المسرح الملحمي الشعبي.. تعاز أسطورية

( تشابيه) السيد ناموك ..إنموذجاً

المسرح الملحمي الشعبي.. تعاز أسطورية

محمد ياسين الهاشمي

1-  تاريخ المسرح الملحمي الديني  :

اهتم المرحوم السيد ناموك السيد علي الهاشمي من زعماء السادة الهواشم في العراق كثيرا ً بالقضية الحسينية وإقامة ملحمة الطف في العاشر من محرم سنويا ً (عاشوراء) كرنفال اسطوري لكل من يعاني الظلم في العالم.

فمنذ اكثر من قرن اقام جدنا المرحوم السيد (ناموك) ( التعزية ) او ما تسمى التشابيه وهو من اوائل مؤسسي المنبر الحسيني في العمارة الذي يحيي فيه ذكرى واقعة كربلاء سنويا ً ولمدة عشرة ايام في كل عام هجري من اول شهر محرم للعاشر منه او ( عاشوراء ) وهو الوقت نفسه الذي استغرقته المعركة في كربلاء ، حيث يقوم الراوي او ( الروزخون ) وهو من رجال الدين المتمكنين ، يهيأ له منبر مغطى بقطعة قماش سوداء كبيرة ويجلس الناس من مختلف الاصناف في المضيف ، ويبدأ بسرد قصة وإحداث معركة الطف ومقتل الحسين – ع –  وأهل بيته الاطهار واصحابه الميامين ويستمر من الاول من محرم حتى ليلة العاشر منه ، تتخلل ذلك النواح وقراءة القصائد برثاء سيد الشهداء وأبي الفضل العباس وشهداء كربلاء .

  وخلال سرد الاحداث يروي القارئ فضائل اهل البيت والذين شاركوا في المعركة كما يقوم بدور تثقيفي توعوي  يتضمن الوصايا الاخلاقية والارشادات الدينية والتوجيهات الاجتماعية فالمجلس بهذا ديني تربوي تثقيفي يوجه نحو الاقتداء بسيرة الحسين – ع-  والاهتداء بنهج ثورته العظيمة ولهذه المناسبة قدسية كبيرة عند اهلنا ، وقد احياها جدنا المهاب السيد (ناموك) منذ سنين بعيدة – كما يرويها لنا اعمامنا وإباؤنا المعاصرين له والذين ساروا على منهجه حتى اليوم بأحيائها وبتطور وإبداع وتفان وبذل ذاتي رغم العقبات السياسية والضغوط والتعرض للأساليب القمعية من السلطات الحاكمة منذ عام 1936 وحتى اوائل الالفية الثانية.

2- عرض تاريخي لواقـعة كربلاء:  كان الاسلوب الذي تعرض فيه واقعة كربلاء هي قراءة المقتل ( لابن مخنف) في وقت مبكر من صباح يوم العاشر من محرم من قبل احد الرواة او القراء بصوت شجي ن يجسد الحدث المرسوم في اذهان الحاضرين فتلهبهم وتزيدهم التياعا ً وحرقة فينخرطون في بكاء ونحيب عاليين . يعاون القارئ بعض من اهلنا ابتداءا ً من السيد ناموك آنذاك ثم اعقبه ولده العم المرحوم السيد خلف يساعده السيد هاشم السيد حسوني ثم السيد طاهر السيد حمود وملا حسين الوهج والسيد اسحاق الجابري والشيخ خلف الخميساوي وبمرور الزمن وبعد وفاة الاباء والأعمام تولى السيد فاخر خلف قراءة المقتل وحاتم السيد ياسين ويتخلل ذلك ( اللطمية ) وهي ان يقرأ الرادود قصيدة بعد كل حدث بمشاركة الحاضرين اذ يرددون الشعر مع اللطم وهو على انواع مختلفة وكان اخي ( حاتم) وابن عمي عيسى خلف والشيخ عبد الحسين مشهورين بهذا الجانب وفي الثمانينات شارك السيد فاخر السيد فرج الجابري بالقراءة ثم ولده السيد حكيم بعد وفاته والسيد موسى خلف وعدنان الشرع  .

3- العرض المسرحي الملحمي ( الطقس الدرامي)  :-

 وبعد الانتهاء من قراءة المقتل يقام العرض المسرحي ( الطقس الدرامي )الذي يعرف ( بالتشابيه) وهو استحضار فني حزين مؤثر لواقعة الطف ، اذ يقوم المشاركون وهم من السادة الهواشم وبعض الاصدقاء بعرض  مسرحي  لواقعة كربلاء يمثل جوانب مهمة منها يبدأ الطقس الدرامي ( التشابيه) بقافلة الحسين –ع- وعائلته في موكب مهيب تصاحبه الرايات الملونة الكبيرة والهوادج ، وترديد الشعر والنواح وضرب الطبول والموسيقى الحزينة مما يؤدي الى خلق جو طقوس مثير ومعها الجمهور الذي سيشاهد ( التشابيه) متجهين نحو الساحة المخصصة للعرض ، معبرين عن المسيرة الحسينية من المدينة الى كربلاء ، يصطفون مع الجماهير المحتشدة على جوانب الساحة المربعة الشكل بأعداد غفيرة من النساء والرجال وفي وسطها يتم التمثيل بدون خشبة مسرح ويعتمد على الحركة الواقعية العامة والتراتيل والنواح مما يخلق ( ميزانتسينا) خاصا ً يميز طقس التعزية بالذات وذلك بالتركيز على بطولة الحسين –ع-  وأنصاره وجبن اعدائه ..وفي جانب من الساحة يهيأ النهر وعلى ضفافه النخيلات والذي يصل ابو الفضل العباس اليه مخترقا ً جيش العدو حاملا ً القربة كمدلول ورمز للعطش وحرمان الحسين –ع-  وعائلته واصحابه من شرب الماء .

