تركيا والعلاقات مع أكراد العراق وسوريا – مقالات – سامي الزبيدي
من المعروف أن الأكراد يشكلون أقليا ت قومية في كل من تركيا وإيران وسوريا كما إنهم يعتبرون ثاني أكبر قومية بعد العرب في العراق ومنذ أن نشأت جمهورية مهاباد الكردية في الأجزاء الشمالية الغربية من إيران عام 1946 بمساعدة الاتحاد السوفيتي والتي لم تدم طويلاٌ حيث استمرت 11 شهراٌ فقط والتي انضم إليها الملا مصطفى البارزاني لم يحظى الأكراد بكيان سياسي مستقل خاص بهم يضم أكراد الدول الأربع ولم يحصلوا حتى على حقوقهم القومية ضمن بلدانهم ولو استثنينا أكراد العراق الذين حصلوا على الحكم الذاتي في سبعينيات القرن الماضي بعد صراع عسكري وسياسي طويل وشاق مع الحكومات العراقية منذ العهد الملكي مروراٌ بالعهد الجمهوري حتى اتفاق 11 آذار1975 بين حكومة البكر والملا مصطفى البارزاني والذي انهار هو الأخر بعد بضع سنين فان الأكراد في تركيا وإيران وسوريا لم يحصلوا على أبسط حقوقهم القومية المتمثلة بالحكم الذاتي والذي ظلوا يطالبون فيه سنين طويلة مستخدمين الوسائل السياسية تارةٌ والعسكرية تارةٌ أخرى لكن دون جدوى . وبعد التغيير الذي حصل في العراق عقب الغزو الأمريكي عام 2003 وصدور الدستور العراقي الجديد الذي اعتبر العراق دولة ديمقراطية فيدرالية تتكون من إقليمين الإقليم العربي في وسط وغرب وجنوب العراق والإقليم الكردي في كردستان العراق مع إمكانية تشكيل أقاليم أخرى إذا دعت الحاجة وتوفرت الإمكانيات والمبررات الخاصة بذلك , ووفقاٌ للنظام والدستور الجديد فقد حصل الأكراد على حقوقهم كاملةٌ إن لم يكن أكثر من ذلك حيث أصبح لهم رئيس للإقليم وحكومة محلية وبرلمان ووزارات ودوائر حكومية خاصة بهم كما أصبح لهم حرس خاص للإقليم حيث اعتبرت قوات البيشمركة الكردية هي حرس الإقليم , وعلى أرض الواقع فان الأكراد توسعوا في الحصول على المزيد من الحقوق والامتيازات من حكومات المركز بسبب ضعف هذه الحكومات واشتداد الصراع السياسي بين الكتل والأحزاب للاستحواذ على المناصب والمكاسب وبسبب المحاصصة الحزبية والقومية والطائفية التي أصبحت سيدة المشهد السياسي في العراق وسمة كل الحكومات التي جاءت بعد الاحتلال إضافة للتطرف الطائفي والسياسات الطائفية الخاطئة لهذه الحكومات والتي أثرت كثيراٌ على والوحدة الوطنية واللحمة الوطنية والتماسك الاجتماعي و أدت الى اشتداد الصراع الطائفي بين مكونات الشعب الواحد. وفي ظل هذا الصراع المحموم في بغداد وباقي محافظات العراق على السلطة والنفوذ والمال كان الأكراد يسيرون بخطوات سريعة وواثقة في البناء والأعمار والحصول على المزيد من المكاسب على حساب باقي محافظات العراق فأصبح إقليم كردستان يعيش في بحبوحة من الحرية والأمن والاستقرار والوضع المالي الجيد خصوصاٌ بعد اكتشاف النفط في مناطق الإقليم وقيام المسؤولين في كردستان ببيع النفط إلى تركيا وإيران بعد تهريبه بالشاحنات ثم أنشأ الإقليم أنبوباٌ خاصاٌ به لتصدير النفط عبر الموانئ التركية كل هذه التطورات جعلت إقليم كردستان محل أنظار أكراد تركيا خصوصاٌ وأكراد باقي دول الجوار عموماٌ حيث بدأوا يتطلعون للحصول على حقوقهم أسوةٌ بأكراد العراق وحتى ولوعلى بعضاٌ منها أقل تقدير. ونتيجةٌ للأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية الجيدة ازداد إقبال الشركات الأجنبية للعمل في كردستان وكان للشركات التركية النصيب الأكبر في الأعمال والمشاريع وتطورت العلاقات التجارية والسياسية بين تركيا وحكومة إقليم كردستان بعد تصدير النفط من الإقليم عبر موانئ تركيا واستفادت تركيا كثيراٌ من النفط المهرب من الإقليم حيث كانت تشتريه بأسعار تقل كثيراٌ عن أسعاره في أسواق النفط العالمية واستفادت أكثر من صادراتها الصناعية والزراعية للإقليم وأصبح حجم الصادرات التركية لإقليم كردستان يتجاوز أربعة مليار دولار سنوياٌ وازدادت زيارات الوفود الكردية السياسية والتجارية إلى تركيا وبالعكس وتمخضت هذه العلاقات المتميزة عن إبرام اتفاق بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردي يقضي بتجميد نشاط الحزب العسكري مقابل خروج مقاتلي الحزب من الشريط الحدودي التركي وإسكانهم في المناطق الجبلية في إقليم كردستان العراق, كل هذه الأمور جعلت العلاقات التركية مع إقليم كردستان في تطور مستمر وحفاظاٌ على هذه العلاقة المتميزة والمنفعة المتبادلة لم يعترض الأتراك عندما يعلن القادة الأكراد العراقيين عن نيتهم الانفصال عن بغداد وتشكيل دولتهم الخاصة بهم هذا الأمر الذي كانوا يعارضونه صراحة قبل الاحتلال الأمريكي للعراق. وبعد دخول داعش على خط الصراع الدائر في المنطقة فان العلاقات التركية مع أكراد العراق لم تتأثر رغم الاتهامات التي وجهها بعض أكراد العراق وأكراد سوريا بعد سقوط كوباني الكردية الســــــورية بيد داعش إلى تركيا كونـــــــــــها ساعدت داعش في السيطرة على كوباني .
