إن مع العسر يسرا
انها قصة طفل فقير الحال ..كان لارادة الله ان تتغير حياته بالف دينار ..بسبب بره بوالدته ….لنقرأ ما جاء فيها.. من الصباح الباكر اصحو على صوت امي وهي تناديني وتدعوني للفطور ..بيضة مسلوقة وقطعة من الخبز وقدح صغير من الشاي انه غذائي اليومي ..فليس لدى امي من المال كي تجعلني افطر كما يفطر الاطفال الاخرون …فلقد غادرنا ابي بعد ان اغتالته بعض العصابات المسلحة بدون سبب ..ولم يبقى لامي الا اختي الصغيرة …انها تلميذة في اول عام لها في المدرسة …دموع امي التي لا تفارقها ..تحزنني كثيرا ..لعدم قدرتها على شراء ماتحتاجه شقيقتي من مستلزمات الدراسة وحاجتها الاخرى من الملابس …اذهب الى امي مسرعا ..احضنها واقسم لها بانني لست صغيرا وساعمل حتى اوفر لها العيش الكريم …تساعدني على حمل عدتي …تضعها على اكتافي علب من السكائر المتنوعة ..قطع من العلك .مجموعة من اكياس التعبئة اقلام جاف …الى غير ذلك ….تتبعني الى باب بيتنا الصغير ..تقبلني وتوصيني ياولدي ابتعد عن كل شيء حرام ..لاتلوث يدك بما يغضب الله ..اقبل يداها واخرج الى سوح الحياة ..اتجول واتنقل بين المقاهي والتجمعات …في الاسواق قرب المحلات التجارية ..ارى بأم عيني من يلهث للحصول على المال ..بالكذب وخداع الناس وسلع يتم تلميعها وأظهارها على انها جديدة ..اتحدث مع نفسي بعد ان اخذ مني التعب ماخذه ولم اعد اقوى على السير كثيرا ..انهم اغنياء هذه سياراتهم الفارهة مصفوفة بجانب الارصفة يتعاملون بالدولار اللعين ..فلماذا يكذبون ويخدعون الناس …يناديني احدهم لاحمل له صندوق الى سيارته ..يكرمني بقليل من المال اشكر الله عليها ..واتذكر كلمات امي ودموع عينيها ..تزيل عني تعب المسير …هنالك من يشتري مني ويعطيني مبلغا اكثر مما تستحق
بضاعتي ..ارى اطفالا بعمري مع ابائهم بملابس جميله وجوه غير متعبه يتبضعون كثيرا لعب وسيارات صغيره جميله وكرات مختلفه يشتريها الاب …غير مبال لثمنها ..وهناك عربات خشبية يدفعها اطفال اخرون ينقلون بها مايشتري الناس مقابل ثمن بسيط ..ادركت حينها بانني لست وحدي من اعاني …فالكثير من اطفال بلدي قد سرقت حقوقهم من ثروات بلدهم وحقوقهم بالعيش الكريم …لااحد من رعاة بلدي يهتم بامرنا ..فالتفجيرات سرقت ارواح الكثير من اصدقائي ..قتلوا بدون سبب ولا احد يعلم لماذا قتلوا ..اتألم كثيرا وانا ارى اطفالا يحملون حقائبهم الدراسية منهم من عاد من المدرسة ومنهم من يتوجه اليها ….وانا اسير معهم ولكن ليس للدراسة وانما لتامين لقمة العيش لامي واختي الصغيرة ..انه قدري …وبين اهات الحزن والامنيات يناديني رجل مقعد يجلس على عربه معوقين يطلب مني ان انقله الى الجانب الاخر من الشارع …اعتقدت انه رجل فقير ..اخرجت من جيبي الف دينار ووضعتها بيده …اخذها مني بابتسامه عريضة وهو ينظر الي واليها ..قال اقترب ادنوا مني …قال ماذا يعمل ابوك ..قلت انه ميت وامك قلت انها بدون عمل …قال فمن يعينكم قلت انا ..اجهش الرجل بالبكاء وقال لي كيف انتم بهذا الحال وتعطيني الف دينار ..؟؟قلت اعتقدتك فقيرا جائعا …اخذ بيدي وقبل راسي وامرني ان اعيده الى جانب الشارع ..فاشار الي ان اصل به الى احد السيارت الجميلة ..علمت انها سيارته وطلب مني ان اركب معه ..وبين التردد والخوف قلت له الى اين تريد بي ..قال الى بيتكم ..
قلت لماذا ..قال ستعرف لاحقا …ولدى وصولنا الى البيت ترجلت من مقعدي وانزلت العربة وذهبت بها اليه كي يجلس عليها بمساعدتي ..قال اذهب ونادي امك ..دخلت البيت مسرعا تحدثت مع امي سريعا عن هذا الرجل وما حصل له معي ….قال يا أم احمد اتسمحين لي بالدخول …وكان قد عرف اسمي اثناء لقائي الاول معه ..قالت امي تفضل …والحسرة والخجل اضاق عليها صدرها …لعدم وجود مكان لائق يجلس عليه ..الا ان الرجل تدارك الامر ..قال انا جالس على عربتي واني مرتاح لذلك ..طلب من والدتي ان تحكي له قصة حياتنا …وبعد الاستماع اليها ..قال لها انني رجل معاق لااقوى على فعل اي شيء وليس لي احد يعيش معي وقد فارقت زوجتي الحياة منذ سنوات وليس لي من الاولاد ..وقال مبتسما علي ان ارضى بحكم الله
…وانا اليوم بحاجة الى من يعينني في غسل ملابسي واعداد الطعام
واحتاج الى من يساعدني على زيارة الطبيب ….عليه انا اعرض عليك ان تؤجري بيتك الصغير وان تنتقلي الى بيتي لتكملي حياتك واطفالك معي ..طلبت والدتي وقتا من الزمن لدراسة الامر ..وبعد يومين اخبرته هاتفيا بموافقتها على المقترح ..وانتقلنا جميعا للعيش مع هذا الرجل في بيته الجميل في احد مناطق بغداد التي كنت اسمع عن جمالها ولا استطيع الوصول اليها ….سنوات من الزمن عاشها الرجل سعيدا معنا
ولم يبخل علينا بشيء ..اعادني الى دراستي واكملت شقيقتي دراستها …وفي احد الايام طلب الرجل من امي اصطحابنا الى دائرة تسجيل العقاري ..وقام بتسجيل داره الجميل الكبير باسمنا جميعا..ولم يتغير تعاملنا معه بل ازداد اهتمام ورعاية ….حتى وافاه الاجل بعد ان تعرض الى سكتة قلبية …وتم دفنه بكل عناية في احد مقابر بغداد …ونقوم جميعا بزيارته بين فترة واخرى …واليوم شقيقتي الصغيره تعمل مدرسة في احد مدارس بغداد ..اما انا فلقد عدت للسوق الذي كنت اتجول به صغيرا ..ولكن هذه المرة لست بائع سكائر وانما تاجر كبير له اسمه في هذا السوق …وكي لا انسى بقيت محتفظا بالصندوق الخشبي الذي كنت اضع به بضاعتي عندما كنت صغيرا ….انها ارادة القدر ..وهي وصايا والدتي بعدم الاقتراب الى الحرام مهما كانت المغريات وحاجتنا اليها …اسجد اليك ربي شاكرا لانك جعلتني بالف دينار …اصبح تاجرا كبيرا.
خالد الخزرجي – بغداد



















