الرمزيّة في الأدب العربي الحديث

لبنان: الإنتداب الفرنسي يطلق الأساس الثقافي

الرمزيّة في الأدب العربي الحديث

يعقوب أفرام منصور

تفيدنا (الموسوعة العربية الميسّرة) ، الصادرة في لبنان في عام 1987 ، أن الرمزية في النتاجات الأدبية هي المدرسة التي ظهرت في فرنسا في أواخر القرن التاسع عشر، مُتخذةً التعبير عن الإنطباعات النفسية عن سبيل الإيعاز أو التلميح، بدلاً من الأسلوب التقريري المباشر. كان ظهور المذهب الرمزي أولاً في الشعر، ثم ظهر في الدراما عند ( مترلنك)، وفي النقد الأدبي عند  ريمي دي جورمون)، وفي الموسيقى عند (دي برسي). والرمزيون الأوائل ـ فيرلين، ملارميه، ) رامبو ـ أُتُهِموا باعتلال الذوق، وذلك من جهة إستخدامهم الخيال بكونه حقيقة. وقد أدّت تجربتهم إلى ظهور الشعر الحر، وكان تأثير الرمزيين بعيد المدى، وظهر في تطوّر الشعراء التصويريين والأدباء الإباحيين، كما ظهر في مؤلفات (ت.س.إليوت) وروبرت فروست وجيمس جويس وجرترود شتاين (1874 ـ 1946).

     أفاد أنطون غطّاس كرم اللبناني، في توطئته لكتابه القيّم  (الرمزية والأدب العربي الحديث) بأنه قد عمد إلى بعض المراجع الأولى القليلة جدًا بخصوص الرمزية، منها مؤلفات الرمزيين بنوع خاص، ومنها المترجَم المستعرِض، والمحلِّل المرتكِز على الوسائل الرمزية المُشيح عن التاريخ والترجمة، فلم يجد مؤلَّفًا يضم جميع نواحي الموضوع. لكن موجَز ما جاء عن هذا الضرب من النتاج الأدبي في الشرق، كان مُجمَلاً وسطحيًا، منه لعباس محمود العقّاد، أو تاريخيًا مستعرِضًا للدكتور نقولا فيّاض (منقولاً دون إشارة إلى مرجِع)، أو تجاريًا على شكل دراسات عامّة معدّة للصفوف الثانوية لكتّاب في رمزية الشاعر الشريف الرضي. لذا ارتأى أن يحدد الرمز بمعناه العام، ثم بمعناه الخاص كما أورده الفلاسفة، مستندًا إلى الفيلسوف الألماني (كانت) في كتابه “نقد العقل  الصرف”. بَيدَ أنه لم يَرَ مَحيصًا عن عرض العناصر الأدبية والتوجيهات الفلسفية والعقائد الدينية والتيارات الإجتماعية والبوادر الإقليمية، وثم إيضاح المراحل الكبرى التي نما خلالها هذا النتاج، واستمرّ نموه حتى بلغ أقصاه، وذبل حتى تحوّل إلى ضروب أخرى، وهذا شأن كل نوع حياتي، وقد فصّل أنطون هذا في تضاعيف كتابه بإسهاب وإجادة.

     كانت الرمزية رد فعل في وجه الرومانتيكية والبَرناسية أيضًا (نسبةً إلى جبل بَرناس في وسط  بلاد اليونان، فكُرِّس لأبولو واعتّبر مهبِط الإلهام للشعر والفنون، وفي سفحه مدينة (دلفي)، لأن البرناسيين شعروا بضعف ما تفتّح في الشعر الرومانتيكي من عاطفة باهتة سطحية؛ وفي  حين كان البرناسيون واقعيين، موضوعيين وحِسيين إيجابيين، كان الرمزيون وهميين باطنيين (ص32). ويرى المؤلف أن شعراء فرنسا المتميِّزين لم يُنسب أدبهم إلى مدرسة من المدارس، بل خلقوا لهم لونًا من الأدب خاصًا بهم، فلا هو رومانتيكي  ولا هو طبيعي ولا واقعي ولا برناسي، فسُمِّيَ عرَضًا رمزيًا، وعنى بهم بودلير وفيرلين ورامبو وملارمه. وهذا الأخير يُعد هو مشترع الرمزية ومحققها، إستنادًا إلى إربعة أعمال من نتاجه، منها قصيدة (هيروديه) مأساة فكرية، وقصيدة أخرى (رمية نرد).وفصّل مزايا الأربع قصائد، فقد تميّز ملارمه في تأثّره بالفلاسفة المثاليين،وبفلسفة القديس توما الأكويني و(كانت) والرسّامين الإيحائيين بنوع خاص؛ وكان حُلمه إدراك عالم الجواهر والمُثل، يساوِقُه استخدام لغة غير مألوفة، فهو إذ يرفض الواقع ، يفرّ إلى الحُلم والإلهام (ص63).

