بيت العمر -مقالات – ثامر مراد

بيت العمر -مقالات – ثامر مراد

 

ألأنسان بطبيعتة يميل الى طول ألأمل ومحاولة الوصول الى أعلى درجات الكمال على المستوى المادي وألأجتماعي وحتى مجال العمل. يبذل أقصى جهده كي يصل الى تلك المرحلة التي يشعر بها بالتفوق الأجتماعي في كافة ميادينة ولذلك تراه يسارع الى إتخاذ خطوات كثيرة من أجل الرقي والتقدم. يبقى ألأمل يجول في خاطرة لدرجة ينسى فيها أحياناً أنه سيموت يوماً ما ويترك خلفه كل شيء الى الورثة. هو يعرف هذا جيدا ولكنه لايفكر في الموت وإن وصل من العمر عِتيا. أحياناً يحرم نفسه من أشياء كثيرة بحجة ألأقتصاد وألأدخار لكنهُ في حقيقة ألأمر ينحرف الى زاوية من زوايا البخل دون أن يشعر. السبب الذي منحني هذه الفكرة – بيت العمر- ومحاولة مقارنتها بأشياء تتعلق بالحياة بصورةٍ عامة هو ذلك الحوار العفوي الذي جرى بيني وبين الصديق – فراس- عن مفهوم السعادة وهل أن السعادة مطلقة أم آنية أو نسبية. تطرق الصديق فراس الى أصحاب رؤوس ألأموال – أو الحيتان- كما يُطلق عليهم من مفهوم التفوق المادي في هذه الحياة. راح يعدد لي عدد من اصحاب رؤوس ألأموال العمالقة بألأسماء . تعرف على تلك الحيتان من خلال عملة – كخلفة لبناء البيوت- ضحك عليَّ كثيراً حينما دار الموضوع عن التمني لأمتلاك خمسة ملايين فقط من أجل تطوير دكاني البسيط. راح يحدثني عن شاب زارهم في يوم العيد مواليد 1983 وكيف ذهب الى تركيا للراحة وألأستجمام وكيف صرف 15 مليون هناك في تركيا. حسب حديث فراس ” كان هذا الشاب قد إستأجر يختاً ومترجمة وفتاة أخرى كي تصوره أينما جلس وأينما أراد أن يدخل مكاناً للمتعة. نظرتُ الى صديقي – الخلفة- وراح ذهني بعيداً الى الزمن الذي كان فيه هذا الشاب طفلاً وكيف كنتُ أحمله على كتفي حينما أعود من جبهات القتال في بداية الثمانينات وكيف كنت أشتري له لعبة أسوة بأبناء شقيقتي..كيف ساعدته على إيجاد الخطوة ألأولى لعمل تطور فيما بعد الى عمل جبار متعب يجني من ورائه ملايين الدنانير شهريا. تطور الحديث بيني وبين فراس الى حديث عائلي ” هل تتذكر حينما كانت والدتهُ رحمها الله تهتم ببناء ذلك البيت الكبير وكيف كانت تقول بأنها تريد وضع أرقى أنواع ألأدوات لتشييد ذلك البيت لأن هذا هو – بيت العمر- على حد قولها. لم تعش إلا سنوات معدودات ورحلت الى عالم السماء وتركت بيت العمر خاوياً من أي حياة. تشتت ألأبناء ومن ضمنهم ذلك الشاب الذي يدعي أنه صرف 15 مليون ليمتع نفسه. من خلال الحديث الودي الذي جرى بيننا وصلت الى قناعة تامة أن راحة البال وألأمان تعادل كل كنوز ألأرض. لم يبق من بيت العمر إلا أطلال وذكريات تعصف بها رياح الشوق الى ماضٍ بعيد.