البطالة وتأثيراتها وإنعكاساتها على المجتمع – مقالات – أدهام نمر حريز
يعاني المجتمع العراقي وخصوصا بعد عام 2003 من ازمة تتزايد تأثيراتها وتبعياتها في كل يوم ، الا وهي البطالة المتزايدة وصعوبة الحصول على فرصة للعمل اوالتعيين .
حيث اصبحت هذه المشكلة (البطالة ) مشكلة معقدة ومركبة سيصعب حلها في المستقبل القريب اوالبعيد على الحكومات الحالية اوالمتعاقبة بسبب اهمال الحلول الجذرية التي يمكن ان تقلص من النسب العالية لها ( حيث تبلغ نسبة البطالة في المجتمع العراقي حسب ما اشارت له إحصائيات البنك الدولي إن نسبة البطالة في العراق تزيد عن 50 بالمئة ،فأن نتائج المسح الذي أجرته وزارة التخطيط بالتعاون مع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية أشار إلى إن معدل البطالة في العراق يبلغ 28.1 , بالمئة كما إن المنظمات غير الرسمـــــــــــــــــــــــــية حددت نسبة البطــــــالة في العراق 60-40) بالمئة)، وبغض النظر عن تضارب الأرقام فأن النظريات الاقتصادية تشير الى إن نسبة 15 بالمئة من الأيدي العاملة القادرة والباحثة عن العمل هي خارج قوى العمل الفعالة ) ،ورغم ان مشكلة البطالة هي مشكلة عالمية تواجه معظم دول العالم عموما والدول العربية خصوصا ،الا ان الوضع في العراق بات مختلفا جدا .
فمنذ سنة 2003 واجهة البنى التحتية في الاقتصاد العراقي تغيير كبير وغير مسبوق حولها من دولة زراعية وصناعية ذات منشاة ومعامل ضخمة ،الى دولة استهلاكية تعتمد على البضائع المستوردة بشكل خاص ،وكذلك التراجع الزراعي الكبير نتيجة انخفاض في اصلاح الاراضي والمشاكل البيئة وعدم وجود دعم حقيقي للزراعة ومشكلة التصحر والراي ( انخفاض في مستوى نهر دجلة والفرات نتيجة انخفاض مستوى الحصص المائية الداخلة للعراق ) .
كل هذه العوامل ادت الى تقلص في وجود مشاريع جديدة تخلق فرص عمل للأيدي العاملة اووجود منفذ لتشغيل اعداد جديدة اخرى .
وزاد المشكلة اكثر هوانشغال العراق منذ سنة 2005 وحتى الان بالإنفاق العسكري والامني الكبير والضخم (النفقات العسكرية ) ،وانشغاله عن التطوير الاقتصادي وانشاء المشاريع الجديدة ،اووجود توقف اوتدمير نتيجة الحروب اوالارهاب الذي يضرب العراق منذ تلك المدة ،وكذلك الغاء الية التعيين المركزي الذي جعل الكثير من حملة الشهادات الجامعية والشهادات العليا اسرى حالة البطالة اوالبطالة المقنعة اوالاعمال التي لا تلائم اختصاصهم اودراستهم الجامعية التي كلفت الدولة مبالغ طائلة ( مجانية التعليم في العراق ) وبالتالي كان هناك خسارة في جانب تكلفة الدراسة التي تنفق الدولة عليهم .وكذلك بفعل الحصار الاقتصادي الجائر الذي فرضته الامم المتحدة على العراق في السنوات السابقة قبل احتلال العراق في سنة 2003 نتيجة غزوالنظام الســــــابق للكويت ،والذي استــــمر لسنوات طويلة (1990-2003) ان المشاكل في وجود البطالة لا تنحصر في المشاكل الاقتصادية وتعطيل حركة السوق اوالركود الاقتصادي اوخسارة وضياع جهود القوى المؤهلة للعمل ،ولكن هناك مشاكل اجتماعية ونفسية وامنية كبيرة لهذا الموضوع .
