رامز واكل الجو – مقالات – عماد عبود عباس
هناك قواعد بديهية معروفة في التعامل بين البشر تحكمها طبيعة العلاقة بينهم ، والمقصود بالتعامل هنا التصرف و التحدث ، ما يصح بين الأصدقاء يختلف عما يصح بين زملاء العمل و كلاهما يختلف عما يصح مع الغرباء ، حتى داخل العائلة الواحدة يختلف التعامل حسب درجة القرابة .
هذه القواعد معرضة على الدوام للانتهاك بسبب تنوع الطبيعة البشرية والانتهاك قد ينتج عنه ضرر نفسي أو جسدي أو كلاهما معا على مستوى فردي أو جماعي و لكي يتم ضبطها من أجل حماية الآخرين حددت القوانين في كثير من الدول بعض الأسس ووضعت عقوبات لمن يتجاوزها و تناولت مفاصل دقيقة من العلاقات الانسانية ، فمثلا عليك ان تعرف حدود المسافة التي تقترب بها من الغرباء وهل من حقك أن تداعب أوتقبل أي طفل غريب في مكان عام أو لمس أي إنسان من جنسك اومن الجنس الآخر بدون موافقته ومتى يعتبر تصرفك انتهاكا ومتى لا يعتبر انتهاكا ولا دخل للنيات هنا إن كانت سليمة ، ما هي الخصوصية وكيف يمكن للجميع أن يتمتعوا بخصوصيتهم بما في ذلك السجناء مثلا ، ماهو التصرف الذي يعتبر انتهاكا لحرية الآخرين و خصوصياتهم ، وهل من حقك تصوير الآخرين بكاميرا هاتفك في حافلة أو مقهى ؟ ولا ادري هنا إن كانت اي من الدول الشرقية قد ذكرت ذلك في قوانينها أو أن مناهجها الدراسية تشمل درسا يتعلم الأطفال فيه هذه القوانين حتى لو لم تكن مكتوبة بدءاً بطريقة التحدث الى الآخرين بصيغة التفخيم للأكبر سنا والتصرف باللياقة والإحترام مع الجنس الآخر، وما مدى الاهتمام بهذه الدروس على فرض وجودها .
عندما يتربى المجتمع على هذه القواعد و يعاقب القانون على مخالفة تلك التي تسبب الضرر للآخرين يصبح الشذوذ عنها أمرا مستهجنا ، يثير الاستغراب حينا و الدهشة حينا لكنه نادرا ما يثير الضحك خاصة اذا تضمن الموقف ضررا يلحق بإنسان أو حتى حيوان ، أما في المجتمعات التي لم ترب أبناءها على هذه القواعد فهو يثير الضحك قبل كل شيء حتى إذا تضمن الحدث مواقف إنسانية مؤلمة .
برامج الكاميرا الخفية تهدف لخلق مواقف غريبة من خلال كسر قاعدة من هذه القواعد المتعارف عليها بما يثير استغراب المتلقي و تحدث المفاجأة عند اماطة اللثام عن عدسة الكاميرا والإعتراف بأن الأمر كان مزحة ، وتحتفظ (الضحية) بحقها في عدم عرض الحلقة على المشاهدين .
الفرق بين برامج الكاميرا الخفية الغربية وبرامجنا أن الغربيين المتربين على هذه القواعد يجدون في أبسط انتهاك امرا مثيرا لذلك تقتصر برامجهم التي تعرض على التلفاز على مواقف بريئة لإشاعة جو من البهجة في حين أننا بسبب الرعب المحيط بنا من كل جانب ، في نشرة الأخبار وفي الشارع لم تعد برامج الكاميرا الخفية الغربية تشبع شراهتنا فاخترعنا كاميرا خفية خاصة بنا تحتوي على مشاهد رعب حقيقية توازي ما يحدث على أرض الواقع تبلغ قمتها في رمضان يقف في مقدمتها هذا العام برنامج رامز جلال (رامز واكل الجو) ونسختة المقلدة (هبوط اضطراري) للنجم هاني رمزي و لكي نقترب من الواقع أكثر لا نستبعد أن نشاهد في رمضان القادم قطع رأس ضحية و إخبارنا في ما بعد أن الامر كان مزحة عندها سنضحك كما لم نضحك من قبل. وبغض النظر عما اذا كانت هذه المقالب مدبرة بالاتفاق مع الضيف ام لا فإن الجميع يساهمون في خلق وعي افتراضي للمتلقي يتسم بالوحشية واللامبالاة بآلام الآخرين .
من المفارقات أن ضيوف رامز جلال المحليين لم يذكر أحد منهم الرجل الذي قفز من الطائرة ولم يسأل إن كان بخير، باريس هلتون لوحدها تذكرته وقالت بعد عودتها لبلدها (عرفت الآن لماذا يقتل العرب بعضهم).
وعلى فرض أن هذه المقالب حقيقية وليست اتفاقا وأن التصوير قد تم فعلا في الجو بدون فبركة فإن موافقة النجوم الضحايا على عرض الحلقة رغم ما أبدوه من غضب لا يمكن تفسيره إلا برشة من الدولارات، وإذا أعفينا النجوم المحليين بهذه الذريعة فإن باريس وريثة سلسلة فنادق هيلتون حول العالم لا يمكن إعفاؤها من المساهمة في تدمير وعينا المشوه اصلا بموافقتها على عرض الحلقة الخاصة بها لأن أي رشة دولارات لا تعني شيئا أمام ثروتها الطائلة.
أقول لكم شيئا ؟ سأطلب منكم ان تنسوا كل ما قرأتموه للتو لو ان رامز جلال استضاف على طائرته احداً من المسؤولين أو المسؤولات المفسدين الذين صدعونا بالحديث عن بطولاتهم وانجازاتهم و هم يسرقوننا في وضح النهار .
حلقة واحدة يعيدها ثلاثين يوما و نشاهدها ضاحكين دون ملل حتى لو ألقى رامز بضيفه من الطائرة.



















