
التعبيرية الواقعية للروائي عبد القادر بن الحاج نصر (2-2)
تواري السارد وراء الشخصية
جاسم خلف الياس
ب- المونولوج غير المباشر:
وهو نمط من المونولوج ((الذي يقدم فيه المؤلف الواسع المعرفة مادة غير متكلم بها، ويقدمها كما لو أنها كانت تأتي من وعي شخصية ما)) واعتمادا على التنظيرات التي تناولت تعدد الأصوات في الرواية فقد وصفه باختين بـ((صنف أدبي خطابي الأسلوب ( متكلف) وحواري داخلي، يبنى اعتياديا على شكل مناقشة مع غائب، الأمر الذي يؤدي إلى إسباغ الروح الحوارية على مجرى عملية الكلام والتفكير)). كما أنه (( يعطي القارئ إحساسا بحضور المؤلف المستمر، ويستخدم وجهة نظر المفرد الغائب بدلا من وجهة نظر المفرد المتكلم، والطرق الوصفية والتفسيرية، وإمكان تحقيق المزيد من الترابط والوحدة الشكلية في اختيار المواد المعالجة)) ().
في الحوار الذي يجري بين عثمان ورقية، يتمظهر المنولوج غير المباشر إلى التأكيد على قناعات السارد التي تشكل ضغطا لا مناص منه للخروج من أزمة الذات المنسحقة. وقد أتى هذا المنولوج عبر خلق متلق (موهوم/ حقيقي) لخطاب كل منهما، إذ شكّل تعالقا بين الحوار الخارجي والحوار الداخلي:
((- كم أنا محظوظ يا رقيّة.
” يا كلبة ابنة الكلب ستضطرّينني إلى أن أكون مجرما محترفا.. للظّروف أحكام. ” (مونولوج غير مباشر)
– حظّي أنا أعظم يا عثمان.
” يا أوسخ من كلب مزابل. “(مونولوج غير مباشر)
– أودّ أن نقضي بقيّة اللّيل في الهواء الطّلق ننظر إلى النّجوم وتنظر إلينا.. أنا وأنت والنّجوم فقط.
” سأجعلك تشربين حتّى تتعتعين، ساعتها لكلّ مقام مقال. “(مونولوج غير مباشر)
– سنفعل ما تشاء.
– يا مقاول الزّمن، يا بذاءة كلّ الأزمان: «لن تظفر منّي بشعرة واحدة يا أرذل خلق الله. “(مونولوج غير مباشر)
– سيتلألأ القمر من أجلنا كما لم يتلألأ من قبل.
” يحزنني أن تختفي قبل اختفاء القمر يا رقيّة العزيزة. “(مونولوج غير مباشر).
– أنت مهندس الأماكن الجذّابة في الهواء الطّلق.
” أنت مهندس الوساخة والبذاءة والمفاسد. “(مونولوج غير مباشر).
– كلّ الجمال من حولنا بعض من جمالك.
” كم سينقبض صدري وأنا أودّعك. “(مونولوج غير مباشر).
– لا تدّعي شيئا يا عثمان فما تقوله أوهام، لا تفتعل، لا تكذب، لا تتصابى، لا تسخر.
” مهما أخفيت نفسك وأينما أخفيتها فسأخرجها وأصبّ عليها الوقود وأشعل فيها النّار.. القطرة التي نزلت في كأس الوسكي ستجعلك تحكّ جلدك ككلب أجرب. “))(مونولوج غير مباشر).
فالكاتب قد أراد من السارد في هذا المقطع أن يعالج فكرة لا يمكن تطويعها بسهولة، وهي التداخل بين الحوار الخارجي والداخلي، لذلك شكلت اللغة عنده كما عند كثير من كتاب تيار الوعي، هاجسا مقلقا لم يتردد في الإفصاح عنها منذ التداخل بين صوته وصوت الشخصية الذي مر ذكره في المونولوج المباشر. وذلك للحد من سيطرة أو هيمنة السارد العليم، الذي قد يتدخل في أمورـ حسب رؤيته ـ تخص الشخصية وحدها دون رؤية يشتركان فيها. وهذا بدوره يقلل من فرصة التعرف على دواخل الشخصية، والاكتفاء بمظهرها الخارجي في وصف تقليدي يسعى القاص على مغادرته.