ادوار رمزية

   ومرّت الرمزية في ثلاثة أدوار: الأول في بلوغها الذروة، حين حاولت تطبيق جميع نظرياتها لمّا أدركت أن الشعر ينبغي أن يكون مثاليًا، وأنّ الفكرة لا يُعبّر عنها بشكل مباشر من خلال نقاب من الأساطير الرمزية؛ والطور الثاني في تدرّج شعرائها نحوَ رمزية معتدلة تمثّلت برجوعهم إلى التقليد: تقليد البرناسية والرومانتيكية أو الكلاسيكية؛ أما الطور الثالث، فقد عدّهُ أنطون كرم من سُنّة الحياة: ولادة فنموّ فتداعِ فموت. إذ إن المدارس الأدبية الفرنسية خلال القرن التاسع عشر كانت عديدة، لكنها لم تُعمّر طويلاً، فالرومانتيكية (1860) لم تتجاوز ثلاثين عامًا، والبرناسية عشرين عامًا (1890)، والرمزية أقلّ منهما، وقد شُيّعت بشيء من الإبتهاج غِبَّ أقل من خمس عشرة سنة، وذلك لأن الرمزية كانت متعرّضة للدمار، أكثر من سواها، لعوامل شتى: 1 ـ بُعد ما بين الأهداف وصعوبة تحقيقها  2 ـ توخّي الرمزيين المطلق في خلقهم لغة جديدة في اللغة  3 ـ إختلاف الناس في قيمة نتاجاتهم الأدبية ( ص 67).

    ففي عام 1894 أفاد أحد الرمزيين (ريتيه) إن الأستاذ ملارمه لم يكن مفكّرًا عظيمًا ولا شاعرًا عظيمًا؛ وأفاد رمزيٌّ آخر في العام نفسِه إن الرمزية خارت وانطفأت. فلمّا هلّ العام 1900 نشأت إثنتا عشرة مدرسة هي بالأحرى مذاهب فردية حملت أسماء “مدرسة” لتدرأ عنها هجمات النقّاد أو لتثبيت معتقداتها الشخصية، منها المدرسة الإنسانية والطبيعية والمستقبلية والتوافقية! وقد حاول (كاتول مانديس) تصنيف الشعراء الفرنسيين بحسب طبقاتهم، فكان أولهم فكنور هيجو، ثم لامارتين ودي موسيه ودي ليل وملارمه.

     وختم أنطون كرم هذا الجزء بشرح أهداف الرمزية العشرة: أولها الإتجاه الفلسفي الغيبي، ورابعها التخلّص من العنصر النثري، وآخرها الغموض، فقال فيه: ” لم يكن الغموض هدفًا من أهداف الرمز، بل كان نتيجة طبيعية للجهود الواعية التي صرفوها في الخلق الشعري (ص 103).

    وأُورِد في هذا الصدد مقولة أناتول فرانس في أحد أقطاب الرمزيين الفرنسيين وهو (فيرلين): ” إنه شيخ مُتعَب من الشرود والهيام في الطرقات مدى ثلاثين عامًا : إن منظره يكلُم النفس، ويصدم النظر: إنه يجمع بين الشراسة والوداعة، سقراطي بالفطرة، أو خيرٌ من ذلك؛ حيوان غابة، مخلوق خرافي، نصفه حيوان ونصفه إنسان، نصفه وحشٌ ضارٍ ونصفه إلاه : هائلٌ كقوة طبيعية غير خاضعة لشريعة ما، فهو  شبيه فيلون ونِدِّهِ وضريبه : إنهما ولدان شرّيران،رُزقا التعبير وأُوتيا البيان، فباحا بأجمل ما في الدنيا من الأشياء والأحلام !! (كتاب علي محمود طه ” أرواح وأشباح” ص 17).

