دور الملك الحسن الثاني في الإصلاح السياسي والدستوري بالمغرب 1993-1999 -1

دور الملك الحسن الثاني في الإصلاح السياسي والدستوري بالمغرب 1993-1999 -1

طرح مبادرات للخروج من المشاكل ومواجهة التحديات وإحداث الإنفراج المنشود

أ.د محمود صالح الكروي

أستاذ العلوم السياسية /جامعة بغداد

د.عبدالوهاب عبدالعزيز أبو خمرة

مدرس / المديرية العامة لتربية صلاح الدين

المقدمة

من السمات المهمة للنظام السياسي في المغرب هو سمو المكانة الدينية والتاريخية والسياسية للمؤسسة الملكية وان شخص الملك يعد قلب نظام الحكم المغربي وأنه القوة الفاعلة والمحركة للحياة السياسية في المغرب ، لذلك لا يمكن لأي باحث أو مراقب بالشأن المغربي معرفة ما يجري من أحداث دون أن يكون ملماً بشخصية الملك المغربي ومتعمقاً في فكره ووعيه السياسي في أدارة الحكم المغربي، ومما يعزز هذا الرأي ما قام به الملك الحسن الثاني من دور بارز في الإصلاح السياسي والدستوري خلال المدة 1993-1999 الذي أستطاع تحريك الحياة السياسية والعمل الجاد من أجل تجاوز التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي كان يمر بها المغرب.

أخذاً بالحسبان متطلبات المرحلة ولاسيما عند اقتراح الملك على أحزاب المعارضة تشكيل حكومة تناوب عام1993 على الرغم من عدم حصولها الأغلبية البرلمانية، رافقه سعي الملك  لأجراء مصالحة وطنية مع أطراف العملية السياسية المغربية من خلال أعادة بناء الثقة مع الأحزاب السياسية المعارضة ،وكان أهم نتائج سياسة الملك الحسن الثاني الإصلاحية هو الأجماع الوطني على دستورعام1996،وكذلك تشكيل حكومة التناوب عام1998 والتي بينت دور الملك الحسن الثاني وإمكانياته وحسن بصيرته في تجاوز الأزمات بما يضمن استقرار النظام السياسي المغربي.

من هذه المعطيات جاء اختيارنا لموضوع البحث(دور الملك الحسن الثاني في الإصلاح السياسي والدستوري بالمغرب1993-1999)، والتي تعد مرحلة تحول مهمة في تاريخ  النظام السياسي المغربي ،وتم تقسيم البحث إلى خمسة محاور :- المحور الاول:  السمات العامة للنظام السياسي  المغربي،المحور الثاني: مبادرات الملك الحسن الثاني في الإصلاح السياسي 1993-1995، المحورالثالث: طرح الملك الحسن الثاني دستور 1996 وأفاق الإصلاح الدستوري والسياسي، المحور الرابع: استراتيجية الملك الحسن الثاني في الانتخابات التشريعية 1997، المحور الخامس: حكومة التناوب 1998 والتجسيد السياسي للإصلاح، وهذا التقسيم يوضح الدور المهم للملك الحسن الثاني وفكره السياسي المستنير في أدارة الحكم المغربي الذي أتبع استراتيجية الإصلاح السياسي والدستوري كمخرج لمواجهة التحديات والخروج من الأزمة التي يعاني منها المغرب خلال مدة البحث مما أسهم بإعطاء سمة مهمة للنظام السياسي المغربي في معالجته للمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية وضمان استقراره السياسي ومعرفة خصائص هذا النظام والحياة السياسية المغربية.

