قال في الحكمة:

يا مَن تمتّع بالدنيا وزينتها *** ولا تنام عن اللذّات عيناه

شغلت نفسك فيما ليس تدركه *** تقول لله ماذا حين تلقاه

وقال أيضاً:

يا خاطب الدنيا إلى نفسه *** تنح عن خطبتها تسلم

إنّ التي تخطب غرارة *** قريبة العرس إلى المأتم

وقال:

توكّلتُ على الله *** وما أرجو سوى الله

وما الرزق من الناس *** بل الرزق من الله

۳ـ قال لهارون الرشيد:

هب أن قد ملكت الأرض طرّاً *** ودان لك العباد فكان ماذا

أليس غداً مصيرك جوف قبر *** ويحثو عليك التراب هذا ثمّ هذا

مقام بابا نانك

بجوار مرقد بهلول الكوفي كان يوجد مقام لزعيم الطائفة السيخية الهندية بابا نانك ، وهو مقام الغورو ناناك مؤسس ديانة السيخ، والذي اسلم وترك دين الهندوسية، ودفن قرب مرقد بهلول الكوفي في مقبرة الشونيزية في جانب الكرخ من بغداد، والذي أعاد اكتشافه جنود السيخ خلال الحرب العالمية الأولى وأعيد بناؤه خلال الحرب العالمية الثانية، من قبل جنود السيخ مرة أخرى، والقبر موجود حتى عام 2003 في حالة جيدة إلى حد ما.

تاريخ المقام

جاء مؤسس الديانة السيخية، جورو ناناك، إلى بغداد في عام 527هـ/1521م، بعد زيارة مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة.  لم يُسمح لهُ في البداية بدخول مدينة بغداد، مما جعلهُ يقضي ليلته في المقبرة خارج المدينة. فأقام فيها فترة متجولاً بين زوايا الصوفية وأربطتها ومراقد الأولياء في مقبرة الشونيزية الكبرى (مقبرة الكرخ القديمة) واتخذ من مرقد بهلول الكوفي المقابل لقبر الجنيد البغدادي مقاماً ومأوى له ومقراً للقاء أنصاره، والذي اتخذ فيما بعد مقاماً مقدساً عند بعض الناس واتباعه، وأصبحت محجاً، تشرف عليهِ السفارة الهندية ببغداد.

في عام ١٩١٧ احتل الجيش البريطاني مدينة بغداد ، وكان من ضمن قواتها جنود هنود من طائفة السيخ يسمون (الگورگا) معروفين بقسوتهم ، يحمل كل واحد منهم سكيناً ويعتمر عمامة ولا يحلق شعر رأسه وقد أطلق لحيته وفي جيبه مشط لتسريح شعره، ويرتدي سروالاً طويلاً ينتهى عند الركبتين وسواراً فولاذياً حول معصمه، وكل هذا من تعاليم ديانتهم السيخية. والبغداديون لم يسمعوا بناناك قبل ذلك، إلى أن قام رجل يدعى السيد عبد اللطيف ببناء دكة مجاورة لقبر بهلول الكوفي طولها حوالي 50 سم، وارتفاعها نفس الشيء وغطاها بقماش أخضر، وسمى هذه الدكة (مدفن بابا نانگ) فبدأ الهنود من مقلديهِ بزيارته وتقديم النذور واداء طقوسهم عنده. وبعد ذلك تغيرت أحوال السيد عبد اللطيف بعد بنائهِ هذهِ الدكة حيث أصبح يعد من الأغنياء في بغداد وبقي يعمل خادماً للدكة حتى وفاتهِ.

انتشار دعوته

قيل إن الإخلاص في دعوة جورو ناناك كان عميقًا لدرجة أن رسالتهُ انتشرت حتى وصل إلى مرتبة قديس عند عامة الناس في وقته. وبالتالي تبادل جورو ناناك الأفكار الروحية والميتافيزيقية مع السلطات الدينية، وخاصة بير داستغير وبير باهلول، وكلاهما أصبح بعد ذلك من تلاميذ جورو ناناك وانحنى له. أدى ذلك إلى تكوين مجموعة من الاتباع في بغداد ذكروا المعلم باسم بابا ناناك. لم يكن هناك سوى اتصال فضفاض بين هذا الموقع في بغداد ومجموعة سيخ البنجاب حتى قيام الحرب العالمية الأولى عندما أعاد جنود السيخ اكتشاف الضريح.

وضع الدكتور الهندي كيربال سينغ أسس هذا المقام، وهو ضابط نقيب في الخدمة الطبية الهندية للجيش الهندي البريطاني خلال فترة الحرب العالمية الأولى، وشيد المبنى في موقع غرب مدينة بغداد بين مقبرة الكرخ القديمة في الشمال وخط سكة حديد بغداد سامراء السابق في الجنوب. وبالنسبة لأهالي المنطقة، يُعرف هذا المكان باسم مقام بهلول الكوفي. علاوة على ذلك، يشرح الكتاب الذي يحمل عنوان «يوميات تاج الدين» مع مقدمة للدكتور هاربانس لال، وهو سرد للمؤلف المسلم الذي رافق جورو ناناك من مكة إلى بغداد، يشرح بالتفصيل المحادثات التي أجراها بابا ناناك مع بير داستغير وبير باهلول.