ألرمزية في الأدب العربي الحديث   في تمهيد أنطون غطّاس كرمّ في  جزئه الثاني عن الرمزية في الأدب العربي الحديث، أفاد إن الأدب العربي منذ عصوره الأولى في مطلع الجاهلية الثانية، حتى أواخر العصر الأموي، كان في مجمله أدبًا نائيُا عن المجرّدات في طريقة نقله ووصفه للعالم الخارجي، وفي تصويره للخلجات الداخلية في الإنسان. فالعقلية السامية في جاهلية العرب لم تخرج إلى ما وراء حدود المادة المرئية، بل تقيّدت بها إلى حد تفصيل أجزائها، حتى غدا أدبها الوصفي لوحات بيّنات كاملات كما لو كانت صُوَرًا تُلمس وتُرى. فالعرب في جاهليتهم وبعدها بقرن كان أدبهم واقعيًا ماديًا أقرب إلى الوضوح منه إلى الغموض والتجريد. لذا كان الأدب العربي حتى نهاية العصر الأموي خاليًا من صنف الأدب الرمزي المتّسم ببعده عن الوضوح المألوف، وعن الواقع الملموس في البيئة العربية السامية آنئذٍ، لأن الأدب الرمزي يتميّز بسعيه إلى بلوغ الأفكار المجرّدة، وإلى سَبر غور الأعماق النفسية. لكن أحوال العصر العبّاسي أتاحت إختلاط العرب بأقوام أخرى أعمق منهم حضارةً، وصهروا العناصر المتباينة من تراث الهند وفارس والإغريق في عناصرهم الأصلية، ونتج من ذلك الإمتزاج والإنصهار أدبٌ هو ثمرة من مزيج شعوب متباينة العادات والمقاييس والمذاهب والقكَر، فبرزت مرحلة جديدة ذات لونَين هما: ألأدب الصوفي والأدب المتأثّر بالفكر اليوناني (ص 111 ـ112 من كتاب ” الرمزية والأدب العربي الحديث” دار المكشوف ـ بيروت 1949). ففي الأدب الصوفي  يلتقي جوهره بالنزعات الرمزية الفلسفية العامة في مواطن عدّة؛ وفي الأدب المتاثّر بالفكر اليوناني إنصرف بعضه عن المادة والواقع الحسّي، وغاص على الفكر المجرّد.

    أبدى أنطون إن إيرادَه هذين اللونين من الأدب العباسي، في هذا السياق، لم يقصد به اعتبارهما رمزيَين، بل لتقديره أن بينهما وبين بعض مزايا الإتجاه الرمزي خيوط صِلة. فثمة تشابه في الوسائل،لا في الجوهر، واشتمال شيء على بعض مزايا شيء آخَر لا يجعله مطابقًا له، ولا يُثبت كونَه منه، بل يجعل بينهما نَسَبًا في بعض المظاهرـ كما حاول البعض أن يجعل من الشريف الرضيّ (بودلير) العرب، واضع أسس الرمز في الشعرالعربي، ويقابل بينه وبين الشعراء الرمزيين في مواضيع شتى. ويستطرد المؤلّف في هذا العرض السريع، قائلاً إنه إذ يرى أن شعر الشريف الرضيّ مغاير تمامًا عن أسس الرمزيين ونتاجاتهم، فشعر الرضيّ هو من جوهر آخَر، والمهم عنده هو التعويل على الأدب الحديث دون غيره (ص 113).

