خنجر رئيس العسكر

خنجر رئيس العسكر

خيمة رئيس العسكر وسط غابة كثيفة الاشجار.. حيث الطريق منها الى البلدة المحاصرة بمنع الداخلين والخارجين فالطاعون متفش منذ ايام.

احد الجنود يركض مسرعا نحو الخيمة متجاوزا الحراس بلهفة ليقف امام الرئيس وهو يقول: سيدي أمسكنا رجلا مريبا يحمل خنجرا ويسير متخفيا بين الاشجار.

الرئيس: ويلك لقد ارعبتني. اقسم لو انك اعدت الكرة لا قطعن رأسك بسيفي. ايها الحارس خذه واجلده امام الكل عشر جلدات .

الحارس: أمرك سيدي.. هيا معي يا صاحبي.

الجندي مخاطبا الرئيس: سيدي كنت متلهفا لايصال الخبر اليك .

الرئيس: وانا متلهف لقطع دابر نباحك وان تكون جنديا بحق والا ستعود كما كنت حاجبا عند تلك المومس. هيا ايها الحارس خذه ونفذ في الحال.

سار الجندي مع الحارس حيث شده الى شجرة واخذ يَعَدْ الجلدات العشرة.

خرج الرئيس وسط حراسه باتجاه الرجل المريب المضبوط قرب المعسكر وبجيبه كما قد قيل خنجر.

وقف الرجل حين رأى الرئيس وقال: يا حضرة الكبير انما انا مجرد

رجل فقير اردت المرور عبر الغابة فهي طريقي الوحيد الى البلدة.

الرئيس: ومن اين جئت؟

الرجل: من سفر بعيد جدا غبت فيه عن اهلي واردت العودة. ولم اعلم بالوباء الا الان.

الرئيس: لا يمكن ان تعبر فالمدينة مصابة بوباء لا داخلين اليها ولا خارجين منها.

الرجل: حسنا سيدي سأرحل لكن من فضلك اريد الخنجر.

الرئيس يخاطب الجنود: وأين الخنجر؟

احد الجنود: انه لدى الجندي الذي اتاك بالخبر.

الرئيس مخاطبا الرجل وقد اغتاظ: ايها الرجل سنرى أمر خنجرك في الحال.. أتوني به ذاك الجندي الموقر.

اسرع احد الجنود ليأتي به وكان قد أنهى لتوه الجلدات العشرة وتم فكه من الشجرة وتمدد على بطنه متأوها واثر السياط منقوش على ظهره.

قال الجندي: هيا معي الرئيس يريد رؤيتك .

المجلود: ليتأكد من جَلدي اظن؟ قل له اني لا اريد رؤيته.

الجندي: هيا بسرعة قبل ان يأمر بجلدك بعشر اخرى.

المجلود: لا.. ساعدني يا هذا. اي صباح حلّ علي اليوم .

الرئيس: كيف حالك الان؟

المجلود: بالف الف خير سيدي لقد أفقت من غفوتي وانا الان افضل جندي.

الرئيس: اين الخنجر؟

المجلود يشهق وقد اتسعت عيناه: الخنجر؟

الرئيس: اعطني الخنجر.

اخرج الجندي الخنجر من حزامه وسلمه للرئيس و قد تصلبت رقبته وطالت وكأنه مشنوق من توه.

المجلود: لم آخذه الا لاعطيه لك سيدي .

الرئيس : اذهب الان وابتعد عن وجهي .

الرئيس ممسكا بالخنجر متعجبا من صناعته وغرابة نقوشه. فقال محدثا الرجل الغريب: من اين لك هذا الخنجر ؟

الرجل: انه أرث أبي عن أبيه.. انه عزيز جدا ولم أفرط به في اتعس الظروف وهو رفيقي الى كل مكان.

الرئيس: اظن ان الليل سيداهمك فابقى معنا اليوم.. والخنجر سيبقى معي حتى رحيلك بامان.

الرجل: شكرا لكرمك يا كبير.

وحلَّ الليل واشعلت المشاعل في كل مكان والرجل والجندي المجلود في ذات الخيمة وهما يتسامران.

قال الجندي المجلود: اذن خنجرك بأمان. وانت ضيف مهم وانا مصاب بعشر جلدات بسببك.

الرجل: لم اقل لك ان تسرقه. ولم اطلب منك الاسراع الى خيمة رئيسك. ولم اعرف اني ضيف. اظن انني في ورطة بسبب الخنجر.