ففي الجانب الاجتماعي ,تؤدي البطالة الى ظهور نوع من العمل غير المجزي في الاجر (الظلم والبخس المادي من ناحية الاتعاب ) ،وكذلك عمالة الاطفال التي تكون في اغلبها اعمال في الطرقات والشوارع كباعه جوالين اوفي تقاطع الشوارع والاشارات الضوئية مما يؤدي الى تسرب كبير في فئة الاطفال ( نتيجة عمالة الاطفال دون سن 12 ) من المدارس وتفشي الجهل والامية بسبب تدهور الوضع المعيشي للعائلة العراقية .
وكذلك الى عزوف الشباب عن الزواج بسبب عدم وجود مصدر رزق يمكن إن يغطي النفقات التي يتطلبها الزواج وانشاء اسرة .
ومن المشاكل الاخرى للبطالة تفشي حالة حالات التحرش والاغتصاب والجرائم الاخلاقية الاخرى بسبب الفراغ النفسي الكبير للعاطل ،وقد إشارت نتائج إحدى الدراسات إلى إن ارتفاع نسبة البطالة بمعدل 1 بالمئة يؤدي الى زيادة جرائم القتل بنسبة 6.7 بالمئة وجرائم العنف بنسبة 3.4 بالمئة وجرائم الاعتداء على الممتلكات بنسبة بالمئة.4
ومن المشاكل النفسية التي تسببها حالة تفشي البطالة ،انخفاض أواصر الروابط التي يحملها الإنسان تجاه المؤسسات الرسمية والأنظمة والقيم الاجتماعية السائدة في المجتمع نتيجة الحياة والظروف الاقتصادية الصعبة بسبب البطالة ،كما أنها تحد من فعالية سلطة الأسرة ،بحيث لا تستطيع ان تمارس دورها في عملية الضبط الاجتماعي لأطفالها وافرادها بصورة عامة.
ان استمرار حالة البطالة وما يرافقها من حرمان ومعاناة ،كثيراً ما يصيب الأفراد بالاكتئاب إذا ارتفعت معدلات الاكتئاب فبلغت نسبة 3 بالمئة،كما ان الحالة النفسية تكون سبباً للإصابة بكثير من الامراض وحالات الاعياء البدني .
وكذلك تؤدي الى هجرة الملاكات الطبية والاطباء ،مما يؤدي الى تدهور المستوى الصحي ( نقص الأدوية وبقية المستلزمات ،عدم مواكبة التطورات العلمية الحاصلة في المجال الطبي ) مما يؤدي الى التدهور في القطاع الصحي وظهور امراض كان العراق في السابق قضي على وجوده.
وكذلك تؤدي البطالة الى هجرة العديد من الكفاءات الاخرى العلمية والفنية،فضال عن اصحاب المواهب والمبدعين في مختلف المجالات ،وذلك بهدف تأمين المستوى الأمن من العيش لهم ولعوائلهم .
ومن المشاكل الامنية للبطالة ،هي جنوح العاطلين عن العمل الى جهات قد تكون ارهابية اومرتبطة بأجندة خارجية وذلك بسبب الإغراءات المادية التي قد توفرها لهم الجهات المغرضة والمعادية للعراق ،وكذلك الجنوح الى ارتفاع في الجرائم والسرقات ووجود مجتمع مفكك الاواصر قابل للاختراق من كل الجهات .
ان ترك مشكلة تفاقم البطالة من دون حل سيؤدي الى وجود قنبلة اجتماعية ونفسية وامنية كبيرة ،اذا انفجرت لا سامح الله سيكون ضحيتها المجتمع العراقي نفسه .
ان البطالة اكبر معول لتهديم المجتمعات وقتل روح الابداع والعمل والوطنية فيه ،وصدق المثل القائل ،ان البطالة ام الرذائل .

















