قصة قصيرة
بستان الويسي
خرجت عصراً بعد أن صحوت من القيلولة قاصداً بستان النخيل الذي زرعه جدي في ثلاثينيات القرن المنصرم والذي تعارف الجميع على تسميته ” بستان الويسي ” قرب قريتنا باحثاً عن الهدوء بعد يوم عمل رتيب وكئيب…..
وصلت إلى هناك وكانت نسائم الربيع النقية تداعب وجهي وعبق الزهور البرية التي فرشت وجه ارض البستان لوحة خلابة بالألوان الزاهية جعلتني اشعر بالارتخاء فجلست متكئاً على جذع إحدى النخلات الشامخات أطالع أشجار النخيل متشابكة السعف والتي شاخت عمراً بحيث إنها علت حتى صارت كأنها تعانق السماء أنا نفسي مذ كنت طفلاً صغيراً و وعيت على الدنيا وجدت هذه النخلات بذات الارتفاع الشاهق رغم إن عمري اليوم قارب الأربعين ….
هناك على ضفاف نهر الروز القديم غرست فسائل واهنة بلا حياة فعاشت ونمت حتى صارت على ما هي عليه اليوم …….
مات نهر الروز الذي رويت من مائه وهي لا تزال حية ها هنا شامخة على أطلاله مات من غرسها اليوم وهي ها هنا تقف شامخة إلى الآن تزداد كل عام طولاً لوحة إعجاز رباني تطرح كل عام التمر والخير منذ عقود على الرغم أنه ما عادت تسقى الماء السواقي التي كانت تسقيها قديماً اليوم ماتت واندثرت بعد أن مات نهر الروز القديم الذي كان يغذيها لكنها رغم ذلك لا تزال تنبض بالحياة …
بين النخـــــــيل هناك أطلال لبيوت طينية للفلاحين الذين زرعوها عرفوا ولقبوا بـ (بيت الويسي) كانوا هنا بالأمس واليوم قد رحلوا وماتوا ولم يتبق سوى أطلال بيوتهم الطينية وهم من أخذ البستان تسميته التي تعارفنا على أطلاقه عليه منهم ” بستان الويسي” ….
شهدت هذه النخلات حياة وموت وسعادة وحزن أناس كثر سكنوا على ضفاف نهر الروز تحتها وجوه كثر مرت عليها لأناس غرسوها وسكنوا تحتها و شيدوا بين أروقتها بيوتاً وعاشوا في كنفها حتى رحلوا وصارت دورهم التي كانت عامرة يوماً ما اليوم أطلالاً شواهد قبورها تلك النخلات العتيدة وآخرين أكلوا من تمرها واحتموا بظلالها من حر الشمس ومطر الشتاء أجيال تعاقبت وهي باقية ملوك ورؤساء تعاقبوا على حكم البلد وهي باقية ثورات وحروب مرت نشبت وانتهت وهي باقية .
آذ أخبرني عمي البالغ من العمر سبعين عاماً وهو أكبر أبناء جدي رحمه الله عمراً أن البستان غرس في ثلاثينيات القرن المنصرم حسب ما سمعه من أبيه….
أنا نفسي أحس إن هذه النخلات لم تعد مجرد أشجار إنما صارت تاريخ لنا ولعائلتنا ولقريتنا بل أحياناً أشعر أن البستان هذا هو هويتنا رغم عدم مبالاة الباقين لهذا البستان في الوقت الحاضر .
أخذت أتمشى بين النخلات وأتفقدها الواحدة تلو الأخرى لم أحص عددها يوماً لكني اعرفها عن ظهر قلب من كثرة تجوالي فيها وعشقي لها فصرت قرب أحداها وكانت من بين النخلات الأعلى ارتفاعاً من بين بقية النخيل وضعت كفي الأيمن على جذعها وأخذت قطعة صغيرة من بقايا كرب جذعها المتكسرة بحجم الظفر ورحت أمضغه بين أسناني كي أتذوق ذلك الطــــعم الذي اعتدت مذ كنت صغيراً أن امضغ من جذعها كما أفعل الآن طعم لا يعرفه غيري على ما أضن كجزء من طقوس مجنونة افعلها في كل مرة ازور فيـــــــــها (بستان الويسي) فشعرت بذاك الطعم يحرك وجداني ويذكرني بأحداث مرت بيه في هذا البستان منذ أن كنت طفلاً حتى بلغت من العمر اليوم قرابة الأربعين عاماً .
حين ذاك عرفت أن ” نخلات ” بستان الويسي ” لم تعد مجرد نخلات صم شاخت عمراً بل صارت سفراً دونه التاريخ لعائلتي ولقريتي التي عشت وتربيت فيها ولي أنا بالذات حروفه خطت على جذوع تلك النخلات فخلدها الزمن .
حسام خوام ال يحيى- ديالى



