تواري السارد
في هذا المونولوج توارى السارد خلف الشخصيتين ليقدم لنا وعيه، في حين يتصور القارئ أن السارد يقدم وعي شخصياته، وهذا يتطلب فضلا عن المهارة الفنية، قدرة على التحليل والنفاذ إلى أعماق الشخصية، وقد تجلت لنا وجهة نظر المرأة (رقية) بدلا من وجهة نظر الرجل (عثمان) بوضوح عبر تناوب الكلام الذي يتلفظ به كل منهما، فمرة يأتي الحوار بدون أقواس، ويأتي داخل الأقواس مرة أخرى. وقد شكل النمط الثاني منولوجا، وليس حوارا خارجيا، هو الكلام الذي أتى على لسانهما. فقد لجأ إلى شطر ذات الشخصية إلى ذاتين تعلن أحدهما ما في داخلها بلطف وتودد، وتخفي الأخرى ما في داخلها من حقد وانتقام للآخر، ولكنهما في المجمل تتحاوران وتعي كل منهما وجود الأخرى. تمثل كل شخصية حالة اجتماعية ونفسية وثقافية مختلفة عن الأخرى، وأنهما تتقاسمان الماضي ذاته والذكريات ذاتها تحت وطأة الألم اليومي من دون أي علة نفسية وإن تشابهت الحالة مع مرض انفصام الشخصية، ذلك لان الذاتين المنقسمتين يعيشان في ذات واحدة، وكل ذات على وعي تام بالأخرى وتحاورها في ماض مشترك بينهما، يتمظهر في حوار مؤثث بثنائية الوهم (الحب) / الحقيـــقة (الموت) .
ويبدو أن مثل هذا النمط من المونولوج يكثر توظيفه في الروايات ذات التحليل النفسي، ذلك أن الكاتب قد وظف مساحة واسعة من الوعي، إن لم نقل الوعي كله، في تقديم شخصيتي (رقية و عثمان) بوصفهما ضحيتي عنف اجتماعي وسياسي. والتقط الوحدات المنبعثة من وعي الشخصية بدلا من التعبيرات اللفظية التي تتعمدها الشخصية في عرض يحاكي التفكير ويمنح القارئ شعورا بالتدفق العقلي وبذلك يمكن القول أن القاص قد نجح في توريط القارئ مباشرة في تجربة الشخصية فجاءت المنولوجات شبيهة بعملية (التحليل النفسي). وقد لامس القاص ظاهرة (الانتقام) من جوانب عدة، ويمكننا أن نعد هذه القصة تشخيصا بليغا لهذه الظاهرة في عرض دقيق لنفسية المرأة التي اضطرت لممارسة هذا الفعل، لذا فإن ما دار في عقلها لحظة محاورته كان مرعبا وهي تتذكر الاغتصاب والقهر والهزيمة واليأس والفراغ النفسي وانطفاء الأمل. مشاعر دفعتها إلى محاولة الانتقام، فهي ليست ضحية رجل فحسب، وإنما ضحية مجتمع فاسد. أما عثمان فلم تكن ممارسته لهذا الفعل الذي كان يخطط له إلا عبارة عن التخلص من الانتقام الذي يدور في عقل رقية.
لقد شكلت قصص تيار الوعي صعوبات للكاتب والقارئ على حد سواء. وقد تمثلت الصعوبات لدى الكاتب في تمثيل الوعي بواقعية بواسطة الحفاظ على طابع خصوصية الشخصية (التشوش، عدم التواصل، والتضمينات الخاصة). وتمثلت لدى القارئ في التواصل معه عبر هذا الوعي. وبهذا أضفى الكاتب كثيرا من الحيوية النفسية على شخصية (رقية) الأمر الذي أنتج تعاطفا مكثفا مع شخصية لا تمتلك إلا فضيلة الحضور القوي. كما لم يغفل الكاتب بعدا نفسيا آخر بالغ الأهمية، ذلك أنها ما زالت تفقد الإحساس بأنوثتها على الرغم من كل الجمال الذي تمتلكه، فأنوثتها ناقصة من دون أخذ ثأرها من إرادة الاستبداد والظلم والسلطة التي تريدها لحما ابيض مغتصبا، يلوكه الظلم ويقذفه على الحافة؛ لأن مجتمع النفاق يغتال نصف الحقيقة على الأقل. ولكن عثمان على الرغم من سطوته وجبروته وهو يمثل الشذوذ والفساد والهيمنة الذكورية وسطوة المال والجنس، إلا أنه محبط من الناحية النفسية، ويعاني من أزماته الخاصة. وما لحظة الفعل التي يمكن اختزالها نفسيا وعمليا في جملة واحدة ( هيمنة الذكورة التي صنعها الاستبداد)، إلا تفسير العنف الذي وجهه الرجل (الضحية) إلى المرأة (الضحية).
