
لم أكن أبحث عن قصة، لكن القصص في العراق لا تحتاج إلى من يفتّش عنها.
في إحدى زياراتي للموصل، التقيت صديقًا يصغرني ببضع سنوات. كان في الخمسين من عمره، مفعمًا بالفرح، كأن اللقاء أعاد له شيئًا من شبابه. خرجنا بجولة في مدينة ما زالت تضمّد جراحها، وكان الحديث عاديًا في بدايته. سأل عن الحياة في أوروبا، عن العمل، عن الناس، ثم بدأ يقترب ببطء من الأسئلة الشخصية. كيف العلاقات مع النساء؟ هل لديك صديقات؟
أجبته بهدوء: نعم. في أوروبا توجد علاقات زمالة وصداقة في العمل والرياضة وأنشطة المجتمع المدني. علاقات واضحة، بلا أقنعة، وحدودها معروفة. ابتسم ابتسامة من يظن أنه فهم ما لم أقصده.
فجأة استأذن بالتوقف قرب مسجد أُعيد ترميمه حديثًا. قال إنه يريد الوضوء استعدادًا لصلاة العصر. انتظرته في السيارة. عاد بعد دقائق، جلس بجانبي، وما إن أدار المحرّك حتى رن هاتفه بنغمة مختلفة عن كل ما سمعته قبلها. نغمة خاصة. جاء الصوت من الطرف الآخر متمايعًا، متعمّد الأنوثة. ابتسم صديقي بنشوة واضحة، وألقى عليّ نظرة كمن يقول: اسمع.
دام الاتصال أكثر من خمس دقائق. موعد محدد، مكان معروف، اتفاق يبدو أنه ليس وليد اللحظة. انتهت المكالمة بقبلات هوائية متبادلة. خرج سؤالي باستغراب: من هذه؟
قال متفاخرًا: صديقتي.
ثم أردف ضاحكًا: ليس فقط عندكم في أوروبا توجد صديقات. في العراق أيضًا الرجل يحتاج إلى صديقات.
قلت له: لكنك متزوج، ومن الواضح أن العلاقة حميمة.
ضحك: وماذا تتوقع غير ذلك؟
هنا تغيّر مسار الحوار. شرحت له أن الزميلة في أوروبا تُرى كشريك في المهنة لا كغنيمة. المرأة في العمل والدراسة والنشاط الاجتماعي لا تُقدّم نفسها كإغراء. لا استعراض، لا مكياج مبالغ فيه، لا عطور نافذة. احترام متبادل وحدود تحمي الجميع.
ضحك وبدأ بسرد تبريرات محفوظة. قال إن الرجل يحتاج إلى بيئتين، واحدة في البيت وأخرى خارجه، وخارج البيت يقصد النساء. انتهى النقاش وهو غير مقتنع أنني أعيش دون علاقات مزدوجة. قبل أن نترجّل قال على عجل إنه سيلحق بموعده. سألته سؤالًا أخيرًا: وماذا عن صلاة العصر التي توضأت لها؟
ابتسم وغادر.
وفي الأيام الماضية، لم يحتج الواقع إلى انتظار طويل.
مقطع فيديو واحد كان كافيًا ليشعل منصات التواصل. زوجة تصوّر زوجها في لحظة خيانة، تناديه باسمه علاء. المشهد صادم لا لأنه جديد، بل لأنه كُشف. انقسم الناس بين من شتم المرأة ومن دافع عنها، بين من سخر وضحك ومن قال أخيرًا كفى.
قصة علاء ليست استثناءً، بل نتيجة. نتيجة ثقافة صمت طويلة تُدار فيها الخيانات في الظل، ويُطلب من المرأة أن تصبر وتسكت وتستُر. القانون يتغافل، المجتمع يضغط، والدين يُستدعى غالبًا لتكريس الصمت لا لحماية المظلومة. في هذا الهرم المختل تقف المرأة في القاع، الأضعف، والأكثر عرضة للعنف، والأقل حماية.
ما فعلته زوجة علاء كسر القاعدة. خرجت من الصمت إلى الفضيحة، من الألم الخاص إلى العلن. هنا يبدأ السؤال الأخطر. هل نحن أمام فعل انتقام أم صرخة يأس؟ هل هو تشهير أم محاولة أخيرة لرد الاعتبار في مجتمع لا يعترف بالخذلان إلا إذا صُوِّر وبُثّ؟
الأخطر من المقطع نفسه هو ما قد يليه. حين يتحوّل الفضح إلى أسلوب، قد يصبح أداة ابتزاز أو سلاحًا في صراع مكسور. وحين يغيب القانون العادل، تُترك الأخلاق في مهبّ ردود الأفعال.
قصة علاء ليست عن رجل خان فقط، بل عن منظومة سمحت له أن يخون بلا ثمن. عن مجتمع يطالب المرأة بالصمت، ثم يفزع حين تكسر الصمت بطريقة فوضوية.
بين الانتقام والابتزاز، بين الفضيحة والعدالة، يقف سؤال لا مفرّ منه.
من يغيّر البوصلة ويحمي المجتمع من هذا السقوط القيمي والأخلاقي؟
ومتى؟ وكيف؟
إلى أن نجد الإجابة، ستبقى الخيانات تُمارَس في الخفاء، وتُدار الفضائح في العلن، وستبقى المرأة العراقية تدفع ثمن صراع لم تصنعه وحدها.



















