العشيرة مرة أخرى – محمد عدنان علي الزبر

لماذا الدعوة لدولة مدنية؟

العشيرة مرة أخرى – محمد عدنان علي الزبر

لرب سائل يسئل عن حق لماذا هذا الاصرار نحو تأكيد على ضرورة التأسيس لدولة مدنية لا يحكمها غير القانون، والقارئ قد يكون على حق في تساؤله اذا ما سئل لماذا هذا التكرار والتأكيد من قبل صاحب هذه السطور للمطالبة في التأسيس لدولة مدنية. كثيرٌ منا دَرس أو يُدرس أو لايزال يدرُس القانون، أو هو مطلع عليه على أقل تقدير، فمن خلال دراسة ادبيات القانون وجدنا أن هناك بونا شاسعا جدا ما بين ما تسطره الكتب والبحوث العلمية القانونية من جانب، وبين ما يفرضه الواقع من جانب اخر، وهذا البون وَلَدَ لدينا نوعا من الازدواجية وأضعف ثقة المواطن قبل رجل القانون بمبادئ وأحكام القانون حتى صار سائدا أن ليس كل ما يُدرس هو الواقع، وليس كل ما يأمر به القانون ينبغي طاعته، ولعل ذلك في مجتمعنا فحسب أو بعض الدول التي لازالت القبيلة هي من تحكمه، فسنوات الدراسة الجامعية الغاية منها هو اعداد الطالب ليواجه الحياة العملية ويكون مستعدا بما توفرت لديه من خبرة علمية في تسخيرها في ممارسة اختصاصه، وكثيرا ما نُحرج امام طلبتنا الاعزاء عندما يتساءلون هل ما ندرسه الان سنلقاه غدا عند الممارسة، في مجتمع تحكمه العشيرة بدل الدولة، وتغلبه العلاقة بدل المؤسسة، وهذا ما يدفعنا الى إعادة النظر في طرق معالجتنا لظواهرنا الاجتماعية ومعالجتها بما ينسجم مع الواقع وذلك لا يتحقق إلا بتدخل تشريعي وبنظرية علمية متماسكة تتماشى مع واقع المجتمع العراقي لكي تدفع بعجلة التغيير نحو دولة لا يحكمها إلا قانون الدولة وذلك لا يأتي بكثرة الشعارات وإنما بمنهجية تمزج في طياتها الطموح والواقع الاجتماعي، مع الاخذ بعين الاعتبار تجارب الامم الاخرى التي لها من واقعها الاجتماعي ما لدينا وسعت فنجحت نحو بناء الدولة المدنية. وفيما يتعلق بعلاقة العشيرة كقوى فاعلة في المجتمع مع الدولة، ونحن نقر بأننا مجتمع عشائري، ونؤكد على ضرورة تفعيل التحكيم العشائري وبتنظيم قانوني وإشراف قضائي لأسباب سبق وان سقناها في مقالنا السابق والموسوم: التحكيم العشائري والتأسيس لدولة مدنية والمنشور في جريدة الزمان، في احدى اعدادها.

 ولكن هناك بعض الملاحظات ينبغي التأكيد عليها لتتضح الصورة لدى القارئ الكريم:

1- لا يمكن التأسيس لدولة القانون إلا بعد استئثار تنظيم العلاقات الاجتماعية بيد السلطة الوضعية، بما فيها فض المنازعات ما بين افراد المجتمع، واذا ما مُنحت صلاحيات لجهات أخرى كالعشيرة فينبغي أن يكون بنص قانوني يجيز ذلك وينظمه في ذات الوقت، كما نص على ذلك قانون المرافعات العراقي والذي أجاز التحكيم، والوساطة الجزائية التي نظمته بعض التشريعات المقارنة، ولكن كما نلاحظ ان هذه التشريعات لم تترك الحبل على الغارب وانما قيدته بقيود بعضها موضوعية واخرى اجرائية، وفي العراق ينبغي أن يكون التحكيم بإشراف قضائي، والوساطة الجزائية في التشريعات المقارنة ينبغي أن يتم بإشراف قضائي وفي جرائم محددة عادة ما تكون البسيطة منها، وهنا يُثار التساؤل التالي هل تُراعي العشيرة او غيرها عند فض النزاع الاجتماعي هذه القيود القانونية، وهل شاهدنا بحياتنا ان شيخ عشيرة وهو جالس في “المضيف”، يفتتح الجلسة بمراعاة النصوص القانونية التي وردت في قانون المرافعات العراقي والتي تجيز له ممارسة هذا الاختصاص!!، بالتأكيد لو فعل الشيخ ذلك لأصبح مهزلة عصره، نظرا لأن الشعور الا ارادي لدى المجتمع العراقي يستهجن الاستعانة بالقانون عندما يحتكم الى العشيرة، والعشيرة عندما تحكم، تحكم بما تفرضه السانية أو السنينة وليس لها علاقة بما يفرضه القانون؟.