ففي غمرة انخراط (عثمان) في فضاء التذكر والأماني، كانت حركات (رقية) تشكل مثيرا جعله يجتر الذكريات أكثر، فتنهمر سياطا تلسع فحولته، وتوقظه من نشوة التلبس بالمستبد. وإذا كان عثمان يرمز إلى السلطة بكل أشكالها (الأبوية والاجتماعية والسياسية) فإن (رقية) ترمز إلى شريحة من المجتمع المثقل باستبداد يمارس العنف، فالعنف دورة مستمرة، وطموح المقموع هو ممارسة دور القامع، فيما تظل (فاطمة) رمزا للقهر والدونية والضحية منذ فجر التاريخ إلى نهاية الظلم. إنها ضحية سلطة الأب، واستبداد الذكورة، وتشويه التاريخ.
المناجاة:
وتعني بـ((تقديم المحتوى الذهني، والعمليات الذهنية للشخصية، مباشرة من الشخصية إلى القارئ بدون حضور المؤلف، ولكن مع افتراض وجود الجمهور افتراضا صامتا)) (). ويكون الحديث فيها ((على انفراد شأنه شأن المونولوج الداخلي، إلا انه يقوم على التسليم بوجود جمهور حاضر ومحدد)). وتتميز بموقفها الحواري من النفس، إذ أن اقتراب المرء حواريا من نفسه ذاتها، من شأنه أن يكسر الأغلفة الخارجية لصورة نفسه. هذه الأغلفة موجودة في نظر الناس الآخرين التي تحدد القيمة الخارجية للإنسان والتي تعكر صفاء الوعي الداخلي، وفي معجم المصطلحات يقدمها مجدي وهبة على أنها (( طريقة للسرد يلتزمها بعض كتاب الرواية في الكشف عملا يدور في نفوس شخوصهم بعيدا عن تقديم الحدث أو الحوار الملفوظ ومن غير تقيد بالترتيب النحوي أو المنطقي للكلام، ويكون ذلك محاكاة لتطور الأفكار في الذهن الذي يشرد من موضوع إلى غيره دون قاعدة أو اتجاه معين. والغرض من هذا النوع من المناجاة هو كشف مستويات الوعي السابق على التعبير، ويلاحظ أن هذه المناجاة خالية من علامات الترقيم، والغرض من تسجيلها الإيحاء بحركة العقل المتدفقة المستمرة بكل ما تشتمل عليه من تداعي المعاني من غير ضبط ولا منطق )) . وعادة تأخذ المناجاة مسافة زمنية أطول من المونولوجات، ومساحة طباعيه أكثر أيضا:
((“ها أنا أزيح الغطاء وأتمدّد متسلّلة أحاول أن أستنشق رائحة سليمان من رائحة البشير المستغرق في النّوم لكنّني لا أستطيع فجبل من الصّخر والشّجر المحترق يحول بيني وبينه”. ” كم أهفو إلى الطّلاق، كم أهفو إلى أن أصاحبه إلى عتبة المنزل وأغلق الباب وراءه إلى الأبد” ” أتمدّد وأغرز نظري في السّقف، أرى المحيط يزحف نحوي، أشجار الدّفلى المصطفّة على الطّريق المؤدّية إلى ساحة المحطّة، شجرات الصّفصاف وإسفلت الرّصيف المقابل وأشجار الحديقة المجاورة وأنفاس سليمان المنكبّ على ورقة بيضاء يحاول أن يملأها حروفا وكلاما وأحاسيس.. كلّ فضاء مكتبه آت نحوي وهو جالس لا يعي ما يجري حوله.. أنا المهزومة سأقتلعه من جذوره، أنا المهزومة التي لا أنهزم، الهازمة رجلا مهزوما”. ” وأتذكّر دموع عبد الصّمد، أتذكّر جروح خدّيه وشعره الأبيض الذي يمرّ فوق أذنه اليمنى ويدور حول قفاه ليتوقّف عند أسفل الأذن اليسرى، أتذكّر صلعته التي تتلقّى أشعّة الشّمس الحارّة وقطرات المطر الباردة مثل الرّصيف، مثل السّاحات المبلّطة، مثل السّطوح.. ويسير عبد الصّمد منحنيا، يستوقفه أحد المارّة فيتوقّف ويرفع رأسه عاليا حتّى تكاد مؤخّرة رأسه تلتصق بكتفه اليسرى، تنفرج شفتاه لا هو مبتسم ولا هو مندهش، يوجّه له كلاما فيردّ بكلام، ويواصل السّير على نسق الدّوابّ الهزيلة”. ” أتذكّر طيفه وأنا أحدّق فيه.. أهو يتقدّم أم يتأخّر! أهو يصعد النّهج
في اتّجاه ساحة المحطّة أم ينزل نحو مجرى الوادي الذي يحدّ بناءات الحيّ!” ” أتذكّر أنّني متعبة والفضاء من حولي دوّارات ريح، عواصف ثلجيّة.. كلّ المسارات جرف هار هنا وجرف هار هناك والبشير مستلق على عرض السّرير وطوله وأنا مستلقية على الحاشية أتفادى أن يلمس جسدي جسده، أن تسقط يده على يدي حين ينقلب على جنبه، أن تغمرني أنفاسه لحظة أسحب الهواء إلى رئتيّ المتعبتين” ” دقّات قلبي تتسارع، وصدري يعلو وينخفض”.)).
