أول مقابلة مع وزير الدفاع الأسبق منذ نيسان 2003 / 1 – 3

1831

أول مقابلة مع وزير الدفاع الأسبق منذ نيسان  2003 / 1 – 3

سلطان هاشم: خير الله كسبني لحزب البعث وليتني سمعت كلام أبي مربي الجِمال

أنقذت 60 ضابطاً من الإعدام وطلبت من الرئيس إبقائي رئيساً للأركان بدل تعييني وزيراً للدفاع

علي السعدي

قصتي مع سلطان هاشم

اهتمامي بقضية الفريق أول ركن سلطان هاشم احمد الطائي ، في مقال كنت قد نشرته على موقع صحيفة ( المثقف ) العراقية بتاريخ 12/ 6/ 2011، مشتقّ من دراسة عن الجيش العراقي ودوره في الدولة العراقية الحديثة مثبتة في كتابي( العراق الجديد – قلق التاريخ وعقدة القوة ) ص184، وقد ذكرت فيه قضية وزير الدفاع الأسبق بعد الحكم عليه بالإعدام وما إثارته من لبس .

ومما جاء في بعض فقرات المقال مايأتي :

 ((من الفصول النادرة في تاريخ العراق الحديث، الذي يكاد يجمع فيه العراقيون ـ أقله في مكونهم العربي بشقيه الشيعي والسّني ـ على إظهار تعاطف بهذه التلقائية مع شخصية عسكرية،إذ ان قصّة العراقيين مع عسكرهم، لا تسودها في الغالب صفحات ودّ كثيرة، نظراً لما في سجل ذلك العسكر من دماء ومجازر، لكن الجنرال سلطان هاشم وزير الدفاع في عهد “صدام” إخترق الذاكرة العراقية ليصل الوجدان، والأغرب انه الوحيد الذي شذّ عن قاعدة العداء لقادة نظام البعث الذي يحملها أغلب العراقيين))

وكان تفسير ذلك التعاطف برأيي ، ربما يعود في بعض وجوهه إلى إنه ( واحد ممن نالوا رتبتهم بكفاءته الشخصية وبإستحقاق تراتبيته العسكرية)

وقد ذكر المقال ان الجنرال المذكور ونظراً لما (عُرف عنه من الهدوء والإتزان، وكان نادر الكلمات، يميل الى الصمت والإختصار، وفيما كان القادة الآخرون يكيلون المديح لصدام ويعدونه بالنصر، أدلى الجنرال سلطان هاشم برأي أكد فيه استحالة الصمود ، وقد صحتّ تقديرات الرجل التي حسب فيها أن العراق سيهزم في بضعة أسابيع وان زمن صدام قد انتهى لامحالة)

(لقد تبيّن ان الجنرال هاشم عسكري محترف، يجيد قراءة الوقائع ، كما انه صادق الكلمة قد يضطر للصمت في المواقف الحرجة،لكنه لا يلجأ إلى المراوغة والخداع ، أما التحول الأكثر وضوحاً، فتمثّل بما ذُكر عن موقف المرجع السيد علي السيستاني الذي كان قد نصح الحكومة بإيجاد مخرج قانوني لقضية سلطان هاشم، يمكنها من تخفيف حكم الإعدام بحقه).

وقد خلص المقال إلى نتيجة مفادها إن الرجل إذا صحّ فيه العفو ، فيمكن الإستعانة بخبرته العسكرية لإعادة بناء وتأهيل الجيش العراقي الجديد ، آخذاً بنظر الإعتبار مقياساً لما كان يتداول عن نسبة ( الضباط ) غير الكفوئين ممن أفرزتهم الأحزاب والقوى السياسية من محازبيها ،دونما أي إعداد وتهيئة كافيين لما تتطلبه المهمة الصعبة للعمل بصفة ضابط ، كذلك مفصلية المرحلة التي كان يمرّ بها العراق .

بعد نشر المقال ،تعرضت لانتقادات شديدة تخللتها اتهامات وطعونات قاسية ،لكن ذلك ما كان ليوقفني عن عزمي في تأليف كتاب عن الجيش العراقي في مرحلة هي الأصعب والأكثر دموية في تاريخ العراق ، خاصة تلك الممتدة منذ عام 1970 – ولغاية 2003- وقد وضعت في اعتباري أن أقابل القادة من الضباط الكبارالذين لعبوا دوراً محوريا في معارك مصيرية فاصلة ، ومن ثم فعلى رأسهم سلطان هاشم الضابط الأكثر شهرة وألمعية من بينهم – أقله فيما ارتسم عنه في أذهان الكثير من العراقيين والعرب – .

