إنقذوا التاريخ – مقالات – عبدالهادي البابي
لقد أصبح التاريخ الإسلامي اليوم بوقائعه وحوادثه وبمتناقضاته ودسائسه ومكائده يحل محل الدين الإسلامي ..بحيث صار هذا التاريخ عند هذا الجيل بديلاً عن الدين المحمدي الأصيل ، فتاريخنا الإسلامي يمر اليوم بمنعطفات خطرة جداً ، ربما ستؤدي بنا وبأجيالنا إلى التشتت والضياع ..
فهناك اليوم عمليات ممنهجة ومنظمة لتشويه التاريخ الإسلامي تحت عنوان (إعادة كتابة التاريخ) تقوم بها جهات دينية (سياسية) متنافرة طائفياً ، فيُكتب التاريخ بشكل أنفعالي عاطفي بعيد عن الموضوعية وبعيد عن الأمانة العلمية ، ويعمد هؤلاء – بشكل مقصود وبدوافع طائفية ومذهبية – إلى طمس وإلغاء تلك الصفحات المشرقة في هذا التاريخ ، كما وإن هذه الجهات تتجنب الحديث عن عناوينه البارزة ..!! وأنه لمن المؤلم جداً أن نجد في ساحتنا الإسلامية (خصوصاُ الساحات التي يتواجد فيها الكثير من الخرافيين والمتطرفين) من سطحية في التفكير ، وغثائية وجمود في الطرح وذهول عن القرآن والسنة وتحريف للسيرة النبوية ، وبعد منقطع عن الواقع ، وجهلٍ معيب للتاريخ !!
ففي هذه الأجواء الملبدة بغيوم الطائفية ، وفي زمن الزيف والضغط الإجتماعي والإغتصاب الفكري ، تُقلب الحقائق.. وتُغير المعاني.. وتبدل المفاهيم.. ويُمسي الحق غريباً ، وتوضع على وجهه المشرق الجميل البراقع والحجب وأستار الضلالة ، فلا تكاد تتّعرف عليه إلاّ بعد جهدٍ جهيد ، وبحث وتنقيب، كمن يتطلب جوهرة ثمينة من خلال الغبار، ويتحسسها من بين الأوساخ والأتربة ! فلا يرجع بها حتى ينعق الناعقون.. يصيحون به من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله يقولون: إنه لمجنون!.. وما هو بمجنون. ولكن الذين هانوا على ربهم يكذبون !!
وتشتد المصيبة أكثر ، ولاسيما مع شيوع ثقافة عداء ديني جديدة – كان أئمة أهل البيت (عليهم السلام ) يحذرون الناس منها أشد التحذير- ولكن نحن طال علينا الأمد ، وكثر الدخان والدخن، فصعب التمييز على عامة الناس، ولا سيما مع كون الساحة تكاد تخلو ممن يحاول السباحة ضد التيار، أو يرفع صوته، أو يحرك يده مشيراً إلى الأنحراف الحاصل عن الأتجاه الصحيح ، فمن ذا الذي يصبر على مثل هذا ؟! وكيف؟! ومتى يدرك الناس الحقيقة وسط هذا المحيط ؟!
ولكن نقول : أنه لا بد لطلاب الحقيقة من أن يعيدوا دراسة القضايا – أو المشاكل التاريخية الكبرى – بعقلية الناقد المشكك الذي لا يأخذ الأمور على ظواهرها ، أو كما يسمعها أو يقرأها مهما كان مصدرها – سوى قواطع الوحي وثوابت الدين- وأن يُخضعوا (المسلمّات) التاريخية والإجتماعية إلى الفحص وإعادة النظر من جديد.. وإلا أستمر الخطأ يتكرر، والتأريخ يعيد علينا دورته – ويعيد نفسه – في كل جيل!!
فلابد إذاً من قراءة جديدة للتأريخ والمجتمع. ومعايشة الواقع معايشة تقوم على الرصد والتحليل والتقييم ومراجعة المعلومات بأستمرار، إضافة إلى إثارة الموضوعات الحية ومناقشتها مع ذوي الشأن والخبرة، ولاندعها بيد الذين يريد أن يستغلونها ويتكسبوا بها بعد أن غرسوها في عقول الناس البسطاء حتى صارت ديناً وعقيدة ..!!
إن بعض حوادث ووقائع التاريخ الإسلامي تثار اليوم بطريقة (إهتياجية) تغذي النزعة الطائفية إلى أقصى مدياتها المخيفة !!
فكل مايسمعه أبنائنا وبناتنا من دروس عن التاريخ الإسلامي في مدارسهم ماهو إلا محاضرات إنتقائية ومشوشة ، مما يولد الأرتباك عند هذا الجيل عن واقع تاريخه الحقيقي ، كما ينتج عن ذلك إنتكاسة أخلاقية وفكرية تعزل الأجيال المسلمة عن تاريخها المشرف وتصيبه بالأحباط النفسي الذي سيؤدي به إلى هاوية الخمول الحضاري..!!

