لقد عمد الروائي عبد القادر في هذا الاشتغال السردي إلى جعل المناجاة طويلة وعميقة، مصحوبة بتداخل ضميرين (المتكلم والغائب) عبر تدفق شعوري وانثيال لما يكتنف داخل الشخصية للإشارة إلى تقنية تيار الوعي. وهذا ما حصل مع (زهراء) في هذه المناجاة الطويلة وهي تجسد أحاسيسها تجاه (سليمان) وحرمانها منه، ولشدة ما تدفق داخلها نتيجة كوابح المجتمع وموانعه انهت مناجاتها بتداخلها مع مونولوج مباشر ((” دقّات قلبي تتسارع، وصدري يعلو وينخفض”)).
ذات ضائعة
وهنا أخذت (زهراء) تبحث عن ذاتها الضائعة، حبيبها الغائب، أنوثتها التي تخلى عنها، إذ لم يعد بإمكانها استيعاب واقع مترد افترقت فيه عن حبيبها، في أول محنة لها. فزهرة التي عرضها القاص منشطرة على ذاتها للتعبير عن نزعات الذات هي شخصية سوية، تقترب كثيرا من الوعي، وتطارد ذاكرتها، وتتلمس مستقبلها، وتتفهم واقعها، وتشخص علتها، بل وتخطط لقادم أيامها بوعي تام، ثم تشرع بالتنفيذ. وعلى هذا الأساس فالهدف دائما عند عبد القادر بن الحاج نصر هو البحث عن الذات الضائعة، والبحث عن الذات عمل شاق، وصراع نفسي طويل، لازم الإنسان منذ وجوده الأول فهو انطلاق نحو المستقبل المجهول وتمحور حول الواقع المعلوم. لذلك فان توظيف الروائي لمفردات (الهزائم، العواصف، الانهيار) جاء ضمن الإطار العادي. فالهزائم جاءت في معرض هزيمة مرت بهما: “أنا المهزومة سأقتلعه من جذوره، أنا المهزوم التي لا أنهزم، الهازمة رجلا مهزوما” ” فالمرء حين تهزه هزائم ونكسات تفوق قدرته على التحمل، تتخلخل أفكاره، ويلازمه القلق الوجودي، وهذا ما حدث لزهراء.
إن الشخصية هنا لا تخاطب ذاتها، إنما تنشطر ذاتها إلى ذاتين متقابلتين تخوضان حوارا بين الذات التي عصف بها العشق وهي تحاول البحث عن هويتها، والذات المنهارة تحت سطوة الواقع، وعلى هذا الأساس وظف الروائي إحدى تقنيات رواية تيار الوعي بطريقة مبتكرة، إذ نقل إلينا بطريقة مباشرة ما يدور في ذهن زهراء ما يتعلق بحبيبها سليمان، او ما يتعلق بزوجها البشير. ” البشير مستلق على عرض السّرير وطوله وأنا مستلقية على الحاشية أتفادى أن يلمس جسدي جسده، أن تسقط يده على يدي حين ينقلب على جنبه، أن تغمرني أنفاسه لحظة أسحب الهواء إلى رئتيّ المتعبتين”
في هذه المناجاة لا تتحدث زهراء إلى القارئ واصفة ما جعلها تتشظى بين واقع تحلم به، وواقع مفروض عليها، إنما تنقل نشاطا وعمليات عقلية تدور في رأسها في تطوير ملحوظ لما يطلق عليه المناجاة النفسية التي تتوجه نحو الباطن لنقل فيضان التجربة العقلية في محاولة لوضع القارئ في هذا الفضاء العقلي للشخصية: ” أتذكّر أنّني متعبة والفضاء من حولي دوّارات ريح، عواصف ثلجيّة.. كلّ المسارات جرف هار هنا وجرف هار هناك” بهذا اللعب الترميزي محورت زهراء ما يدور في عقلها، فهي من المفترض ان تظل حرة وصاحبة إرادة تدفعها نحو اختيار أفعالها، وأنها قد عملت على سبر أغوار النفس البشرية، كي تنتقل من كونها موجودة وجودا فائضا لا نفع فيه وهي في بيت البشير، إلى وجود له دور فاعل في تغيير مجريات حياتها في بيت سليمان.
