المتاهة

قصة قصيرة       (1)

المتاهة

خرج آزاد من داره وهو في ثورة غضب.. انه في العقد الرابع من العمر.. من طبعه هادئ لا يثور الا اذا كان الامر قد تجاوز حدوده المعقولة.. وتعود ان يتمشى عندما يشعر بالغضب الا ان تهدأ ثورته.. وهو يحاول ان يفكر بحل لمشكلته التي يواجهها مع زوجته اقبال تلك المرأة التي احبها وعشقها وكانت بينهما قصة حب كبيرة ونجح في الزواج منها ودامت علاقته معها لاكثر من خمس سنوات وقد مضى على زواجهما خمسة عشر عاما..

كانت حياتهما مستقرة هادئة مليئة بالحب والحنان ورغم العواصف التي مرت بهم والمصائب الكثيرة.. وتعرضه للخسارة لاكثر من مرة في تجارته الا انه بقي صامدا واقبال تمده بالقوة والعزيمة حتى ينهض من جديد..

كان آزاد يرى فيها كل حياته فهي له الماضي والحاضر والمستقبل.. وحبه لها فوق كل حب واكبر من كل معقول.. كان اذا خرج للعمل شده الشوق لها.. فما ان ينتهي من عمله حتى عاد الى البيت مسرعا.. وما دام معها في البيت لا تفارقها عيناه.. كان يتغنى ويحلم بجمالها.. فعشق كل شيء فيها.. وكانت هوايته الوحيدة هو شراء الثياب لها بكل اشكالها مما يظهر من خلالها جمالها الفتان المثير.. وكانت اقبال موظفة حريصة على اناقتها ولكن بكل احتشام لا تحادث احدا الا اذا استوجب الامر ذلك.. كما كانت محبوبة من الجميع لطيبتها واخلاقها العالية.. الا انها لم تتخذ لها صديقة لانها تعرف ان آزاد لا يرغب في ذلك.. الا ان علاقتهما الزوجية خلال السنتين الأخيرتين قد اصابها بعض الفتور ولم يستطع آزاد ان يعرف السبب.. مع انه كان حريص كل الحرص على ديمومة ذلك الحب.. ولقد حاول جاهدا ان يصل الى حقيقة الأمر والوقوف على الخلل الا انه لم يتمكن من ذلك.. في الوقت الذي تؤكد فيه اقبال انه ليس هناك اي خلل في علاقتهما الا ان ازاد كان يناقشها بالأمر ويشرح لها ما يدفعه الى التذمر هو برودها العاطفي وعدم مشاركته في عواطفه.. وتبقى دائما حاضرة معه بجسدها دون عواطفها.. وهذا لم يكن من عادتها في يوم من الايام.. عاد ازاد الى البيت وهو اكثر هدوءا.. وكان قد حمل معه هدية الى زوجته الحبيبة.. فاستقبلته هي ببشاشة وكانت قد عمدت ان تبدو كالعروسة له.. وما ان شاهدها على هذه الحالة حتى خفق قلبه.. فكان منذ امد بعيد لم يرها على هذه الصورة وقالت: لقد اشغلتني عنك.. لقد تأخرت كثيرا.. فأجابها: آسف كنت اتمشى قليلا.. فقالت وهي تضحك: وهل مازلت غاضبا مني.. فقال: لا عليك.. لقد تحادثنا بهذا الموضوع وارجو ان ننتهي منه.. فقالت: مع اني لا ارى هناك اي موضوع فتأكد اني حريصة على رضاك.. فقال: هذا ما ارجو.. فقالت: استبدل ثيابك ريثما اجهز العشاء..