المحور الاول: السمات العامة للنظام السياسي المغربي

تعددت الرؤى بشأن توصيف النظام السياسي المغربي، أذ يجد الباحث في الشأن المغربي حقلين توضح طبيعة النظام ،يمثل الحقل الأول (تقليدي) الذي يعد كأساس لشرعية الملك الدينية والتاريخية عن طريق فكرة وأسلوب(البيعة) للمك كأمير للمؤمنين من قبل زعماء القبائل وأهل الحل والعقد من علماء الدين وأهل المكانة والمنزلة الرفيعة في المجتمع، بمن فيهم قادة الجيش والأحزاب السياسية (1). والملك (كحكم)بين الفرقاء السياسيين ورؤساء القبائل والتي تعد بمثابة الشرعية العرفية للملك التي تكونت تاريخياً وتكرست مع الإسلام(2). أما الحقل الثاني (الحداثة) الذي يتجسد بوجود تجربة دستورية منذ وقت مبكر من استقلال المغرب من السيطرة الاستعمارية (3)، وهذه التجربة رسخت صلاحيات المؤسسة الملكية وتضمنت وجود تعددية حزبية ،فضلاً عن وجود انتخابات من نتائجها يتشكل برلمان ورقابة شعبية وتداول للسلطة والمشاركة فيها ، كما أن النظام السياسي المغربي يسمح بوجود معارضة حزبية معترف فيها ونشطة تمارس ضغوطاً نحو الإصلاح السياسي والدستوري بما يضمن تحولاً ديمقراطياً في المغرب(4). وبهذا تبدو ملامح النظام السياسي التقليدي الذي يتبنى الاتجاه التحديثي  تتناسب مع المعطيات التي تفرضها متطلبات العصر الحديث.

ومن خلال هذه المعطيات يمكن أيجاز مجموعة من السمات والملامح للنظام السياسي المغربي التي توضح مجال تطور الإصلاح السياسي والدستوري في المغرب ودور الملك الحسن الثاني فيه(5) من خلال الآتي:

1-       أن النظام الملكي في المغرب ذو إرث تاريخي قديم ومتأصل ،وقد حدد الدستور المغربي دور الملكية وكيفية انتقال العرش فجعلها تسود وتحكم، كما بين سلطات الملك وعلاقته مع باقي السلطات، بحيث جعل المؤسسة الملكية توجد على رأس المؤسسات باعتبار أن الدستور لم ينشئ المؤسسة الملكية وإنما أقرها استمرارا للتاريخ-استمرارية نظام الحكم على خلاف المؤسسات الأخرى التي يمكن اعتبارها من صنع الدستور (6) وبهذا تتركز مكانة المؤسسة الملكية المغربية في النظام السياسي المغربي متجاوزة المنطوق الدستوري لأن سلطة الملك سابقة على الدستور.

2- كرست الدساتير المتعاقبة في المغرب وكان أخرها دستور1996 مركزية المؤسسة الملكية والذي تجسد في الفصل 19من الدستور المغربي الذي ينص على أن: (الملك أمير المؤمنين والممثل الاسمى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها وهو حامي حمى الدين والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات . وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة)(7)، هذا الفصل له دلالات عميقة هادفة أبرزها يمارس الملك سلطات أمير المؤمنين وحكم ورئيس دولة  كون أمر الحكم في المغرب من وجهة نظر المؤسسة الملكية يتصل برابطة وثيقة بين الملك وشعبه (8) ، فضلاً عن ذلك أحاط الدستور المغربي للملك بهالة من التقديس أذ ينص الفصل23من الدستور (أن شخص الملك مقدس لا تنتهك حرمته) (9) ويضيف الفصل 106من الدستور مكانة مركزية للملك أذ نص على(أن النظام الملكي للدولة ، وكذلك النصوص المتعلقة بالدين الإسلامي، لا يمكن أن تتناولها المراجعة) (10)، وبناءً على ذلك أن الملك الحسن الثاني قد مارس دوره بذكاء وبرؤية سديدة من أجل ضمان استمرارية المستقبل للنظام الملكي من خلال توظيف وتكريس البعد الديني ،عندما أقدم على تثبيت النص أعلاه بالدستور ،بحيث أقرن الملكية بالإسلام وجعلها غير قابلة للمراجعة، كما لا يمكن لحرية التعبير أو الرأي أن تمسهما بعد عملية الاستفتاء على الدستور إلى درجة أصبحت فيها الملكية والإسلام من الفروض الثابتة والقيم الأساسية في نظام الدولة وحياة الشعب المغربي (11). يتضح مما سبق أن الملكية في المغرب تشكل أهم خاصية للنظام السياسي إذ يعد الملك بمثابة القلب في هذا النظام لا بل القوة المحركة للحياة السياسية في المغرب ،لذلك فعملية البحث والدراسة في هذا النظام لا تتحقق أهدافها ألا وتمر عبر معرفة شخصية الملك وفكره السياسي ولاسيما دوره في عملية الإصلاح السياسي والدستوري.