4- اخراج العرض المسرحي تراجيديا:

ينقسم الممثلون الى مجموعتين : جيش الامام الحسين –ع- وأهل بيته وأصحابه الذين يلبسون الملابس الخضراء والبيضاء والعمامة يقفون قرب خيامهم والجيش الاموي براياتهم الحمراء وملابسم الملونة قبالتهم . وتقف النساء امام الخيمة يرددن النواح لإثارة الجمهور وجدانيا ً  وعندما يبقى الحسين –ع- وحيدا ً يقاتل القوم حتى يستشهد فتحرق الخيام ويرفع رأسه الشريف ورؤوس اهل بيته وأصحابه على الرماح وتسبى عائلته على الابل يتقدمهم جنود برماح على اسنتها رؤوس مقطوعة الى ابن زياد ومن ثم الى الطاغية يزيد في الشام وكانت السيدة زينب البطلة رسولة الاسرى .

   من كل ذلك نستنتج ( ان التكتيك المسرحي لعرض التشابيه يعتبر طقسا ً دراميا ً تراجيديا ً )يعتمد الخطب والشعر والنواح والندب .

5-  تطوير ساحة العرض:

يتم التمثيل في ساحة كبيرة مفتوحة حتى عام 2004 اما في السنوات التي تلتها – وبعد سقوط النظام التعسفي –  فقد سُيّجت الساحة بأسلاكٍ شائكة مربوطة بأعمدة حديدية منعاً للتزاحم ولأسباب تنظيمية وأمنية. ومنذ سقوط النظام وحتى اليوم تساهم السلطات الأمنية المحلية من الجيش والشرطة ورجال الأمن في تأمين السلامة الأمنية.

6- المُشاركة الجماهيرية الوجدانية:

 يتجمهر الناس القادمون من مدينة العمارة واطرافها أو من النواحي والأقضية والمناطق الريفية بأعداد كبيرة جداً ,وكثيرا ما كان الناس يتعاطفون مع الشاهد التمثيلية بالبُكاء.

يقوم الممثلون بإداء أدوارهم الخاصة بهم من خلال سرد الحوار الذي كتبه التاريخ عن هذه الواقعة الأليمة ومن خلال شخصياتها الواقعية كما حدثت في حينها.وأهم المراجع التاريخية المُعتمدة هو مقتل (أبن مُحنف).

  إن (التشابيّه)الحُسينية التي تُقدم في العاشر من مُحرم ضمن الشعائر الدينية التي أرسى جذورها السيد(ناموك)تُعمق معنى النهضة الحُسينية ومبادئها في نفوس المشاهدين لها,وتبقى صورة الحادثة ماثلة أمام الناس فمعركة الطَف من خِلال هذهِ (التشابيّه)تُمسَرح بشكل احتفالي ضخم يصل أحياناً إلى تجسيد المأساة بكل التفاصيل,فهناك ساحة القتال والفريقان المتحاربان في جانب الحُسين_ع_ وأهل بيتهِ وأصحابه ,وفي الجانب الاخر جنود يزيد بقيادة(عمرو بن سعد)وعلى محيط ساحة الحدث تحتشد الجماهير فتلاحظ الحزن والتأثر على وجوه الحاضرين.  يركب المؤدون للأدوار,الخيول ويحملون الرايات المختلفة الألوان والسيوف ويسيرون في موكب عزائي ترافقهم الطبول والأبواق حتى ينتهي هذا العزاء بذكر مُصاب هذهِ الشخصية التاريخية العظيمة,التي يؤدون دورها على مسامع الحاضرين وأمام أنظارهم لينتهي الموكب بذكر الأشعار وعزاء اللطم التي تؤبن شخصية الحُسين المُقدسة.

