دمج داري العجزة والأيتام – ماهر نصرت

دمج داري العجزة والأيتام – ماهر نصرت

سينتقد بشدة الكثير من القراء ماجاء بسطور مقالتي هذه من حقائق أفرزتها ظروف الحياة القاسية التي تعيشها مجتمعاتنا فهم يرفضون النتيجة ولا ينظرون بموضوعية إلى الأسباب الحقيقية التي جعلتني اكتب ماجاء فيها من نُصحٍ وبيان.

فقد تغيرت النفوس وتعقدت الحياة وخاصة في البلدان التي مرت بالحروب وصارت أكثر الأُسر تعيش بأوضاع نفسية مضطربة وأمتلئت حياة أفرادها بالخصومات والمشاكل التي تسللت إلى كياناتها من وراء نقصٌ في الأموال والعوز والحرمان الدائم حتى أدى البعض منها إلى انهيار عوائل بأكملها فتشتت شملهم وراح كل منهم يهتم بنفسه ولا يجد متسعاً كافياً من الوقت للاهتمام بالغير .

إن تكرار القصص المحزنة التي نسمعها بين فترة واخرى عن معاناة الآباء من كبار السن داخل بيوت ابنائهم دفعني الى تأييد الرأي القائل بأن دور العجزة قد تكون في كثير من الحالات المكان الافضل للحفاظ على كرامة هؤلاء العاجزين الذين لا يمتلكون سكنا مستقلا ويجدون أنفسهم وسط عوائل ناشئة تختلف امزجتها وطباعها وتمزقها الظروف المعيشية القاسية مما يجعل رعايتهم امراً شاقا او شبه مستحيل خاصة لمن يعانون من العجز الكامل ويلزمون الفراش بشكل دائم .

وهنا تــــــبرز ايضاً فكرة انسانية جديرة بالدراسة تتمثل في دمج دور الايتام بدور العجزة ضمن اطار تنظيمي مدروس يحقق مصلحة الطرفين فوجود الاطفال الايتام الى جانب كبار السن يمنح الاطفال شيئا من حنان الابوة والامومة التي افتـــــــقدوها ويغرس في نفوسهم قيــــــم الرحمة والاحـــترام بينما يستعيد كبار السن شعوراً دافـــــــئاً بقيمتـــــهم الانسانية ويوقظ في ذاكرتهم عاطفة العطاء التي عاشوها مع ابنائهم في سنواتهم الماضية وبذلك يتحول المكان من مؤسسة جامعة الى بيئــــة انسانية قائمة على التراحم والتكافل  .

ان الكثير من العوائل تعتذر عن رعاية المسنين ليس بدافع القسوة بل بسبب العجز النفسي والجسدي خاصة لدى النساء اللواتي ينشغلن بتربية الاطفال وادارة شؤون الاسرة ولا يمتلكن القدرة على تقديم الرعاية الصحية اليومية للعاجز من تنظيف ومراقبة وتبديل ملابس والتعامل مع اوضاع صحية معقدة تسبب لهن ضغطاً نفسياً ينعكس سلباً على استقرار الاسرة فهي لم تتزوج لتقوم برعاية ابويه .

في معظم دول اوربا تعد دور العجزة مراكز للرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية ويقيم فيها كبار السن برغبة واطمئنان لما توفره من اهتمام وانشطة اجتماعية حتى باتت اشبه بنواد للتعارف وتبادل الحديث والافكار بينما ما زالت سمعة هذه الدور في مجتمعاتنا سيئة بسبب ضعف الخدمات وقلة الموظفين المؤهلين وغياب الروح الانسانية لدى بعض  الموظفين الذين ينظرون الى هذا العمل انتقاصاً من مكانته الاجتماعية .

ومع ذلك لا يمكن انكار وجود عدد قليل من الموظفين المخلصين الذين يؤدون واجبهم بإنسانية عالية غير ان قلتهم المتزايدة لا تكفي لسد حاجة هذه المراكز مما يجعل العاجز ضحية اهمال الاسرة من جهة واهمال المؤسسة من جهة اخرى ويعيش بقية حياته فاقداً لكرامته   .

ان هذه السطور تمثل نداء موجها الى الجهات المختصة  لوضع حلول انســــانية حقيقية تعزز دور العجزة بعناصر خدمية مؤهلة وربما مستوردة من مجتمعات ذات خبرة خدمية راسخة من اجل الحفاظ على كرامة المسن والتخفيف قدر الامكان من معاناة هذه الفئة المنسية.