لكن الطريق الى لقائه لم تكن ميسرة ،فالرجل سجين مهم ومحكوم بالإعدام ، لذا فمقابلة من هذا النوع لإجراء حوار شامل معه ،هي سابقة لم تحدث من قبل ،لافي العراق ،ولافي بلد آخر .

لكن قيض لي أن أجد من يتعاطف مع طلبي ،بل ويشجعني عليه ،فبصرف النظر عن الموقف من النظام السابق وما ارتكبه بحقّ العراقيين ،إلا ان ماحدث أصبح جزءاً من تاريخ مازال ينعكس بكل ثقله على العراق وشعبه ، لذا فمن حقّ أجيال العراق أن تعرف ماحدث ،وهكذا بدأ المشوار الطويل لترتيبات اللقاء مع سلطان هاشم .

وكان أول المستجيبين النائب الدكتور ابراهيم بحر العلوم ،الذي تحدث شخصياً مع وزير العدل حيدر الزاملي ، ثم تقدم بكتاب رسمي يطلب فيه من الوزير المعني ،مساعدتي في إجراء الحوار مع سلطان هاشم بكوني باحثاً يكتب عن تاريخ الجيش العراقي السابق .

استجاب وزير العدل للطلب وفق الضوابط والاجراءات المتبعة ،وكانت تتضمن الحصول على موافقة النزيل كشرط مسبق ،فضلا عن شروط محددة منها عدم استخدام أية وسيلة لتسجيل اللقاء سواء بالصوت والصورة أو بالصوت وحده ،ومن ثم كان الشرط أن أدخل وحدي على أن تنتدب لي ادارة السجن من يتولى تدوين اللقاء .

ولأن الموضوع أمانة تاريخية ينبغي أن تذكر فيها الحقيقة وحدها ،وكي لايفسح المجال لأيما تشكيك في ما ذكره الفريق أول سلطان هاشم حرفياً ،لذا حاولت أن يكون اللقاء بالصوت والصورة كي تبقى وثيقة قاطعة في صدقيتها ،ومن أجل ذلك ،قمت بزيارة خاصة لوزير الخارجية الدكتور إبراهيم الجعفري الذي رحب بالفكرة واتصل مباشرة مع وزير العدل حيدر الزاملي في محاولة لاقناعة باللقاء المصور لسلطان هاشم وصابر الدوري محافظ كربلاء السابق ،وقد ذكر له مثلاً بأن وفداً من كربلاء جاء لمقابلته حينما كان رئيساً للوزراء ،وذلك كي يتوسط بتخفيف الحكم عن محافظهم السابق صابر الدوري الذي يحفظون له الكثير من المواقف الطيبة لصالحهم .

لكن وزير العدل أصرّ على الإلتزام بالإجراءات المتبعة،وهكذا كان .

بعد المخاطبات الرسمية بين الدوائر المختصة ،جاء اليوم الموعود في 28/2/2016 – التاسعة صباحاً .

خصص لنا المكتب الخاص لمعاون مدير السجن ،وحين دخلت ،كان الفريق أول ركن ووزير الدفاع الأسبق ،يجلس بانتظاري وهو يرتدي بيجامة بنية اللون ،مورد الوجه مبتسم ، وقد بدا عليه الانشراح في معرفته بأني جئت لأجري معه حواراً شاملاً ، لذا رحب بي أكثر بعد أن اهديت له كتابي (العراق – غمد السيف أم درب المعبد ) الصادر في بيروت عام 2012 وأريته ما كتبته عنه .

وما أن قرأ قليلاً عن ذلك ،حتى قال مبتسماً :عليك أن تكتب عني كتاباً بإسم سلطان هاشم ،فأخبرته بأني فعلاً أنوي تأليف كتاب عن الجيش العراقي ،سيكون له فصل كامل إضافة الى بقية القادة – وذكرت له بعضهم مثل صلاح عمر العلي والفريق رعد الحمداني .

قرأت عليه محاور اللقاء والأسئلة الموضوعة لكل محور ،كي يستعيد ترتيب ذاكرته كما قال ،ثم بدأنا رحلتنا التي تواصلت دون انقطاع ، من العاشرة الإ ربع صباحاً ،حتى الساعة الثانية بعد الظهر،أي أكثر من 4 ساعات ، وقد تركته يتحدث كما يشاء ،ولم أتدخل سوى في عنونة وترتيب المحاور كي يأتي اللقاء وفق التسلسل الزمني للأحداث .