وفي هذه التقنية يعرض عبد القادر بن الحاج نصر نشاطا نفسياً مع مستمع مفترض على الرغم من أن الشخصية لا تنطق بهذا النشاط (الحوار)، وإنما تحدث (المناجاة) في أعماقها وهي تفكر وتكشف أفكارها. ومن الجدير بالذكر أن نذكر اللبس ببين (المونولوج) و (المناجاة) على الرغم من أن كلاهما نشاط أحادي يجري داخل الشخصية، ولكن على تماثلهما في بعض العناصر، إلا أنهما تقانتان تختلفان فالشخصية في المناجاة تقوم (بالتفكير بصوت عال) وفي المنولوج تقوم بالتفكير وحدها في الداخل:
(( لو أجلس يوما إلى زهراء فسأعلن لها عن أشياء كثيرة تؤرّقني وأبوح لها بأنّ هذه الأشياء تكاد لا تبرحني ليل نهار)).ص20.
الاستنتاجات
نستنتج من كل ما سبق من تداخل بين المونولوجات ذاتها، وتداخلاتها مع المناجاة، أن اشتغال الروائي في هذا الفضاء كانت له عدة غايات، يمكننا إجمالها بما يلي:
– الحد من سلطة السارد العليم، وهيمنة سارد جديد بضمير المتكلم (أنا) يكون هو الشخصية ذاتها، وهذا ما يجعل السرد متداخلا بين الشخصية والسارد في الوقت نفسه، وحاملا رؤيتين وصوتين، وغالبا ما يتعاطف معها القارئ. وهذا ما يقع فيه القارئ من اللبس من خلال الجمع بين الواقع المحكي (الحدث) والتعبير الداخلي.
– عندما ينقل السرد على لسان الشخصية ذاتها، يكون متطابقا تماما مع ما يجول في دواخلها، وكما ترى هي، ولهذا تأتي الكلمات مترابطة، والتراكيب منسقة حسب وجهة نظرها أحيانا، أو تأتي مخلخلة حسب نفسيتها.
– يستمر جريان الحكي المونولوج أو ينقطع بسبب الفراغات (..) للدلالة على الاضطراب، إذ يأتي في لغة تحمل من العنف والقسوة ما يجعلها أقرب إلى نقل الأفكار الداخلية للشخصية.
المراجع
-1 اتجاهات جديدة في الأدب جون فليتشر ترجمة نجيب المانع، دار الحرية، وزارة الاعلام، بغداد، 1974م.
-2 تيار الوعي في الرواية الحديثة، روبرت همفري، ترجمة محمود الربيعي، دار المعارف بمصر، 1975م .
-3 تيار الوعي في الرواية العربية الحديثة، دراسة أسلوبية، محمود غنايم، دار الجيل للطبع والنشر والتوزيع، مصر، 1993م.
-4 القصة القصيرة، النظرية والتقنية، انريكي اندرسون امبرت، ترجمة: علي إبراهيم علي منوفي، مراجعة صلاح فضل، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 2000.
-5 القصة القصيرة الحديثة في العراق، د. عمر محمد الطالب، دار الكتب للطباعة والنشر، جامعة الموصل، العراق ،1979.
-6 قضايا الفن الإبداعي عند دستوفسكي، م. ب. باختين، ترجمة الدكتور جميل نصيف التكريتي، وزارة الثقافة والاعلام، بغداد،1986م.
-7 اللغة في الأدب الحديث، الحداثة والتجريب، جاكوب كورك، ترجمة أيون يوسف وعزيز عمانوئيل، دار المأمون للترجمة والنشر، 1989م.
-8 معجم مصطلحات الأدب، مجدي وهبة، مكتبة لبنان، ج1? 1984م.
-9 من قتل شكري بلعيد، عبد القادر بن الحاج نصر، منشورات دار زخارف، تونس، 2020.
-10 وجوه الماس، البنيات الجذرية في أدب علي عقلة عرسان، محمد عزام، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، سوريا ، 1998.


