صمم البناء المهندس العام السابق للجيش الهندي، اللواء هاركيرات سينغ عند زيارة بغداد في عام 1982، حيث قدم العراق مع مهمة لهُ في تشجيع مجتمع السيخ المحلي على المشاركة في تحويل ضريح بابا ناناك إلى معبد رئيسي في بغداد، والتي تم الاضطلاع بتفاصيلها لاحقًا بعد وفاتهِ في عام 1983. وكان اللواء هاركيرات سينغ ابن شقيق النقيب (دكتور) كيربال سينغ ونجل سردار سوارام سينغ، قاضي الجلسات، الذي كتب أول سيرة ذاتية لمؤسس الديانة غورو ناناك باللغة الإنجليزية. في ذلك الكتاب، الذي يحمل عنوان «المعلم الإلهي»، يكتب سردار سوارام سينغ عن ضريح بابا ناناك والنقش على اللوح الحجري. يقدم الكتاب في نسخته المنقحة مخطط الضريح كما رسمه النقيب (دكتور) كيربال سينغ.

كانت توجد بعض الآثار التاريخية مثل لوحة قديمة مع نص مكتوب بالعربية موجودة في الضريح حتى وقت حرب العراق في عام 2003، ولكن نهبت من قبل بعض الناس بعد عام 2007، أعربت الحكومة العراقية عن رغبتها في إعادة بناء الضريح. وبحسب تقرير إخباري. ولقد اعتاد عدد قليل من الحجاج السيخ زيارة الضريح قبل احداث الحرب . كما توجد تقارير عن التجمعات المنتظمة من قبل العمال الهنود في العراق، في الزيارة والطهي ومشاركة الاخرين من قبلهم في بناء وصيانة الضريح.

تضرر بناء الضريح قبل عام 2018 ويمكن رؤية أجزاء فقط من الجدار الخارجي بجوار قبر بهلول. حيث بقي محراب واحد فقط في أحد الجدران. ثم بعد ذلك جاء اشخاص من موظفي السفارة الهندية إلى مقر المقام وحملوا معهم جميع ما بقي من مواد ومقتنيات تخص المقام لغرض الحفاظ عليها في السفارة. ويظهر عبارة مكتوبة على الجدار وباللون الأحمر تشير إلى (حدود السفارة الهندية).

يصف صاحب (العقد اللامع) قبر نانوك فيقول: (ورأينا على جداره المتصل به رخامة ، وعليها الابيات بالتركية:

كورنه مراد أيلدي حضرت رب مجيد

                     بابا نانوك تعمير أوله تاكه عمارت جديد

يديلر امداد أيدوب كلدي كه تاريخنه

                    يايدي أجرا يره آبي مزيد سعيد (٩٢٧هـ)

وجاء في هامش الكتاب: ولد بابا نانوك سنة ٨٤٩ هـ / ١٤٦٩ م / ٩٤٦ هـ / ١٥٣٩). ويُعد مؤسس لطائفة السيخ في الهند. ويقع هذا القبر في الحجرة الثانية المجاورة لحجرة قبر بهلول المذكور وهو مقابل للقبلة. وقد ثبتت مرمرة فوقه نقشت عليها خمسة أسطر بالتركية تاريخها سنة ٩٢٧ هـ / ١٥٢١ م، تشير إلى أن من يدعى مراداً عمّر مرقد بابا نانك طلباً للثواب. وفي صدر المكان قطعة من النحاس كتب عليها بالحروف الإنكليزية أسماء أشخاص تبرعوا ببعض الأموال من أحل خدمة القبر. وبابا نانك هذا يُعد أحد أبرز معلمي ديانة السيخ في الهند ، وهو بمثابة نبي السيخ عندهم. (١٢)

الهوامش

١- محمد أمين نجف (موقع الشيعة ، al-shia.org)

٢- مرتضى نظمي زادة البغدادي (تذكرة الأولياء ) ، ص ٢٧٦

٣- الشيخ محمد حرز الدين (مراقد المعارف) ، ج ١ ، ص ١٧٣ ،  دار الكتاب العربي ، بغداد : ٢٠١١

٤- ناصر الباقري البيدهندي (بهلول ومواقفه المشرف) ، ص ١٤ ، دار الشهيد ، قم المقدسة: ١٤١٠ هـ

٥- محسن الأمين (أعيان الشيعة ) ، ج ٣ ، ٦١٧ .

٦- محسن الأمين ، مصدر سابق ، ص ٦١٨

٧- عماد البليك (بهلول المجنون واعظ هارون الرشيد.. هل كان شخصية حقيقية) ، موقع الجزيرة في ١٢ نيسان ٢٠١٨

٨- مصطفى جواد (دليل خارطة بغداد المفصل ) ، ص ٢١٤ .

٩- ناصر الباقري البيدهندي (بهلول ومواقفه المشرف) ، ص ١٤ ، دار الشهيد ، قم المقدسة : ١٤١٠ هـ /

١٠- كارستن نيبور (رحلة نيبور الكاملة إلى العراق) ، ص ١٦٦ ، مراجعة سالم الآلوسي ، دار الوراق للنشر ، بغداد: ٢٠١٢

١١- سعدي الدراجي ( الآثار في مقابر بغداد) ، ج ١ ، ص ١٢٨ ،  بغداد: ٢٠٢٣

١٢- عبد الحميد عبادة (العقد اللامع بآثار بغداد والمساجد والجوامع) ، ص ٤٧٠ ، حققه وعلق عليه عماد عبد السلام رؤوف ، مطبعة أنوار دجلة ، بغداد: ٢٠٠٤