وفي نهاية اللقاء ،طلبت منه أن يكتب أذا شاء ،إنطباعه عن هذا اللقاء ،فاستجاب مشكوراً وكتب ما يأتي :

أخي الدكتورعلي السعدي

كنت مسروراً بلقائك هذا اليوم 28/ شباط 2016 في سجن الناصرية المركزي ، وكان الحديث الذي جرى بخصوص مواضيع مختلفة في الجوانب العسكرية وفي مراحل مختلفة والحروب التي خاضها الجيش العراقي طيلة هذه الفترة بايجابياتها وسلبياتها وكان الحوار جيدا وكانت تعليقاتك اللطيفة التي كان لها تأثير جيد على سير الحوار بيننا وكنت مرتاحا جدا لأني تحدثت بكل صراحة عن أرائي بهذا الخصوص ، اتمنى لك التوفيق في مسعاك في ايصال الحقائق التاريخية وتثبيتها بكل امانة وإخلاص واتمنى للعراق العزيز المجد ولشعبه الرفاه والأمان وادعو العلي القدير ان يحفظ العراق وشعبه الأصيل .

سلطان هاشم احمد

28/شباط/2016

–  الأفضل أن يكون أصل الحوار هو كتاب بعنوان سلطان هاشم ،هكذا بدأ لقاؤنا بطلبه بعد قراءته مقتطفات مما كتبته عنه شخصياً وكما ورد أعلاه .

{  سيكون لسلطان هاشم نصيب كبير في الكتاب الذي أنوي تأليفه عن الجيش العراقي في العقود الثلاثة الأخيرة التي سبقت انهيار نظام صدام حسين في التاسع من نيسان 2003 بفعل التدخل الأمريكي ،وهي العقود التي شهدت أطول حرب عرفتها المنطقة عبر تاريخها ،أي حرب الثمان سنوات بين العراق وإيران وماتبعها ونتج عنها ،فمن ترشح أن يشاركك الكتاب ؟؟

–  هناك قادة كبار كان لي شرف معرفتهم والعمل معهم مثل الفرقاء (صلاح عبود) و (محمد عبد القادرالداغستاني ) و(عبد الواحد شنان) و(أياد خليل زكي) و(نزار الخزرجي ) وغيرهم .

لكن ما أود قوله إني سوف أجيب عن الأسئلة التي تخصّ ماعشته وشهدته وكنت جزءا منه ، أما حول ما لا أعرفه شخصياً ، فسوف اذكر عمن رواه ، لذلك سنركز اللقاء فيما يعرفه (سلطان).

{ نعم وهذا ما نريده تحديداً ،إذ نريد أن نستفهم من سلطان هاشم شخصياً عمّا جرى ، لكننا أولاً بحاجة الى معرفة من هو سلطان هاشم ؟وعلى لسانه ، فهل تسرد لنا عن حياتك ،المدنية أو العسكرية ؟

سلطان هاشم أحمد : من مواليد الموصل عام 1945 كما هو مذكور في السجلات الرسمية ،أما في الحقيقة فمواليدي هي 1944 .

أنا من عائلة بسيطة تعتاش على تربية الجمال ورعيها ،وحين عرف أبي عن نيتي التطوع في الجيش لأكون ضابطاً ،نصحني بأن لا أفعل وأبقى مدنياً ،وكأنه كان يشعر بأن العسكرية ستكون عبئاً كبيراً وإن نهايتها لن تكون جيدة .

{ ومن كان يستطيع مقاومة إغراء أن يكون ضابطاً في الجيش ،حيث الهيبة والموقع المتميز والمكانة الإجتماعية البارزة ومحبة البنات؟

–  ربما ، لأني في كل حال ، لم أكن بوارد الإستماع الى نصيحة الوالد ، لذا ما أن حصلت على الشهادة الإعدادية ، من الإعدادية المركزية في الموصل ، حتى تقدمت بطلب الإنتساب الى الكلية العسكرية ، فقبلت في الدورة (43) عام 1963 ثم تخرجت منها برتبة ملازم عام -1966 م.