  ظهرت للعيان إتجاهات جديدة في الأدب العربي الحديث في مطلع القرن العشرين، أي قبل فليل من الحرب العالمية الأولى وبعد قليل منها، إذ إن  شعراء القرن التاسع عشر كانوا ـ في الأغلب ـ محافظين جدًا على القديم، وغير عابئين بالإبتكار والتجديد، بل بدوا مستمدّين من آثارهم، خلا  قِلّة منهم وقفت على الثقافة الأجنبية، وتأدبت بأدب الغرب، فكان لهم حظ طفيف من الجديد، نظير نجيب حدّاد (ت 1899 صحافي وشاعر وروائي، صاحب مجلة “لسان العرب” 1894 ). وكانت نزعة التجديد في لبنان أسبق مما كانت في مصر. وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى نشأت فئة تلقّت الثقافة الأجنبية بشكل عام، والفرنسية بشكل خاص؛ وطبقًا لشريعة العمران بحسب إبن خلدون، التي مغزاها تأثّر المغلوب بالغالب، نجم صراع بين القديم المحافظ وبين الجديد التحديثي الذي ينبذ التقليد والجمود، فكان أن جاءت صياغة نتاجات الجيل الناشئ بعد الحرب العالمية الأولى أضعف إجمالاً من صياغة المُخضرمين، إذ أُولع جيل المجددين باقتناص الألفاظ الموسيقية البرّاقة ليلوّنوا بها صُوَرَهم الإبداعية الغربية، ولا يستثنون من ذلك حتى عناوين القصائد. أما غموض المعنى في شعرهم، فقد نتج من إغراقهم في اختيار الألفاظ، وإفراطهم في الإعتماد على التشابيه والإستعارات الشاذّة، وجاءت أساليبهم الشعرية وصورهم الخيالية وأغراضهم ومعانيهم مصطبغة بألوان الأدب الغربي، فاتبعوا الفئة المتحررة (الرومانتيكية) والفئة المتجرّدة والفئة الرمزية (يسند أنطون كرم هذه الرؤية إلى الأديب والموسوعي بطرس البستاني في كتابه ” أدباء العرب” ج3 ص 158 ـ159).

     ويستطرد كرم قائلاً: ” إن ما يسترعي الإنتباه في درجات الإتّباع، أنها بدأت بالمتحررة (الرومانتيكية) حتى إن أحمد شوقي حين رحل إلى فرنسا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر (أوج حركة الرمزية) لم يعبأ بها، بل عكف على مطالعة كورناي وهيجو، وتلاه متأثرون بهذا الأدب عن طريق الترجمة كالمنفلوطي في ما عرّبه بالأقتباس، والأخطل الصغير، وألياس أبي شبكة ويوسف غصّوب وآخرين.

ذروة الادب

بلغ الأدب الرمزي ذروتَه إبان عهد الإنتداب الفرنسي في لبنان بعد عام 1919 ، بعامل انتشار الآداب الفرنسية حتى غدت أساسًا ثقافيًا، وأغرق الأدباء العرب في استقصائها في لبنان ثم في مصر يمقدار أقل. فبعد أن زالت المصالح السياسية في مصر، تبقّت المصلحة الثقافية،لكن بوادرها في مصر ولبنان ظهرت للعيان في عام 1928، إستنادًا إلى المجلات الأدبية في القطرين، في حين إستمرّ هذا الإتجاه على الإختمار حتى بلغ أشُدّه في عام 1936 . بفضل الإطلاع على المجلات الأدبية والمجموعات الشعرية، يتضح أن التيّار التجددي قد تضخّم وفاض، وأن المتأدبين عكفوا على ترجمة الأدب الرمزي بعد 1936. فلو إقتصرنا في إطلاعنا العاجل على محتويات مجلة (المقتطف) فقط، لوجدنا ما يأتي من المنشورات فيها :

عام 1934  :ندامة بعد الموت    قصيدة مترجمة عن بودلير   ص 358

عام 1935  :فرلين الشاعر       مقال لعلي محمود طه   ص 153 عام 1937   : مسرحية سميراميس   ترجمة خليل هنداوي عن بول فاليري عام  1937   : مسرحية أمفيون   ص 185عام  1937   : قصيدة  جبال بافاريا    لبشر فارس   مجلد 90عام  1938  : مسرحية  مفرق الطريق   لبشر فارس  ص 355  مجلد 92   قصيدة   إلى زائرة    مجلد 104   ص427 رحلة  خابت مجلد 105    ص302    حرقة مجلد 102    ص 144 كلمة الشاعر   مجلد 106 ص 363 وفي المجلة نفسها نُشرت موضوعات مختلفة وقصائد أخرى نَمّت على الإتجاه الرمزي والإهتمام به واستيعابه من قِبل القرّاء. من ذلك ترجمات لبودلير وغيره من الشعراء المنتسبين إلى الرمزية، أو أبحاث في هذا الأدب أو ما يمتّ إليه بنسَب كالتصوّف أو علم معاني أصوات الحروف. أمّا في مجلة (المكشوف الأدبي) اللبنانية لعام 1936 ، فقد احتوت على ” عشتروت والصدى البعيد” وعلى ” حجر موحش”. وليوسف غصّوب في عام 1937 نشرت “الرعشة الأولى” و “المتجرِّدة”. ولعام 1942  قصيدة ” أرجوحة القمر” لصلاح لبكي. وحفلت [ المكشوف] حتى أوائل الأربعينيات بعدة أبحاث ودراسات عن الرَّمزية بين مؤلَّف ومترجَم. وبعد أن صمتت المكشوف، أعقبتها مجلة [ألأديب] في عنايتها بهذا الضرب الرمزي من النتاجات، ثم مجلات أخرى صدرت لاحقًا، بعضها عارِض، شارِح، وبعضها مُتهجِّم. من ذلك فصل موجز للأستاذ عباس العقاد ظهر في مجلة (الكتاب) لشهر كانون الثاني 1947  تحت عنوان “ألمدرسة الرمزية”. وفي أدناه نموذج رمزي من قصيدة “رحلة خابت” لبشر فارس، نظمها في لندن عام 1936 :