الجندي المجلود: ههههههه اذن فهمت الامر. اين اهلك ؟

الرجل: خرجت من المدينة منذ سنين عدة تاركا والديَّ دون وداع وسرقت الخنجر من ابي. وعشت كل هذا الوقت وانا الوم نفسي واخجل من العودة لكنني الان قررت ان اطلب العفو وان اعيد ما سلبت.

هل تساعدني في الدخول الى المدينة ؟

الجندي: لا.. ارجوك يكفيني ما حصل بسببك وجهك نحس جدا علي. اطلب الامر من الرئيس فقد احبك كما احب الخنجر.

الرجل : هل تظن؟ سأذهب اليه وارجوه.

خيمة الرئيس وعندها يقف الرجل الغريب يطلب مقابلته.. وجاءت الموافقة في الحال.

الرجل: جئت اطلب من حضرتك ان تساعدني في الدخول وسأتحمل مسؤولية ذلك.

الرئيس وقد اخذ يفكر مع نفسه: هل اتركه يذهب مقابل الخنجر.؟ سارمي بعض الكلام وارى وما يهمني ان دخل او مات حتى.

قال الرئيس: انها مخاطرة ان اخالف امر الحاكم واتركك تدخل سيعاقبني. وما الذي سأجنيه ان ساعدتك ؟

الرجل: اني قلق على اهلي واريد ان اكون معهم ارجوك.. ماذا تطلب مني ؟

الرئيس: الخنجر.. اريد الخنجر.

الرجل: لكنني عدت به لأكفر عن ذنبي.

الرئيس: لم أفهم.. ان كان والدك حيا فهو سيسعد برؤيتك لا برؤية الخنجر.

الرجل: ابي غني وسآتيك باموال كثيرة لكن الخنجر اريد ان أعيده الى ابي ارجوك.

الرئيس: اتركه عندي رهينة حتى تأتيني بالمال.

الرجل: لابأس..سادخل المدينة الان .

دخل الرجل المدينة وسط الظلام وكآبة الطرقات والمشاعل هنا وهناك ورائحة الموت في كل مكان. كان الرجل يبحث عن داره  لقد تغيرت الامكنة.. وما عادت المدينة كما تركها منذ سنين بعيدة. فجأة ارتطم بشيء ما فكان رجلا مصابا قد سقط على الارض فأخذ يكلمه ليعرف طريقة لمساعدته. فأسنده وسار به نحو بيته.

بعدها عاد ليبحث عن ضالته حتى حل الصباح وبدأت الحركة في المدينة وبان عليه التعب وأعراض المرض  فسقط مغشيا عليه. حملوه حيث المرضى وهو يهذي مناديا اباه دون جدوى. تقدم منه احدهم.

وسأله: من انت ارى انك غريب؟

لم يجبه فقد نال منه المرض وطول السفر فاستعجل الموت اليه.. وتم حرقه.

مرت الايام والرئيس مطمئن لغياب الرجل وكل حين ينظر الى الخنجر باعجاب. وانفك الحصار وانتهى الوباء وعاد العسكر الى الثكنات. وارسل الحاكم الى الرئيس ليشكره على تفانيه في تحقيق المرجو منه.

دخــل الرئيس وهو مزهو وعلى قسماته الفرح والسرور وقد تقلد على حزامه الخنجر الجميل.

هنا قفز الحاكم في الحال بمجرد ان رآه وقال: من اين لك الخنجر يا رئيس العسكر؟

تلعثم الرئيس وقال: انها هديتي لك ايها الحاكم الجليل .

الحاكم قال وقد بان عليه الانهيار: من اين لك الخنجر اخبرني والا قطعت رأسك بسيفي في الحال.

الرئيس وقد ارتجفت اركانه: سيدي انه لرجل جاء يبحث عن ابيه وطلب مني راجيا ان ادخله المدينة فغاب فيها ولم يعد .

الحاكم وقد اصفر لونه وصاح: هو ولدي قد عاد وتركته يدخل المدينة ليموت ويحرق فيها.. ويلك .

قام الحاكم من كرسيه وهو يصيح: قتلت ولدي بسبب الخنجر؟ واخذ الخنجر وذبح به الرئيس .

انها قصتي عن خنجر رئيس العسكر ونزاعات النفس وخطأ يتكرر من سرقة الولد لابيه والجندي ومن بعدهما الكبير رئيس العسكر.

ابتهال خلف الخياط – بعقوبة