الماء يمنعني من الكتابة – مقالات – ثامر مراد

thamer

الماء يمنعني من الكتابة – مقالات – ثامر مراد

في الشتاء والربيع كانت نشاطاتي الكتابية تسير على قدم وساق وأشعر بلذة لاتعادلها لذة كلما شرعت بكتابة أي موضوع . من خلال الكتابة عن أي شيء أشعر أنني إنسان يخاطب الواقع والخيال الى مسافات ليس لها مساحة محددة. في عالم الكتابة تتلاشى كل الفوارق الطبقية وأشعر أنني أنتمي الى عالم فريد لاينتمي إليه كل من يفكر بالمال أو الجاه أو السلطة. عالم خاص أنتمي إليه بكل متعنيه هذه الكلمة من معنى. أنسى همومي الشخصية والعامة التي تتعلق بفساد الطبقات المختلفة في هذا البلد المجروح من أقصاه الى أقصاه. في الصيف أشعر أنني عبد الى شيء آخر يجرني الى عالم من واقع مرير يمزق كل جزء من أجزاء هذا الجسد المرهق . رحلة البحث عن الماء تكاد تسلخني من هذا المجتمع وتحيلني الى آلة لاتتوقف عن القيام بأجراءات مختلفة أغلب ساعات الليل والنهار . المنطقة التي أسكن فيها منطقة منكوبة – بحسب رايي الشخصي- لأننا لانرى الماء على طول إمتداد ساعات النهار والساعات القريبة من الليل. يبدأ صنبور الماء بالجريان بعد الساعة الثانية عشرة ليلا- بأستخدام مضخة الماء – الماطور الذي نطلق عليه – الحرامي- ولولا هذا الحرامي الشريف لما دخل الماء الى منزلنا مطلقا طيلة فترة الصيف. الغريب في ألأمر أن أحد الأصدقاء المقربين نصحني بشراء – ماطور ماء برلماني- وحينما فتحتُ عيناي من شدة التعجب لهذه التسمية الغريبة أطلق ضحكة جلجلت في الفضاء الفسيح وهو يقول ” البرلماني هو تسمية جديدة لماطورات الماء القوية لأنها تشفط كل شيء من الماء المتوفر في ألأنابيب البعيدة ..والبرلماني يشفط كل شيء عن طريق ألأمتيازات العملاقة التي يحصل عليها من خلال وظيفته التي لاتقدم أي خدمة للبلد سوى شفط ألأموال. لم أهتم لكلام صديقي وإشتريت – ماطور حرامي وليس برلمانيا لأنني لاأملك ثمن الماطور البرلماني وإكتفيت بالحرامي الذي يقدم لي الماء بعد منتصف الليل. بدأ الماء يرهقني ويمنعني من الكتابة وهذه واقعة حقيقية أعيشها في الزمن الصيفي الملتهب. كل يوم أقضي وقت طويل قرب الماطور الحرامي من الساعة الحادية عشرة ليلا الى مابعد صلاة الفجر أحاول تشغيله وملء خزانات الماء الستة في البيت. أي تقاعس أو تماهل من قبلي يجعل بيتنا خاويا من الماء كأنه صحراء جرداء تشكو العطش طيلة ذلك اليوم. بعد إمتلاء الخزانات أجد نفسي مرهقاً أشد ألأرهاق لدرجة أنني لاأستطيع تحريك مفصل من مفاصل جسدي. كلما حاولت ألأقتراب من فكرة لكتابتها أجد أن ألأرهاق يمنعني من تسطير كلمة واحدة. كل شيء في بلدي أصبح يرمز للتعب وألأرهاق. الظروف ألأقتصادية التي يعيشها أؤلئك الذين ينتمون الى فئتي المرهقة يتحسرون على أبسط ألأشياء التي يحلم بها ألأنسان . الزمن يسير كالصاروخ وأحلامنا ليس لها حدود وعجلة الدمار تهيمن على كل شيء. أنا لاأعرف لماذا يتفاوت ألأنسان في معيشته وهو ينتمي الى نفس البلد ؟ هناك فئة تسبح في بحر من الدولارات ولم يقدموا أي شيء سوى أنهم ينتمون الى طبقة خاصة من الناس شاء القدر أن وضعهم في مجتمع سلطوي وراحوا يتزاحمون على تكديس الملايين دون الأنتباه الى الفئات المسحوقة. ربما يقول قائل – إعمل تحصل على الشيء الكثير- ولكن أين هو العمل وكيف يستطيع ألأنسان الحصول علية وجميع الطرق مغلقة في وجه البؤساء ولن تحصل على عمل ما لم يكن لديك حزب أو – واسطة- تستطيع من خلالها تحقيق ماترمي إليه. مسكين هذا الشعب بكل طوائفه ومسكين هذا البلد الذي تكالبت عليه ذئاب من كافة ألأتجاهات…ومسكين من لم تكن لديه – محاباة- لدى جهة معينة.