{ وماذا عن ذكريات الشباب وزهوه خاصة بعد أن أصبحت ضابطاً ؟؟

–  لقد تزوجت من ابنة عمي في العام 1970 بشكل عائلي ، فنحن من قبيلة طي كما هو معروف ،وقد أنجبت منها عشرة أبناء –  إبنتان وثمانية ذكور- أكبرهم أحمد مواليد 1975،وأصغرهم هاشم مواليد 1995،وهم الآن يعملون في مهن مدنية مع أعمامهم ولم يدخل أي منهم السلك العسكري أو الوظيفة الحكومية رغم أن خمسة منهم اكملو الدراسة الجامعية ، أحدهم ماجستير بايولوجي.

{ ربما بعد أن شهدوا مصير والدهم ،لم يرغبوا بتكرار التجربة ، لكن لنتابع معاً سيرتك العسكرية ،التي لاشك إنها حافلة مليئة بالتفاصيل .

–  تدرجت في الجيش من آمر فصيل ، ثم آمر سرية ثم مساعد آمر فوج ، وفي سنة 1995 دخلت كلية الاركان وكنت برتبة رائد وتخرجت منها بعد سنتين عام 1977 .

حين تخرجي من كلية الأركان ،عينت آمرفوج تابع للواء الخامس/ الفرقة الرابعة ، بعدها تسلمت آمرية لواء ، ثم قائد فرقة ، حيث قدمت كل من الفرق التالية : 18 – 15 – 5 – 4 والفرقة 8 .

بعد قيادة الفرق ، تم تعييني رئيساً لأركان فيلق عام 1985 ، ولم يطل الأمر لأتسلم بعدها قيادة فيلق لأبقى في هذا المنصب لمدة خمس سنوات أما الفيالق التي قدتها ،فكانت على التوالي الفيلق السادس ثم الفيلق الأول ، نقلت بعدها الى معاون شؤون الميرة ،ثم مناقلة أخرى كرئيس شؤون العمليات ، بعدها تسلمت منصب رئيس أركان الجيش ثم وزيراً للدفاع من 1995إلى 2003 .

قبل تعييني وزيراً للدفاع ،أرسل الرئيس صدام حسين بطلبي ،وقد كان وحده باستثناء مرافقه الدائم عبد حمود ،وحين أخبرني بقراره ،رجوته أن أبقى كرئيس للأركان ،لكن الأمر قد صدر ،وليس هناك من إمكانية لتغييره.

{ دعني أستفسر حول هذه النقطة ،أليس وزير الدفاع أعلى منصباً من رئيس الأركان ؟؟ ألا يعد ذلك بمثابة تكريم لك ؟

سلطانم هاشم :رئاسة الأركان هي الأقرب الى ما يحصل في الجيش والأكثر قدرة على تقدير الموقف وتحريك القطعات وسواها من القضايا التي تخصّ القوات المسلحة ، في رئاسة الأركان كنت أرى الرئيس مرة كل بضعة أشهر ،أما حين أصبحت وزيراً للدفاع ،فكنا نجتمع معه أسبوعياً كمجلس وزراء .

{ هل كانت رؤية الرئيس تثير في نفسك الخوف ؟

– ليس خوفاً بل حذراً ،كنت حذراً على سمعتي الشخصية والعكسرية أن تمسّ من خلال اتهامي بالخيانة أو ماشابه .

{ هل كانت لك هوايات معينة ؟

– نعم ،كنت رياضياً بارزاً في مسابقات الركض ، أما الجيش ،فلم يكن حرفتي وحسب ،بل هوايتي الكبرى كذلك .

{ كيف كانت علاقتك برجالات الحزب أو بالشخصيات المقربة من صدام حسين كعدي وقصي وقيادات الحزب ؟

– قد تستغرب إذا قلت لك أن معرفتي بالسياسيين تكاد أن تكون معدومة ، فليس هناك ما يمكن وصفه عن علاقتي برجال السياسة ،بمقدار علاقاتي بالقادة العسكريين التي تكاد تقتصر عليهم .

{ على هذا يمكن القول إنك لابد تأثرت ببعض أولئك القادة من العسكريين ؟ هل يمكن ذكرأمثالهم عمن ترك منهم أثراً في حياتك العسكرية ؟

– هناك كثيرون مازلت أحمل لهم الإعجاب واعتبرهم بمثابة معلمين ومربين ،يأتي في مقدمهم شخصية (سعيد حمو) فقد كان قائداً يعيش حياة العسكري المحترف بمناقبية عالية وكان مربياً بحقّ،كذلك عبد الجبار شنشل الذي يمثل ضابطاً نموذجياً ،وأذكر كذلك عبد الجواد ذنون وهو جميل في التعامل والسلوك وكان أعلى مني رتبة،أما نزار الخزرجي ،فكان مثلي الأعلى ،وعن الذين عملت معهم ،هناك أياد خليل زكي – حسين رشيد – عبد الستار المعين ، أحمد ابراهيم عماش – أياد فتيح الراوي – سعدي طعمة فياض ،

وكان وزيراً للدفاع.