مراعاة قانون

2- ولو افترضنا ان العشيرة وغيرها من الجهات المعنية بفض المنازعات لا حاجة بأن تُراعي القانون مادام انها تحقق غاية سامية تتمثل في فض المنازعات الاجتماعية، وكما تعلمون ان القانون عموما يتكون من قواعد قانونية مكملة أو مفسرة يجوز الاتفاق على خلافها، وقواعد قانونية آمرة لا يجوز الاتفاق على خلافها واي اتفاق يحصل فهو باطل لاعتبارات تتعلق بمصلحة المجتمع والفرد، فهل تُراعي العشيرة هذه القواعد ولا تخالفها، أم ان للعشيرة قانونها الخاص ولا تعتد اصلا بقواعد القانون الآمر منها او المكمل؟!.

3- هناك مبدأ لا جريمة ولا عقوبة الا بنص درسناه حتى أتخمت أسماعنا منه، والجلوة على سبيل المثال كعقوبة تفرضها العشيرة على الجاني وأهله، وبموجبه نتساءل، هل ورد في تنظيمها نص قانوني، واذا كان (لا) وهو بالتأكيد (لا)، اذن علينا أن نتساءل كما يجوز لنا أن نفرض عقوبات لم ينظمها القانون وأين اذن مبدأ لاجريمة ولاعقوبة إلابنص قانوني!!، اذن علينا ان نعدل المادة 19 من الدستور والمادة 1 من قانون العقوبات لتكون بالشكل التالي: (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني أو ما تفرضه الاعراف العشائرية من أحكام)، ليكون منسجما مع الواقع الذي نحن فيه، وإلا علينا كرجال قانون أن نضع مبادئ قانونية غير التي ندرسها الان لتتفق مع الواقع ولكي لا يكون هناك تفاوت كبير ما بين مانحن فيه ومانحن ندرسه من أحكام ومبادئ قانونية.

4- هناك مبدأ أخر وهو “مبدأ شخصية العقوبة”، وهنا يُثار التساؤل التالي هل تراعي الاعراف العشائرية هذا المبدأ، أم ان كل من ينتمي للجاني من قرابة هو مُعرض للقصاص والانتقام ليس لذنب سوى انه يرتبط بنسب مع الجاني ولربما يُقتل هو ويترك الجاني يجول ويمرح، وفي اطار الحديث عن الجلوة التي أشرنا اليها، اذا كنا نتفق مع اجلاء الجاني من المنطقة التي هو فيها كعقوبة اجتماعية لم ينص القانون عليها علينا أن نتسائل، ما ذنب أهله أو من يرتبط معه بنسب كأخوته أو ابناء عمومته من أن يغادروا الدار الذين انفقوا الغالي والنفيس للحصول عليه ليس لذنب سوى انهم ينتمون بالنسب مع الجاني.

تحقيق السلم

5- لاشك بأن العشيرة تؤدي دورا مهما جدا في تحقيق السلم والامن الاجتماعي في مجتمعاتنا ولا يمكن ان ننكرها بليلة او ضحاها في الوقت ونحن مجتمع عشائري ينتمي لوسط عشائري ونساهم بطريقة او اخرى في فض المنازعات الاجتماعية لتحقيق ذلك السلم والامن الاجتماعي، ولكن ما ينبغي التأكيد عليه هو ينبغي تهذيب هذه الممارسة _وفي المستقبل البعيد وليس القريب لأنه غير ممكن في ظل ضعف الدولة_ واضفاء الوصف القانوني عليها وتنظيمها وبإشراف قضائي حتى لا يتم التعسف في فرض الاحكام والتي تخالف مبادئ وقيما قانونية جوهرية لا يمكن للمجتمع ان يستقيم بدونها، وحتى لا تتحول الى شريعة الغاب كما يحصل الان في العديد من مناطق الجنوب، وهذا هو جل ما ندعو له لا غير فنحن لا ننكر دور العشيرة ولكن ندعو الى تنظيم هذه الممارسة اذا ما أردنا ان نؤسس فعلا وليس مجرد شعارات لدولة مدنية أو لدولة القانون، وكل ذلك يتطلب الحكمة والفطنة والنباهة التي ينبغي أن يتسلح بها المُشرع لبناء خطوات جادة وفاعلة نحو بناء تلك الدولة.