اليوتوبيا ونظرة الإسلام السياسي – مقالات – احمد ابو ماجن

ahma

اليوتوبيا ونظرة الإسلام السياسي – مقالات – احمد ابو ماجن

اليوتوبيا المفهوم العالمي الذي تسيد المؤلفات في فترة ما كوجهة نظر حقيقية يراد بها سمو العالم والتقدم المطلوب والمنسجم مع طبيعة الحياة البشرية ، ولهذا لابد ان اخوض في غمار هذا المصطلح ومن أين جاء مصطلح «يوتوبيا» وما هي أنواع اليوتوبيات في التاريخ ، تشير دلالة مصطلح يوتوبيا (Utopia) إلى العديد من المفاهيم والمعاني المتعلقة بأحكام القيمة المطلقة والنسبية، ويشير المعنى العام إلى اليوتوبيا باعتبارها الحالة الصحيحة التي ينبغي أن يكون عليها الوضع السائد حالياً ؛ ويسود الفهم والاعتقاد بأن أصل كلمة يوتوبيا يعود إلى الفيلسوف الإغريقي أفلاطون، ولكن ما هو مؤكد وثابت أن الكاتب توماس مور هو أول من استخدم مصطلح يوتوبيا، الذي ورد عام 1515 في تسمية روايته المتعلقة بالجزيرة الخيالية.وعلى الرغم ذلك فهناك من يرى ارتباطاً بين مصطلح (Utopia الانكليزي، ومصطلحات الإغريقيين القدماء: مصطلح أوتوبوس (Ou-topos) ومعناه اللامكان، ومصطلح إيوتوبوس (eu-topos) والذي معناه مكان الخير والفضيلة. وقد ارتبط هذان المصطلحان الإغريقيان بكتاب «المدينة الفاضلة» الذي ألّفه الفيلسوف اليوناني أفلاطون، بحيث أصبح الكثيرون يربطون بين مضمون جمهورية أفلاطون، وفكرة اليوتوبيا ، وارتبطت اليوتوبيا بحركة الفكر الإنساني، وقد حاول الكثير من المفكرين والفلاسفة بناء اليوتوبيات، باعتبارها النموذج الأمثل الذي يجب أن تسعى الإنسانية إلى تحقيقه، ويمكن تقسيم هذه اليوتوبيات على النحو الآتي:

أولا – يوتوبيا الفلسفة: وتقوم على الافتراض الفلسفي الذي يستند على حركة الذهن التجريدية في عملية بناء النماذج الافتراضية، ومن أبرزها: جمهورية أفلاطون، دولة المدينة لأرسطو، والمدينة الفاضلة للفارابي.

ثانيا – يوتوبيا الدين: وتقوم على الربط بين الوسيلة والغاية، بحيث تكون طاعة الدين هي الوسيلة الإلهية الخالية، وتمثل فكرة (الجنة) اليوتوبيا الدينية التي يسعى إلى الوصول إليها كل المتدينين في هذا العالم.

ثالثا – اليوتوبيا الأيديولوجية: وتقوم على الربط بين الوسيلة والغاية، ولكن بشكل مادي، ومن أبرزها: (المجتمع الشيوعي) الذي بشرت به الأيديولوجية الماركسية، و(المجتمع الرأسمالي) الذي بشرت به الأيديولوجية الليبرالية.منذ زمن بعيد حلم الفلاسفة والحكماء والمصلحون، بمدينة خالية من الفقر والمرض والظلم..

