العرداوي وكتابه الله بالخير في جزئه الثاني

448

مزيج من التراث والأدب الشعبي

العرداوي وكتابه الله بالخير في جزئه الثاني

فلاح المرسومي

وأنا أقرأ في الجزء الثاني من كتاب  الباحث والشاعر والصحفي عادل العرداوي  لمست بجد هوسه  بالأدب  شعر وتراث ومأثورات شعبية في ما ضمّنه  من مقالات وكذلك في اختياره لعنوان الكتاب الذي جاء  بعبارة من موروث جميل  يحيّ بها بعضهم بعضاً  ” الله بالخير ” والذي أصدر الجزء الأول منه عام 2015 بعنوان ” الله بالخير . . وقفات على ضفاف التراث والأدب الشعبي العراقي ” والذي ضم 220 صفحة ،   وها هو اليوم ومع بداية عامنا هذا 2019 أصدر جزءه الثاني ب 220 صفحة أيضاً وقد تضمن الكتاب بجزئيه  أعمدته الصحفية التي كتبها ونشرت في عدة صحف عراقية ولا زال مواظباً على كتابتها  وهي التي يتناول فيها الكثير من القضايا والهموم والوقائع القريبة من التراث والأدب الشعبي وموروثاته  الغنيّة والتي تحظى  بقبول واسع من لدن القراء والمتابعين لهذا اللون الأدبي المُعبّر عن أحاسيسهم وشجونهم وشؤونهم ومن المتوقع أن يستمر بعطاءه الجميل هذا في اصدار أجزاء عديدة منه في تراثنا  زاهرة في عناوينها وشخوصها وأحداثها ، لقد وجدنا  حقاً في ما تناوله الزميل الصحفي والكاتب العرداوي من متعة وتلمسنا عمق الفائدة بالقراءة وبالنماذج الشعرية المختارة أيضاً وكذلك في القصص والحكايات التي أوردها مع أبيات من الشعر كانت قد ألقيت بمناظرات أو مساجلات بين الشعراء وهي كثيرة ، فهنا عند المقال الأول من كتابه في جزءه الثاني الذي بين يدينا تناول  حكاية قصيده ” اشبيه الناس ما أدري ” يفصح فيها عن اللذين كانا سبباً في التحري والوقوف على بيت من الشعر يتناول موضوعاً اجتماعياً معاشاً بحاجة الى نقد وتعرية لمن يمارس تلك الصفة الذميمة في حياتنا الاجتماعية الا وهو بيت الشعر الذي يقول ” شجاهه الناس تآكل ناس .. تتنفس هوه الغيبــه ” وفي مقال آخر عن ” ست الحبايب ” وآخر  ” يمه يا يمه ” وفي آخرعن ”  ما لا نعرفه عنه ” وهو (  الذيب ) الحيوان البري الشهير الذي يطلق عليه أهل العقل والمعرفة صفات الشجاعة والوفاء والابتعادعن السفاسف وعزة النفس وبر الوالدين ويتساءل الكاتب  ألم نتعلم شيئاً منه ومن صفاته النبيلة بدل من أن نظل نبكي على الأطلال ونصرخ ” ياذيب ليش اتعوي ..

امثال شعبية

حالك مثل حالي ..” وفي موقع آخر سجل لنا ” أمثال شعبية تنطق بالحكمة ” وعن اللقلق ” لكلكي ولقلقي وحكاية لقلق الكنيسة ” حيث اللقلقة ثرثرة وكلام فارغ جاء عليها شاعر الشعب المرحوم ملا عبود الكرخي في قصيدته الشعبية الشهيرة ” لا تلقلق .. يحبسوك ..” وفي حكاية أخرى ” عن أول شرطي مرور في بغداد مصري ، وعن ” بغداد كيف جعلت وداد الأورفلي شاعرة ”  وهي المعروفه فنانة تشكيلية ” وعن ” جواد سليم شاعراً شعبياً ” وفي مقال آخر عن ” الطيور الطايره ” التي كتب كلماتها زهير خزعل الدجيلي  وكيف مات وهو  في حسرة والم من شدة المرض وزرق الأبر وأنواع واشكال وكثرة الدواء التي خمدت روحه وقطعت أنفاسه لكنها لم تستطع أن تخمد صوت الطيور الطايره  التي صدحت بها حنجرة المطرب سعون جابر والتي أداها بروعة اللحن والصوت الذي لم ينسى معه كاتبها وهو يقول ” ياطيور الطايره مرّي بهلي .. وياشمسنه الدايره شوفي هلي ” منذ نصف قرن على كتابته للقصيدة وفي زاوية أخرى  يخبرنا الكاتب العرداوي عن الفرصة التي سنحت له للتعرف على تراث الشعب المصري وأغانيه وأزجاله الشعبية وهي الفرصة التي يقول عنها بأنها لا تعوض قد منحها اياه الباحث التراثي والأكاديمي المصري الدكتور أحمد علي مرسي  الذي تعرف عليه عام 1977عند حضوره الى بغداد للمشاركة في ندوة الفلكلور العربية التي عقدت في بغداد في العام المذكور ليبعث له بعد ذلك بثلاثة من مؤلفاته وترجماته في ما كتب عالميا عن تراث مصر أيضاً ، وتناول في هذا الجزء  مطربين كبار ريفيين لا زالوا في ذاكرة الناس ومنهم ناصر حكيم  حيث يدعو الكاتب في مقاله الى ،، أن ناصر حكيم حكاية مسلسل فني شائق الفصول والحلقات فيما  لو تصدت له إحدى شركات الانتاج الفني فهو صاحب الاغاني المسجلة باسمه ماركة مسجلة وإن غناها من بعده عشرات المطربين ” يالشاتل العودين خضر فرد عود ،، نخل السماوه ، عمي يابلام ، بهيه ، براضه  إمشي براضه ، ومالي شغل بالسوك ، وغيرها الكثير الكثير ،  كما وقد جاء العرداوي على الملحن العراقي  الراحل صالح الكويتي الذي رُحِّل قسرّياً في أربعينيات القرن الماضي بسبب كونه يهودياً عن وطنه ومدينته بغداد التي أحبها وقد غنى له  بأروع ألحانه  مطرب الريف الكبير حضيري أبو عزيز ” حمام يلي على روس المنازل ” علماً أنه قد ترك برحيله في مكتبة الأغنية العراقية (700) لحن خالد نرددها لعذوبتها وحلاوتها وطراوتها وأصالتها العراقية التي لا تجارى ويذكر بان سليمان نجل صالح الكويتي المقيم في بريطانيا قد ألف كتاباً عن والده بعنوان “صالح الكويتي  .. نغم الزمن الجميل ” وفاءً منه في ذكرى والده وقد احتفى المركز الثقافي العراقي في لندن به من خلال حفل لتوقيع الكتاب  ، ونود أن نشير هنا الى أن المؤلف مولع باعتمار السدارة على رأسه  فكتب مقالاً عن السبب كان بعنوان ” سألوني عن السدارة الفيصلية ”  ص33 جاء أيضاً على القصيدة الشعبية التي خلدت  ” فشخة ” العلامة حسين أمين ، وعن بكاء العلامة الراحل حسين علي محفوظ  في ”  قصيدة الأم ” ، لقد سبق وأن ذكر المؤلف في الجزء الأول بأنه حين كان ينشر مقلاته في الصحف بعموده ” الله بالخير ” كانت ترده تعقيبات ومداخلات كثيرة من قراء ومن ذوي الاهتمام والاختصاص بالأدب والتراث الشعبي وقد جاء على ذكرهم في كتابه حرصاً منه أن تكون الصورة كاملة وواضحة.

