بين الواقع  والتطبيق – عماد المعيني

بين الواقع  والتطبيق – عماد المعيني

من المتعارف عليه ان السياسة الاقتصادية لكل بلد لا يمكن ان تبنى على اجتهادات او لمعالجة حالة او حالات آنية بقدر ما تكون وفق دراسة مستفيضة تأخذ في الحسبان كل مقومات نجاحها وتتمثل بمقدار ما تملكه الدولة من رؤوس اموال غير مستثمرة ومن توقعات العائدات والبحث عن وسائل تمويل جديدة غير القروض والضرائب وكيفية تحويل الادخار الى استثمار وتقليل المستخدم منه لأغراض الاستهلاك قدر المستطاع.

ويعتبر من الحلول العقيمة الاقتراض او زيادة الضرائب لأن تلك الوسيلتين من وسائل الطوارىء والظروف الاستثنائية التي لا تعتبر من وسائل نجاح اي خطة اقتصادية.

ومن اهم عوامل نجاح اي خطة حين تأخذ بنظر الاعتبار تخفيف الاعباء عن كاهل المواطنين محدودي الدخل او البسطاء من خلال دعمهم بشكل مباشر او بشكل غير مباشر من خلال التسهيلات التي تمنح لهم.

ان ما حدث خلال هذه الفترة القصيرة جدا بصدور قرارين مهمين الاول متعلق بحجم الغرامات الكبيرة التي فرضتها مديرية المرور والقرار الاخر برفع اسعار الوقود, والتي ربما جاءت لتخفيف الاعباء التي تحملتها الدولة في انشاء بعض الجسور والانفاق لمعالجة الاختناقات المرورية, برغم وجود ميزانية رقمية كبيرة تغطي كل الاحتياجات.

غرامات مرورية

بملاحظة بسيطة لتلك القرارين نجد كلاهما جاءت بصميم معاناة المواطن تعزيزاً لها وتعميقاً لأثارها, فالغرامات المرورية الغير منطقية جداً ولأسباب كثيرة منها ان نظامنا المروري لا يصلح لمثل تلك الغرامات التي تفترض وجود شوارع معبدة جيداً وحديثة ومدعمة بكل وسائل السلامة لا ان تكون شوارع مستهلكة تفتقد لأبسط الدلالات المرورية مع الاختناقات المرورية الرهيبة التي عززتها حملة معالجة الاختناقات, واغلب مستخدمي الشارع هم من الموظفين ومحدودي الدخل وسائقي سيارات الاجرة التي اصبحت مصدر الدخل الوحيد للسواد الاعظم من الناس لسد الاحتياجات التي تفوق كثيرا العوائد المالية من هذه المهنة.

وجاءت المعاناة الاخرى لهذه الشرائح برفع اسعار الوقود, وقد يقول قائل انها جاءت لنوع البنزين المحسن والممتاز وليس العادي وهذا بحد ذاته استهلاك مبطن ومن نوع اخر لأن البنزين العادي سيؤدي الى المزيد من العطلات والاستهلاك السريع لمحركات العجلات الذي يستلزم المزيد من النفقات, ونحن من المفترض ان نقلل الانفاق والاستهلاك تعزيزاً للمدخرات لاستثمارها في مجالات تعود على الدخل القومي بزيادة تعالج التضخم المستفحل.

فمن الممكن ان تباشر الدولة بفعل جاد من خلال تقليل الانفاق لكل دوائر الدولة وخاصة الدوائر غير الخدمية التي تمس حياة المواطن مع امكانية فرض بعض الرسوم او الضرائب في الجوانب التي لا تمس كل مواطن رغماً عنه ( المرور والوقود)

فمن الممكن وعلى سبيل المثال وليس الحصر ان تفرض الدولة بعض الرسوم على المستوردات غير الضرورية او من الممكن ان تفرض رسم قدره الف دينار على كل معاملة في كل دوائر الدولة وان هذا المبلغ لا يؤثر على المواطن لسببين اولهما انه مبلغ زهيد وثانيا انه لا يشمل الا المواطن الذي لديه معاملة ما في احدى دوائر الدولة وهذه قد تكون حالة نادرة الى حد ما ونعتقد ان رسم الالف دينار سيعود على الدولة يوميا بمليارات الدنانير.

ان الضرائب في كل دول العالم المتقدمة لا تفرض الا على اصحاب رؤوس الاموال الكبيرة او القطاعات الترفيهية او الاعمال التي تكون ذات عائد مالي كبير لاصحابها دون ان تمس كل المواطنين دون استثناء.

اما الدول الفقيرة بمواردها والمصابة بالعجز نتيجة ذلك من الممكن ان تكون مضطرة لفرض المزيد من الضرائب على المواطنين واللجوء الى الاقتراض الخارجي لمعالجة العجز لديها, اما حين تكون الدولة تمتلك الكثير من الموارد الكبيرة وبعوائد خيالية لو تمكنت من السيطرة عليها من خلال تشديد الرقابة على منافذ هدرها وفرض العقوبات على المتلاعبين بها فسرقة واحدة من التي نسمع بها كل يوم تغطي كل عوائد الغرامات المرورية او عوائد رفع اسعار الوقود من المؤكد ستكون الحلول سهلة لكل المشاكل الاقتصادية التي نجمت عن هذا الخلل الكبير.

ان المواطن الان بأمس الحاجة لتخفيف الكثير من الاعباء عنه فهو بحاجة لأعفاءه من الديون المتراكمة عليه بسبب عـــــــــــــجزه عن دفع اجور الماء والكهرباء وضرائـــــــــب الامانة  وتسديد اقساط الدراسة وتكاليف علاج الامراض المزمنة وتحسين الدخل على الاقل لشريحة المتقاعدين الذين استلموا بيدهم اليمنى مئة الف دينار ليدفعوا بيد الشمال اضعـــــــــافها ,المواطــــــــــــــن الان بحاجة الى مساعدته ان لم تكن المساعدة بمنحه على الاقل ان لا تكون بالأخذ منه, ولا اعــــــــتقد ان اصحاب الشركات التي تم اعــــــــــفائها اخيراً من الــــــــــغرامات المترتبة عليها اكثر بؤساً وفقراً من المواطن.