          أما سمعتم معي صوتًا صريعَ النغَم

تلفظه أضلعي منخلعات الهِمم؟

         أضلعُ صدرٍ هفا وما علم إلى خليج الشفا من الندم

هناك حيث انفصم

          ماضي العمُر فلا أثَر

طوى الجراحَ العدَم.

     لم تكن الرمزية مقتصرة على الشعر، بل تعدّته إلى النثر، وبعض ما يمثّل ذلك مسرحيًا توفيق الحكيم في ” شهرزاد” و “أهل الكهف”.وأُضيف أنا إلى نموذجّي توفيق الحكيم بعضَ مقالات جبران  خليل جبران في [ألعواصف] مثل “ألأضراس المسوّسة” ، فضلاَ عن عملَيه الإنكليزيين ـ بفضل ترجمتهما إلى العربية، أولهما “آلهة الأرض”، وثانيهما ” ألتائه”  في العديد من حكاياته وأمثولاته.    فهذان العملان لم يذكرهما أنطون كرم في سياق تطرّقه إلى إسهامات جبران في مجال تحديث الأدب   العربي في لبنان في لجّة الصراع بين القديم والجديد، بين التقليد والإبتكار من جهة وبين الجمود ومحاكاة ما حملته إليهم الثقافة الغربية الحديثة من أفكار ومجرّدات مصقولة بالفن ، من ناحية أخرى، إضافةً إلى ما استمدّوه من استعارات وتشابيه وأوصاف من الطبيعة اللبنانية المختلفة عن طبيعة الأقدمين المتمسكين بالألفاظ الحوشية والصحراوية ، إذ قال كرم: ” على أن جبران ـ وقد قبس عن الكتاب المقدس، وعن مذهب القوة النيتشي، ومن الطبيعة اللبنانية، كما قبس عن الرومانتيكية، لم يترك في هذا الباب زيادةً لمستزيد، فنحا نحوَه من كان بعده، غير أن تقليدهم له وللأدب الفرنسي جاء شاحبًا سطحيًا، يكاد يكون مستكرَهًا لما فيه من تقليد وميوع. فحدث رد فعل كالذي حدث في فرنسا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر.” (ص 138) . وفي مجموعتَي الشاعر اللبناني يوسف غصّوب : العوسجة الملتهبة و القفص المهجور، نلاحظ شعرًا قريبًا من النهج الرمزي.

     من مزايا الشعر الرمزي كونه قائمًا على محاولة الدخول إلى أعمق أعماق الذات إلى حد خروج يد المنطق صِفرًا وغلق الباب دون العقل المُحلِّل، مُتيحًا دخول الحدس الأعمق وحدَه؛ ومن مظاهر ذلك قصيدة عنوانها (أنا الشرق) لسعيد عقل، جاء فيها:

أنا جِبتُ ذاتي وأفرغتُ أغنيةَ المطلبِ

أنا ثروةٌ كالكآبةِ عمقًا وكالغيهبِ

     قلِ الفتحُ  غمَّك في الذاتِ كفًّا من الصلبِ

     ورشفُكَ نفسَكَ رشفَ العتيق من المشربِ

وعلّق أنطون كرم على هذه الأبيات بالقول: ”  فهذا الإنطواء على الذات يربطه بجوهر الأشياء، ويربط الجواهر جميعًا بالحقائق الكونية، ويصِل نفس الشاعر بهيكل الوجود، بالله” (ص 166).