والأسئلة المحيرة التي تثار دائماٌ هي لماذا تقيم تركيا أفضل العلاقات مع أكراد العراق ؟ ولماذا لم تعترض تركيا على قيام إقليم كردي في شمال العراق يتمتع بشبه استقلال عن المركز؟ولماذا لا تعترض تركيا على تشكيل جيش قوي في كردستان العراق ولا تعترض على تسليحه من أمريكا ودول أوربية أخرى بأسلحة حديثة ومتطورة ؟ في حين تعارض تركيا رغبة الحكومة السورية منح الأكراد السوريين حكماٌ ذاتياٌ , وتعارض حتى تسليح أكراد سوريا لكي يدافعوا عن مدنهم وشعبهم وتعارض تقارب أكراد سوريا مع الحكومة السورية وتساعد داعش و جبهة النصرة والمقاومة السورية في عملياتهم العسكرية ضد الجيش السوري وضد أكراد سوريا مع العلم إن أكراد سوريا يبلغ تعدادهم مليوني نسمة بينما أكراد العراق أكثر من أربعة ملايين نسمة وإمكانيات أكراد سوريا العسكرية والاقتصادية لا تشكل أي شئ بالنسبة لإمكانيات أكراد العرق وهذا يعني أن تأثير أكراد العراق على الأوضاع الاقتصادية والعسكرية والنزاع بين أكراد تركيا وحزب العمال الكردي التركي أكثر بكثير من تأثير نظرائهم السوريين ومع ذلك فان تركيا تتخوف كثيراٌ من منح أكراد سوريا حكما ذاتياٌ بل تعلن صراحة إنها لا تسمح بوجود كيات كردي على حدودها الجنوبية مع سوريا علماٌ إن الحدود السورية التركية يبلغ طولها 820 كم ويتواجد أكراد سوريا على حوالي 400 كم من هذه الحدود شمال حلب في حين أن أكراد العراق يتواجدون على طول الحدود العراقية التركية التي تزيد كثيراٌ عن منطقة تواجد الأكراد السوريين ومع ذلك فان تركيا تريد إقامة منطقة عازلة على حدودها مع سوريا ليس لحماية الشعب السوري لكن لعزل أكراد سوريا عن أكراد تركيا ولحماية حدودها من التأثير الكردي السوري على أكراد تركيا الذين شاركت أعداد منهم في معارك كوباني لنصرة أكراد سوريا ضد داعشترى لماذا هذه الازدواجية في العلاقات التركية بين أكراد العراق وأكراد سوريا ؟ ولماذا يقدم الأتراك كل التسهيلات لأكراد العراق خصوصاٌ ما يخص تصدير النفط عبر الأراضي التركية وحتى بيع النفط المهرب بالإضافة إلى التسهيلات التجارية والاقتصادية والفنية ناهيك عن دعم الإقليم سياسياٌ في حين تعارض تركيا منح أكراد سوريا حكماٌ ذاتياٌ ؟ والجواب واضح فمصالح تركيا التجارية والمالية والاقتصادية التي تربطها مع أكراد العراق كبيرة جداٌ وحتى علاقات تركيا التجارية مع العراق تمر عبر المنافذ الحدودية لكردستان العراق في حين لا يؤثر أكراد سوريا على المصالح التجارية بين تركيا وسوريا المتوقفة أصلاٌ منذ بدء العمليات العسكرية في سوريا وحتى قبل العمليات العسكرية , ثم إن حزب العمال الكردستاني التركي يحظى بشعبية كبيرة لدى أكراد سوريا ويعتبر الأتراك حزب الاتحاد الكردستاني السوري فرع من حزب العمال التركي وحصول أكراد سوريا على حكم ذاتي يؤثر كثيراٌ على حزب العمال الكردي التركي الذي لم يفلح في الحصول على الحقوق القومية لأكراد تركيا رغم كفاحه المسلح الطويل هذا من جهة ومن جهة أخرى إن أكراد العراق قد تمتعوا بحكمهم الذاتي وإقليمهم الشبه مستقل منذ فترة طويلة وظهور كيان كردي جديد في سوريا على حدود تركيا وقريباٌ من أكرادها في الظروف الحالية التي تعصف بالمنطقة يؤثر كثيراٌ على أكراد تركيا ويدفعهم للمطالبة بالحكم الذاتي مطلبهم الرئيسي لإنهاء نزاعهم العسكري مع الحكومة التركية و الذي وعدوا به من الحكومات التركية السابقة ومن قبل أوردكان وحزب العدالة والتنمية بعد وصولهم للحكم لكن دون أن يحصلوا عليه , كل هذه الأمور تجعل تركيا تتعامل بازدواجية واضحة في علاقاتها مع أكراد العراق الذين أصبحوا شركاءهم الأساسيين في المنطقة ومع أكراد سوريا الذين باتوا يثيرون قلق الأتراك في سعيهم للحصول على الحكم الذاتي الذي بات قريباٌ في ظل الصراع الدائر في سوريا و الذي إذا حصل ربما سيعصف بمنطقة جنوب شرق تركيا ذات الأغلبية الكردية .

