7-شخصيات الممثلين ومواصفاتهم:

 كان عمي المرحوم (سيد خلف)الذي أعقب والده السيد(ناموك)يُمثل دور الحُسين_ع_ ويُمثل العباس_ع_ أبن أخيه السيد هاشم السيد حسوني,وهما شخصيتان دينيتان مشهود لهما بالنزاهة والتقوى وجمال الجسم ويشاركهُ شخصيات من السادة الهواشم ومن الأصدقاء من المجر الصغيرسابقاً-والميمونة حالياً حيث كانت القرية قريبة من الناحية أنذاك ,وبعد وفاتهما مَثل دور الحُسين_ع_ فاخر السيد خلف ,والعباس_ع_ حاتم السيد ياسين,ومن ثم عيسى السيد خلف وتعاقبت الأدوار وبمرور الأيام والسنين حتى ألت لأولادهم واحفادهم فقام(حسين علي فاخر)بدور الحُسين_ع_وأخوه (تحسين) بدور العباس_ع_ وهما مؤهلان لهذين الدورين من الناحية البدنية والدينية.أما الشخصيات الأخرى فقد أُنيطت للسادة الهواشم ومن أخواننا البهادل وهم:محمد علي فاخر ومهند حميد وعقيل عيسى وجواد كاظم وابراهيم مهدي وأما من يُمثل (عمرو بن سعد)فكان محمد خلف وكريم علاوي ونور ياسين ورعد محمد وغالباً ما يُلاقي من يُمثل الشمر وعمرو بن سعد أذى من الجمهور حيث يرمونهم بالحجارة ويشتمونهم.

8- موقف السلطات الظالمة من المسرح الملحمي:

 لقد حافظ الأبناء والأحفاد على إقامة هذه الشعائر الحُسينية وأبدعوا في تطويرها رغم الصعوبات ومنع السلطات الرسمية القمعية لها والتي أستمرت من عام 1936 حتى وصلت ذروتها عام 1986 حيث سجنت (محكمة الثورة) كلاً من فاخر السيد خلف وولدهِ علي وحفيده الأستاذ محمد وعمهم السيد طاهر السيد حمود والقاريء فاخر سيد فرج الجابري سبع سنوات في سجن (أبو غريب) لإقامتهم الشعائر الحُسينية كما تم إعتقال أبناء عمهم واخوتهم كل من السيد محمد ياسين والسيد موسى السيد خلف تسعة أشهر بحضورهم الطقوس الدينية لكنهم أستمروا على إقامتها حتى اليوم بعد زوال النظام الظالم . وطوروها بشكل يليق بالمناسبة وبنفقات وجهدٍ ذاتي يشاركهم اقارب وفتية طيبون امثال الدكتور محمد كاظم واخيه المهندس حسين كاظم الذي يقرأ المقتل عن(ظهر قلب)فيشاركان في التنظيم والإخراج الفني والروائي .

  كما يساهم الأخ حسن منصور البديري في إعداد الساحة والمشاركة الفعالة في الترتيب وتهيئة المستلزمات المطلوبة للعمل الدرامي.

9-خاتمة العرض المسرحي:

من العادات التي تقام في تلك المناسبة الشريفة طبخ الاكلات المشهورة ذات النكهة الطيبة والمذاق الخاص ، ويحرص الكثير من المواطنين على تذوق ذلك الطعام يوم العاشر ويتم توزيعها على الناس بعد الانتهاء من اداء (التشابيه) كالتمن والقيمة والهريسة حيث تنحر الذبائح( الخرفان والثيران ) وبأموال ذاتية . ومن العادات التي اتذكرها ولا تزال معتمدة ، لبس الملابس السوداء وعدم اظهار الزينة ورفع الاعلام الخضراء والسوداء فوق المضيف والبيوت إظهارا ً للحزن وتعبيرا ً عنه وتقام المأتم النسوية تحضرها (الملاية ) في البيوت العائلية كما توزع خلال الليالي العشر وأيامها الشاي والدراسين والسيكاير على الحاضرين .

9-ذكرياتي عن المسرح الملحمي :

لا انس مشاركتي وإخوتي وأولاد عمي  وبعض من اقاربنا في تلك المناسبة فكان دورنا عندما كنا صغاراً(اطفال الحسين)نلبس الجبب الخضراء والعمائم على رؤوسنا ، نصرخ وننادي بأسى والم : العطش العطش يا جداه .. يا حسين .

  بعد الانتهاء من الطقوس الدينية واستشهاد الامام الحسين –ع-  وأهل بيته يدخل الجمهور نساء ورجالا ًالساحة بصورة انفعالية حادة من البكاء والنواح يلطمون الصدور ويصرخون ويرفعون التراب من تحت ارجل الحسين وأصحابه ويأخذوه للتبرك . وتمر النساء من تحت جواد الحسين الابيض الذي يبقى يدور في الساحة ويأخذن التراب من ارض المعركة يطلبن تحـــقيق الامال والنذوذ.

10- وتتجدد الذكرى :

 ان لذلك الطقس الديني والتراجيدي والدرامي (للتشابيه ) جوا ً خاصا ً يتميز عن اي طقس اخر باستــــــخدام السيوف والرماح والرايات والألوان المميزة للطقس والموسيقى الصاخبة الحزينة فيكون الجو مشحونا ً بالقيم التعبيرية بحيث ينتقل من جوه الديني الى الاجواء الدرامية .

 ولقد بقي نور المجالس الحسينية وهاجا ً يتجدد كل عام ينير مجالس السادة الهواشم وحسينياتهم من بعد جدهم السيد (ناموك) خلال شهري محرم وصفر وبعد زوال الظـــــــــلم والظالمين والحمد لله رب العالمين .