مدينة يسود فيها الرخاء والصحة والكرامة.. هذه المدينة المتخيلة، اختاروا لها من الأسماء، اسم “المدينة الفاضلة” أو “اليوتوبيا”؛ وإلى يومنا هذا، يسعى الإنسان لإقامة هذه المدينة على أرض الواقع.   تزعم الحركات الإسلامية المعاصرة، منذ انطلاقتها، بداية القرن العشرين، قدرتها على تحقيق هذا الحلم، والسبب الذي يجعلها متأكدة من ذلك “أنها تسترشد في بناء تصورها للمجتمع والدولة بالنموذج النبوي ومن بعده النموذج الراشد (نسبة إلى الخلفاء الراشدين)”، على اعتباره النموذج الأكمل، الذي استطاع أن يحقق العدل والرخاء للمسلمين. ومنذ ذلك الحين، مافتئ قادتها يبشرون بهذه الدولة، والسعي إلى الوصول إلى سدة الحكم، إلا أن جل محاولاتها باءت بالفشل، مع بعض الاستثناءات القليلة، فبقيت خارج السلطة، تعارض سلطة الأنظمة الحاكمة التي استشعرت خطورتها على استمرارها، فعملت على محاصرة أنصارها، ومطاردة أعضائها، والزج بالعديد منهم في غياهب السجون، ووصل الأمر ببعضها إلى اغتيال بعض قادتها.بعد هذا التاريخ الطويل، والمخاضات التي عرفت على طول تاريخها المعاصر، ومع النجاحات التي حققت والإخفاقات التي راكمت، هاهي اليوم تسعى إلى تطبيق ما كانت تحلم به دائما، مع اختلاف المقاربات، نسختها أو لنقل تصورها للمدية الفاضلة. لقد منحها الربيع العربي أخيرا، فرصة تاريخية، أولا، في الوصول إلى سدة الحكم، وثانيا، في إمكانية تطبيق وصفتها لمداواة الأدواء الذي تنخر الجسم العربي، وتجعله عليلا لا يقوى على رفع التحديات الملقاة على كتفيه، سواء منها الداخلية، المتمثلة في تقويم الاختلالات  العميقة التي تحول دون تحقيق التنمية المستدامة، أو الخارجية، المتمثلة في حركة العولمة الشاملة التي تسعى إلى إقبار خصوصيتنا، وتنميط جميع أشكال الحياة الاجتماعية أو الثقافية وحتى الأخلاقية.لن اخوض في هذه الورقة، في الاعتراضات النظرية التي يمكن بلورتها حول تصورها للدولة والمجتمع المتضمنة في أدبياتها السياسية، بل سأحاول رصد خطابها الموجه للداخل أو الخارج، على اعتباره، مع قصر المدة التي تفصلنا عن بداية هذه التجربة، وعدم تبلور تصوراتها على أرض الواقع، المدخل الوحيد، لفهم الستراتيجية الدالة على مآلات الحكم تحث ظلها. حتى هذه اللحظة أبانت هذه الحركات، على قدرة كبير على التكيف مع وضعها الجديد كجالس على كرسي السلطة، مع بعض الانزلاقات التي تبدو مقبولة من طرف وافد جديد على المطبخ الداخلي للسلطة. ففيما يتعلق بخطابها الموجه إلى الخارج، فقد عملت على طمأنة الغرب على مصالحه، بل إنها أعلنت أنها أقدر، ليس فقط على حماية مصالحة، بل تمتين هذه المصالح، بنهجها لحكامة جيدة، بعيدا عن الأساليب المخلة بالمنافسة السليمة والشفافية التي كان يتبعها النظام السابق. أما في ما يتعلق بخطابها الموجه إلى الداخل، فإنها من جهة، تحاول مغازلة القطاعات المحافظة، المشتركة معها في المرجعية، ومن جهة أخرى، إعلان تشبثها بالديمقراطية والحرية، لطمأنة القطاعات الليبرالية، المتوجسة من إمكانية الردة، والسقوط من جديد في شكل آخر من أشكال الاستبداد ؛ وعلى العموم، يبقى خطابها مقبولا، و لا يدعو إلى الشك والريبة حول نواياها الدفينة، ما دامت تتشبث علانية بالمشروعية الديمقراطية في التداول على السلطة، رغم اعراضها على الديمقراطية كفلسفة للحكم؛ إلا أن إتقانها للعبة التواصل هذه، يبقى مفعولها محدودا، في ظل الإشكالات البنيوية العميقة التي تعاني منها دول الربيع العربي. فبعد النشوة التي استشعرتها عقب فوزها في الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية، نلاحظ من بين ملاحظين آخرين، أنها بدأت تعي بشكل أعمق، أن الإكراهات التي تواجهها، هي أكبر بكثير من الشعارات التي كانت تحمل. فإذا كانت هذه الشعارات، تصلح لتعبئة الأنصار والمتعاطفين، والفوز بالمقاعد والكراسي، فإنها لن تستطيع إطعام الأفواه الجائعة، وتشغيل الأيادي العاطلة عن العمل.  كما ان الأحزاب الاسلامية قاطبة كلها تسعى الى تحقيق الوجود من خلال يوتوبيا خاصة كيوتوبيا الاسلام السياسي الحاكم الان في معظم الدول العربية وخصوصا في العراق كونه البلد الاكثر تضررا من يوتوبيا الاسلام السياسي الذي يتمثل بالجهاد والعقيدة والجنة والنار والاحقية وغيرها من مسميات شائعة الان على الساحة والتي هي تعتبر وسائل مثمرة في جذب الذهون والتلاعب بها كي يتمكنوا من اثبات وتحقيق قاعدة ثابتة تمكنهم من حصد عدد لابأس به المناصب في الحكومة رغم الفشل المستمر الذي تقدمه الاحزاب ذات الهيمنة الاسلامية المزيفة.يبدو لي أن المشاكل التي ستعاني منها الحركات الإسلامية الحاكمة، لا تتعلق بخطابها السياسي بل بسلوكها الاقتصادي والاجتماعي، مع تنامي المطالب الشعبية بالعيش الكريم، وتفاقم الأزمة المالية التي تعاني منها اقتصادات بلدانها.. فكيف ستتلاءم سواء مع وضعها الجديد، أو مع المسؤوليات الملقاه عليها ؟؟ وهل ستحاول إعادة صياغة سقف طموحاتها، وبالتالي تغيير ملامح مشروعها المجتمعي، الذي سيؤثر لا محالة على نظريتها في الحكم، ليتناسب مع حجم الإكراهات المجتمعية التي تعبر عنها شرائح واسع من المجتمع، والمرتبطة بالشغل والصحة والتعليم، والمطالب السياسية التي يعبر عنها الفرقاء السياسيون، من الذين يختلفون معها في التصور؛ أم سيلجؤون إلى سياسة “الهروب إلى الأمام”، مع المزيد من التشدد والتعصب لليوتوبيا التي عمرت زمن طويلا في مخيال قادتها وأنصارها؟

  الجواب عن كل هذه الأسئلة، متروك للقادم من السنوات، لكن، ما نتمناه منها، أن تتفاعل مع التغيرات السارية في السياقات الداخلية أو الخارجية بشكل إيجابي، فرغم اختلافنا الجذري مع التصورات التي تحمل عن الذات والآخر، إلا أننا مع ذلك، لا نتمنى لها الإخفاق في تجربتها، لأن مستقبل أوطاننا في الأخير، هو أكبر من خلافات جميع الفرقاء السياسيين التي تصب كلها في مصالحهم الذاتية.