3- يمتاز النظام السياسي المغربي بوجود التعددية الحزبية(12) والنقابية والاعتراف بها، والذي يجد ترجمته الدستورية في الفصل التاسع الذي نص على:(حرية جميع المواطنين في تأسيس الجمعيات والانخراط في أي منظمة نقابية وسياسية حسب اختيارهم) (13) وكذلك أشار الفصل الثالث من الدستور على: (أن نظام الحزب الوحيد غير مشروع) (14)، وقد تفاعلت هذه التعددية مع الواقع المغربي ولا سيما مكانة الملك المركزية في النظام السياسي المغربي إذ عدته الضامن لاستقرار ووحدة البلاد، وقد حرصت الأحزاب السياسية المغربية بما فيها المعارضة منها على العمل السياسي السلمي من تطوير وإصلاح النظام بما يضمن تحول ديمقراطي سلمي من داخله وليس من خارجه ووضعت شعاراً مركزياً هو بناء دولة القانون وتأسيس التوافق والتراضي والتوازن السياسي في المغرب بما ينسجم وخصوصية المغرب (15). فضلاً عن ذلك حرص الملك الحسن الثاني على ضرورة وجود معارضة داخل النظام كونها شرط لترسيخ الديمقراطية الحقيقية في النظام السياسي المغربي (16)، وحددها بأن تكون معارضة برلمانية وللحكومة فقط ،وكانت توصف بأنها(معارضة جلالة الملك لا معارضة لجلالة الملك) (17). وهذا يعد من السمات المهمة التي ميزت النظام السياسي المغربي عن بقية الأنظمة العربية التي أغلبها كانت تتبنى نظام الحزب الواحد وعدم وجود معارضة تعمل في الساحة السياسية العربية إلى جانب احزاب السلطة، لا بل انها عدت عنصر فاعل وقوة واستقرار للنظام سيما وأنها تميزت بمراعاتها لخصوصية النظام السياسي المغربي ومساهمتها في بناء الدولة المغربية.

4- عرفت الحياة السياسية المغربية منذ الاستقلال مشكلة من التضارب بين أتجاهين يضفي على التجربة المغربية خصوصيتها وأهميتها ،الاتجاه الأول: كان يسعى إلى دمقرطة المؤسسة الملكية وبناء نظام حكم عصري ديمقراطي ،وكان يمثله أحزاب الحركة الوطنية أبرزها حزب الاستقلال، أما الاتجاه الثاني: فكان يمثله المؤسسة الملكية المتمثلة بالملك الحسن الثاني الذي حرص بأن تكون المؤسسة الملكية تملك وتحكم في الحياة السياسية المغربية(18) وجعل المؤسسات السياسية والدستورية هي عبارة عن قنوات لتمرير الإرادة الملكية(19)لكن على الرغم من ذلك كان الملك الحسن الثاني يمتلك براعة وقدرة على المحافظة على توازن دقيق بين القوى السياسية المتعددة الاتجاهات بما يؤدي في النهاية إلى احتوائها جميعاً مما أسهم في استقرار النظام السياسي الملكي (20) فقد أتبع الملك استراتيجية مهمة تجاه جميع الاحزاب وهي استمرار الحوار وعدم حدوث القطيعة وهذه وسيلة أتبعها الملك كمخرج لحل الأزمات وتحميل جميع الأحزاب مسؤولية معالجتها.

5- يتميز النظام الملكي في المغرب عن بعض النظم الوراثية في الوطن العربي هو أن أفراد الأسرة الحاكمة يتولون وظائف محددة مثل الملك وولي العهد وقيادة الجيش ،أما رئاسة بقية القطاعات الأخرى فيعهد بها إلى شخصيات تكنوقراط لا تنتمي إلى الأسرة الملكية (21).

يتضح مما سبق أن الملكية في المغرب لها دور مهم في الحياة السياسية في المغرب وكذلك في عملية تطور الإصلاح السياسي والدستوري لان جميع حقول النظام السياسي المغربي تمر عبر قناة المؤسسة الملكية ، فضلا عن ما يتمتع به الملك الحسن الثاني من قدرات ووعي سياسي عال في مواجهة جميع التحديات أخذا بنظر الاعتبار ظروف كل مرحلة ومتطلباتها ،ولاسيما مرحلة عقد التسعينات من القرن العشرين التي تعد من المراحل الصعبة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، لذلك أتبع استراتيجية الإصلاح كطريق لمواجهة هذه التحديات ، وتحريك الحياة السياسية وعدم ركودها ،فأخذ بجملة مبادرات سياسية لمعالجة الأزمة التي يمر بها النظام السياسي المغربي.