ونهض واتجهت صوب المطبخ وجهزت العشاء على مائدة الطعام.. وجلست بانتظاره فعاد ومعه الهدية التي ابتاعها لها. وقال: حتى تثبتي لي ان ليس هناك اي موضوع.. اريدك ان تثبتي لي ذلك.. وخاصة واني جلبت هذه الهدية بهذه المناسبة فقالت ضاحكة: اهي هدية الصلح.. فقالت: لتكن كذلك.. وجلس امامها لتناول العشاء.. وهما يتحادثان ويضحكان ورغم كل ذلك ان قلبه غير مطمئن لما يجري ومؤمن ايمانا تاما بانها قد تغيرت من ناحيته وعاطفتها اتجاهه ناقصة.. وما ان انتهى العشاء حتى دخلت غرفة نومهما وارتدت القميص الذي كان هديته لها وكان جميلا زاهيا بألوانه ويكشف مفاتنها بشكل كبير وكان آزاد يحادث نفسه ويتعجب من هذا التغيير فيها.. فأنها منذ امد بعيد لم تهتم لامرها بهذا الشكل ولعل خلافه معها قد اثمر واحست انها قد قصدت بحقه كزوجة ومحبة.. وتمنى ان يكون هذا اليوم هو نهاية متاعبه بهذا الشأن ويبدأ معها بداية جديدة بعيدا عن المنغصات.. وفي غرفة نومها وعلى سريرها حاولت اقبال بكل جهودها ان تسايره في عواطفه حتى يطمئن قلبه.. الا انه كان يرى ان ما تفعله اقبال هو تمثيل وكأنها تؤدي دورا مطلوبا منها ولم يشعر بشيء من عطائنا.. من عواطفها.. وكان يبادلها مشاعر الحب بصدق وشفافية الا انه وجد ان عواطفه ايضا قد انتقلت لها العدوى وباتت هي الاخرى رغم كبرها الا انها لم تصل الى الذروة.. وكانت اقبال تبذل جهودا كبيرة من اجل احتواء هذه المشكلة التي يعاني منها زوجها والتي خلقت لها العديد من المشاكل.. وكانت تشعر ان آزاد متحسس بعض الشيء وانعكس ذلك على عواطفه.. اعتبر آزاد انها البداية لنهاية مشكلتهما ولابد ان يصبر قليلا عليها حتى تتجاوز هذه المحنة كما كان يراها.. مرت الايام متلاحقة الا انه رغم المحاولات الكثيرة للخروج من هذه المشكلة قد باءت بالفشل وكانت اقبال رغم عطائها ورغم اهتمامها ظلت تراوح في مكانها لا من جديد طرأ عليها.. ولم تستطع ان تقنع زوجها بحقيقة عواطفها.. بينما آزاد ذهب ليراجع تصرفاته معها عسى ولعل يجد الخلل في نفسه الا انه لم يجد ما يجعلها تنفر منه وتبتعد عنه بعواطفها.. وقد ساورته الشكوك بان لابد وان يكون هناك دخيلا في حياة اقبال وهو السبب في كل هذا الجفاء ثم راح يرشح الاشخاص الذين يمكن ان يكون احدهم هو الدخيل من الموظفين معها في الدائرة.. ورشح احمد الموظف معها والذي يشاركها نفس الغرفة من ان يكون هو الذي دخل حياتها ولاسيما انه لايزال اعزب ولديه من المؤهلات ما يجعل اية واحدة تتمناه..

وقرر آزاد ان يزورها في الدائرة ليأخذ فكرة عما ساوره من شكوك.. وتفاجأت اقبال بحضوره الى دائرتها والمرار عليها فلم يسبق له ان فعل ذلك كما لم يشاهده احد من زملائها او زميلاتها.. وتعمد آزاد ان يكون في قمة اناقته واستقبلته ببشاشة وترحاب حار وقدمته بزملائها ورحبوا به من جانبهم.. وجلس الى جوارها في غرفتها ووجد في الغرفة موظفتين اضافة الى زوجته وان الموظف احمد هو مسؤول القسم.. والوحيد من الذكور في الغرفة ووجده هادئا وجادا في تعامله مع الآخرين.. وكان آزاد يختلس النظر ليرى احمد بشكل جيد ويرى حركاته.. كما كان ينظر الجميع في الغرفة ولم يجد في تصرفاتهم ما يؤكد ظنونه كما وجد ان اقبال قد تصرفت بشكل طبيعي في حضوره وكان قد طلب منها ان تخرج معه لتناول الغداء في احد المطاعم.. وانه قرر ذلك عندما وجد نفسه قريبا من دائتها.. وما كان منها الا ان تشكره وتؤكد له انه فعل خيرا لانها جائعة فعلا وكان الدوام على وشك الانتهاء.. فأستأذنت من احمد باعتباره مسؤول القسم وخرجت برفقته وفي المطعم واجوائه الرومانسية كانت اقبال ترى ان زوجها هناك ما يقلقه وما يريد الحديث عنه.. وبادرته هي السؤال: آزاد هل هناك ما يشغلك ويجعلك قلقا الى درجة ان ذلك واضحا عليك؟ فأجابها: ها.. لا شيء مهم.. فقالت: لا انا اراه مهما والا ما اقلقك الى هذه الدرجة.. فضحك وقال لها: الا يكفي خمسة عشر عاما من الزواج لا أعرف ما انت عليه.. فقال: اقبال انا لا اريد ان اتحدث عن الامر فليس هناك من فائدة فقالت: تحدث بأي شيء تريد فأنا اريد ان اعرف حقيقة ما يجول في خاطرك.. فقال وهو حائر: الا تعتقدي ان حديثي فيه شيء اغاضتك.. فقالت: مهما يكن فأريد ان اسمع منك.. فقال لها: اقبال نحن تحدثنا كثيرا عن موضوع علاقتنا وما اصابها من فتور.. وان ذلك يؤلمني وانا اجدك بعيدة عني بقلبك وعواطفك وبالرغم من محاولاتك بالخلاص من هذه المشكلة واظهار تلك العواطف لي الا اني احس بانها ناقصة وانك ما زلت بعيدة عني..

محمد عباس اللامي – بغداد