تراث شعبي

فالتراث كما يقول أمانة في أعناق المؤرخين والباحثين واعتزازاً منه في تراث شعبنا العربي في  بلداننا العربية فقد كان قد كتب وبعدة أعمدة عنهم ومنهم  شاعر ( العامية ) المصري المشهور أحمد فؤاد نجم بكونه من أشهر شعراء المفردة الشعبية العربية المقاومة للخنوع والظلم والظالمين والسلطات الغاشمة التي تقف بالضد من شعوبها وتحررها والذي احتفلت به كل مصر عندما احتفل مجلس أمناء ( جائزة أحمد فؤاد نجم ) لشعر العامية المصرية في دورته الأولى بتوزيع الجوائز  عن أفضل خمسة دوواوين شعرية بالعامية المصرية وتعد هذه الجائزة الأولى السنوية تخصص للأدب الشعبي العربي وتمنح في يوم 29 أيار من كل عام وهو اليوم الذي يصادف ذكرى ميلاد الشاعر ويتم الاعلان عن الفائزين بها في يوم وفاته، فأي أهتمام أرقى من هذا في أدب العامية وأين نحن في عراق الموروثات الشعبية منه الم يكن شاعرنا مظفر النواب علما يستحق أن تنظم باسمه مثل هذه التكريمات والاحتفالات ،  كما أن العرداوي لم ينسى في أن يكتب استذكارات أيامه مع الفنان هاشم الرجب ( رحمه الله ) ومع ” نقيب الصحفيين العراقيين مؤيد اللامي الذي كان سبباً بولادة بيت أبوذيه ” جاء على خلفية موقف كان مضطراً فيه لإطفاء ورمي سيجارته التي كانت بين إصبعيه وهو المدمن على التدخين وذلك حين بدأ تصوير لقاء تلفزيوني معه في يوم السبت 12/4/2014 لكنه قبل أن يرميها استمتع بنفس طويل ارتشفه منها  ولسانه  يقول ” جكاره امن التتن لفلي ولفلك ” ليصير البيت الأول لابوذيه يكملها عادل العرداوي .. امبارك غيري من تعشك ولفلك .. ابحقك مغلطت مره ولفلك .. امن الجويات رصعاتك بديه ”  . وفي الختام لا بد من القول أنني بهذه القراءة  لم أنقل الا الجزء القليل من مقالات المؤلف في كتابه هذا بجزءه الثاني والتي بلغت (99) مقالاً  في حين أن الجزء الأول قد ضم (100)  مقال ، وعليَّ أن أسجل للمؤلف العرداوي بأن كتابه  ” الله بالخير”  وبجزئيه  فيهما متعة ومؤانسة  وتصميم  من لدنه على إزاحة شيء  من الغبار العالق على كنوز أدبنا وتراثنا وموروثنا الشعبي الذي تعادل قيمته أكبر ثروة مادية ، كونه يتعلق بتاريخ وسيرة شعب عريق شيد أسس الحضارات الأولى في مسيرة الإنسانية و ( الله بالخير) على عادل العرداوي الذي نأمل منه أن يأتينا بأجزاء أخرى لأن مقالاته التي كتبها في عمود (الله بالخير) قد تجاوزت الأربعمئة  ولكي نرتقي بتراثنا لنطل عليه من ضفاف التراث والأدب الشعبي لعراقنا العزيز في هذا الكتاب بجزئيه وبما سيفيض  الكاتب عادل العرداوي على القراء والمهتمين بتراثنا وموروثنا الشعبي بأجزاء أخرى من ” اللــــــه بالخيـــر ” ومن الله التوفيق .

مشاركة