الدخول‭ ‬إلى‭ ‬المصحة‭ ‬- د. فاروق الدباغ

في‭ ‬عام‭ ‬1973،‭ ‬دخل‭ ‬ثمانية‭ ‬أشخاص‭ ‬أصحّاء‭ ‬تمامًا‭ ‬إلى‭ ‬مصحات‭ ‬نفسية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

لم‭ ‬يحملوا‭ ‬تاريخًا‭ ‬مرضيًا،‭ ‬ولا‭ ‬سلوكًا‭ ‬مضطربًا،‭ ‬ولا‭ ‬نية‭ ‬للخداع‭ ‬المستمر‭.‬

كذبوا‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬فقط،‭ ‬ثم‭ ‬توقفوا‭.‬

لكن‭ ‬الكذبة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مهمّة‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭.‬

منذ‭ ‬لحظة‭ ‬التشخيص،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الواقع‭ ‬يُرى‭ ‬كما‭ ‬هو،‭ ‬بل‭ ‬كما‭ ‬يُراد‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يُرى‭.‬

كل‭ ‬تصرّف‭ ‬عادي‭ ‬صار‭ ‬دليلًا‭ ‬على‭ ‬المرض‭.‬

وكل‭ ‬محاولة‭ ‬شرح،‭ ‬عُدّت‭ ‬إنكارًا‭ ‬نابعًا‭ ‬من‭ ‬العِلّة‭ ‬نفسها‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬الخلل‭ ‬في‭ ‬العقول،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬العدسة‭ ‬التي‭ ‬تنظر‭ ‬إليها‭.‬

هذه‭ ‬ليست‭ ‬استعارة‭ ‬سياسية‭ ‬بعد،‭ ‬بل‭ ‬تجربة‭ ‬علمية‭ ‬موثقة‭ ‬صمّمها‭ ‬عالم‭ ‬النفس‭.‬

دافيد‭ ‬روسينهان

David Rosenhan

ليطرح‭ ‬سؤالًا‭ ‬واحدًا‭:‬

متى‭ ‬يتحوّل‭ ‬التشخيص‭ ‬إلى‭ ‬سلطة؟

ومتى‭ ‬تصبح‭ ‬القناعة‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬الحقيقة؟

في‭ ‬العراق،‭ ‬نعيش‭ ‬المشهد‭ ‬ذاته‮…‬‭ ‬لكن‭ ‬بلا‭ ‬مستشفيات،‭ ‬وبلا‭ ‬ملفات‭ ‬طبية،‭ ‬وبلا‭ ‬معاطف‭ ‬بيضاء‭.‬

نعيش‭ ‬داخل‭ ‬مصحة‭ ‬سياسية‭ ‬مفتوحة،‭ ‬يقرر‭ ‬فيها‭ ‬قِلّة‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬العاقل‭ ‬ومن‭ ‬هو‭ ‬

الخطر،‭ ‬ومن‭ ‬يحق‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يحكم،‭ ‬ومن‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُقصى‭.‬

أشخاص‭ ‬ونخب‭ ‬وتنظيمات‭ ‬نصّبت‭ ‬نفسها‭ :‬الطبيب‭ ‬الوحيد‭ ‬للوطن‭.‬

تقول‭ ‬إنها‭ ‬وحدها‭ ‬تفهم‭ ‬العراق‭.‬

وحدها‭ ‬تمثله‭.‬

وحدها‭ ‬تملك‭ ‬حق‭ ‬تقرير‭ ‬من‭ ‬يكون‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء،‭ ‬ومن‭ ‬يُستبعد،‭ ‬ومن‭ ‬يُشيطن،‭ ‬ومن‭ ‬يُتهم‭ ‬بالخيانة‭ ‬أو‭ ‬بالعمالة‭ ‬أو‭ ‬بعدم‭ ‬الوطنية‭.‬

وما‭ ‬إن‭ ‬يُلصق‭ ‬التشخيص‭ ‬السياسي،‭ ‬حتى‭ ‬ينتهي‭ ‬النقاش‭.‬

ليس‭ ‬مهمًا‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬الواقع،

ولا‭ ‬ما‭ ‬تقوله‭ ‬الشوارع،

ولا‭ ‬ما‭ ‬تقوله‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع‭ ‬حين‭ ‬تُفتح‭ ‬حقًا‭.‬

المهم‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬التسمية‭ ‬قد‭ ‬وُضعت،

ومن‭ ‬وُضع‭ ‬عليه‭ ‬اللقب،‭ ‬فقد‭ ‬صوته‭.‬

كما‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬روزنهان،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬السلوك‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يُقيَّم،

بل‭ ‬الهوية‭ ‬المفترضة‭.‬

من‭ ‬لا‭ ‬ينتمي،‭ ‬فهو‭ ‬خطر‭.‬

ومن‭ ‬يختلف،‭ ‬فهو‭ ‬مريض‭ ‬سياسيًا‭.‬

ومن‭ ‬يسأل،‭ ‬فهو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬المؤامرة‭.‬

المفارقة‭ ‬القاسية‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬يشعر‭ ‬بالخلل‭ ‬هم‭ ‬الناس‭ ‬العاديون‭.‬

أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يُهمَسون‭ ‬في‭ ‬المقاهي‭ ‬والبيوت‭:‬

هؤلاء‭ ‬لا‭ ‬يمثلوننا‮…‬‭ ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬العراق‭.‬

لكن‭ ‬الهمس‭ ‬لا‭ ‬يُسجَّل‭ ‬في‭ ‬التقارير‭ ‬الرسمية‭.‬

ولا‭ ‬يُعترف‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الغرف‭ ‬المغلقة‭.‬

تجربة‭ ‬روزنهان‭ ‬لم‭ ‬تُلغِ‭ ‬الطب‭ ‬النفسي،‭ ‬لكنها‭ ‬حطّمت‭ ‬وهم‭ ‬العصمة‭.‬

والعراق‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬ثورة‭ ‬على‭ ‬السياسة،

بل‭ ‬ثورة‭ ‬على‭ ‬احتكار‭ ‬التمثيل،

وعلى‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬الوطن‭ ‬ملكٌ‭ ‬لفئة،

وأن‭ ‬الشعب‭ ‬مجرّد‭ ‬حالة‭ ‬يجب‭ ‬إدارتها‭ ‬لا‭ ‬الاستماع‭ ‬إليها‭.‬

أخطر‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصيب‭ ‬دولة،

ليس‭ ‬الفساد‭ ‬وحده،

ولا‭ ‬السلاح،

ولا‭ ‬التدخل‭ ‬الخارجي،

بل‭ ‬أن‭ ‬يقتنع‭ ‬من‭ ‬في‭ ‬السلطة

أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مخطئًا‭.‬

وحين‭ ‬يصل‭ ‬الحاكم‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬القناعة‮…‬

فالوطن‭ ‬كله‭ ‬يدخل‭ ‬المصحّة،

ولا‭ ‬أحد‭ ‬يُسمح‭ ‬له‭ ‬بالمغادرة‭.‬