المحور الثاني: مبادرات الملك الحسن الثاني في الإصلاح السياسي1993-1995

أن الإصلاح السياسي والدستوري هو حاجة مغربية موضوعية ازدادت أهميتها بامتياز مع ما تواجهه المغرب من تحديات مركبة ومعقدة ومتنوعة داخلية وخارجية ولا سيما في العقد الأخير من القرن العشرين،  التي كانت من أسباب ووجوب أجراء إصلاح سياسي وابرزها ما يلي:

1-عانى المغرب في الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين أزمات اقتصادية أسهمت في تفاقم المديونية الخارجية التي بلغت6 ,13مليار دولارعام1983، وازدادت لتصل الى 18 مليار عام 1999، هذه الديون أغلبها من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي(22)، وهذا يعني تعهد المغرب بأتباع سياسة  مالية بشروط هذه الهيئات والتي بموجبها يصبح الاقتصاد المغربي تحت رعاية ومراقبة صندوق النقد الدولي والذي يقوم برنامجه أتباع سياسة تقشفية من خلال فرض الضرائب المباشرة وتجميد الأجور، وغيرها من الشروط التي كانت لها نتائج مباشرة على حياة المواطن المغربي.

2- كان لتدهور الحالة الاقتصادية في المغرب انعكاس كبير على الحالة الاجتماعية للمجتمع المغربي مما أدى إلى حدوث انتفاضات كبيرة قام بها أغلب فئات المجتمع المغربي ولا سيما في الأعوام 1984 و1991 و1995 تخللتها أعمال عنف بين السلطات الحكومية والمتظاهرين (23).

3- مع بداية عقد التسعينات من القرن العشرين اهتزت سمعة المغرب دولياً في مجال انتهاكات حقوق الأنسان ولاسيما عند صدور تقارير دولية حول انتهاكات السلطة السياسية الحاكمة وعلى رأسها الملك الحسن الثاني وتجاوزاتها لحقوق الأنسان في المعتقلات السرية وغيرها(24).

4-تزايد مطالب أحزاب المعارضة (الكتلة الديمقراطية) (25) بضرورة الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وقد أتبعت استراتيجية رفع المذكرات(26) إلى الملك الحسن الثاني والتي توضح فيها ما يمر به المغرب أزمات لا يمكن تجاهلها عكست تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وإعطاء الحلول المناسبة لها كما رفعت شعار بناء دولة القانون وتأسيس التوافق والتوازن السياسي (27) ، وهذه المذكرات بمثابة مشاريع إصلاحية للخروج من الأزمة ،كما أنها تهدف إلى تحقيق أهداف رئيسية في مقدمتها محاولة إضفاء المصداقية على النظام السياسي المغربي سواء في نفوس الشعب ،أو فيما يخص تحسين صورة المغرب في الخارج ولاسيما في ضوء التحول العالمي نحو الديمقراطية وتكريس حقوق الأنسان .

يتضح من خلال ما سبق، أن عملية الإصلاح السياسي لا تنبع من فراغ ،إنما من خلال بيئة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية معينة تتفاعل عناصرها معاً لتتحقق من خلاها عملية الإصلاح شكلاً ومضموناً ،والتي تجاوب معها الفاعلين الأساسيين في الحياة السياسية المغربية ولاسيما الملك الحسن الثاني الذي تعززت لديه قناعة بضرورة الإصلاح كطريق لحل المشاكل ومواجهة التحديات التي يتعرض لها النظام السياسي المغربي .لذلك عمد إلى طرح مجموعة من المبادرات تهدف إلى حل ومعالجة المشاكل وكذلك إلى تحريك الحياة السياسية وإعطائها دفعة نحو الانفراج السياسي مع احزاب المعارضة التي تطالب بالإصلاح ،فضلاً عن أتباعه استراتيجية الحوار والتواصل معها كطريق للإصلاح.

ففي خطاب افتتاح مجلس النواب بتاريخ8/10/1993طرح الملك الحسن الثاني فكرة التعاقب على السلطة ودعا كلاً من أحزاب اليمين(28) والكتلة الديمقراطية المعارضة إلى المشاركة في الحكومة وعلى الذي يرغب أن يقدم برنامجه الحكومي(29) ، وأثناء الحوار طالبت الكتلة الديمقراطية من الملك إلغاء الانتخابات غير المباشرة التي جرت في7/9/1993كونها غير نزيهة بسبب تدخل الجهاز الإداري بالتزوير بنتائجـــــها (30).