{  من كل هؤلاء أو غيرهم ،هل كان لك أصدقاء مقربين ؟بمعنى أن تبوحوا لبعضكم بعض معاناتكم ؟خاصة في سنوات الحرب الطويلة مع إيران مثلاً أو ما تبعها من وقائع ؟

سلطان هاشم (مبتسماً ): إلا هذا ،لم يكن من الوارد أن يبدي أحد منا تذمره أو انتقاده أمام أي ّ كان ،تلك حالات لم تكن مأمونة ، لذا كان الحذر وارداً في كل حال.

{ ذكرت ان علاقتك بالسياسيين لم تكن وثيقة ،ألم يكن لك دور في حزب البعث ؟

–  هل تصدق بأني لم أكن أميل للحياة الحزبية ؟ لذا بقيت حتى عام 1975 ، قبل أن أنتمي للحزب وبتأثير شخصي وإلحاح من عدنان خير الله طلفاح ،كذلك لم أنل العضوية في حزب البعث العربي الاشتراكي إلا عام 1982، وبعد حصولي على أنواط شجاعة ، جاءت ترقيتي الى عضو قيادة فرقة 1989 ،من دون المرور بالترشح كما هو معتاد ،ثم في 1996-1997 أصبحت عضو شعبة بعد أن عينت وزيراً للدفاع ،لأني أساسا لم أكن أميل أن أكون حزبياً ، كانت ميولي تتمحور حول الجيش والعمل العسكري وحسب ،وكان طموحي أقصى طموحي أن أنجح في الجانب العسكري ولولا الحياء من عدنان خير الله طلفاح ،فربما لم أصبح عضواً حزبياً.

{ هل تعتبر إن انتماءك كان خطأ ؟ أو هل كانت لديك أخطاء ندمت عليها وتمنيت لو أنها لم تحصل ؟

–  ليس هناك من إنسان دون أخطاء، لكن معظمها كانت أخطاء ميدانية ، ربما كان خطأي الأبرز إني لم أستمع الى نصيحة والدي الذي لم يكن راغباً في دخولي العسكرية ،وإلا لما كنت تعرضت الى ما أنا فيه الآن .

{ لكن لا تنس إنك كذلك عشت أيام عزّ ومجد ونفوذ ،ألم يكن ذلك كافياً كي لاتندم عليه ؟

–  لم تكن حياتي العسكرية دونما فائدة للآخرين ، أذكر إني في سنوات الحرب العراقية/ الإيرانية ،تمكنت من انقاذ حياة العشرات من الإعدام ، يومها نُقلت من قيادة الفيلق السادس الى قيادة الفيلق الأول وكان ذلك في منتصف العام 1988 م ،أي قبل أشهر قليلة من انتهاء الحرب ، فوجدت أمامي أضابير لمايقرب من (60) عسكريا برتب مختلفة بين ملازم أول وملازم وضباط صف ، سجل عليهم الهروب من الجيش فأحيلوا الى المحاكم وحكم عليهم بالإعدام ، ثم جاء الأمر بتنفيذ الحكم .

أرسلت آمر لواء ومشاور قانوني اسمه (علي) لدراسة أوضاعهم ، وكانو معتقلين بقاعة تابعة للفيلق ، فقدم لي تقريراً إن أكثرهم لديه شهيد أومعاق من ذويه ، يومها كنا نخوض معركة بنجوين وكانت النتائج جيدة بالنسبة لقواتنا ، لذا اتصلت بعدنان خير الله طلفاح بشكل خاص ،ورجوته التدخل مع الرئيس لايقاف التنفيذ أو اصدار عفو بعد أن شرحت له أحوالهم ، وبعد ساعتين تقريباً ، جاء الرد بأن العفو قد تم .

كانت تلك مفاجأة مفرحة ، فأصدرت أمراً بجمعهم في بناية نادي السليمانية العسكري ، وتم أبلاغهم بقرار العفو ، ثم منحت لكل منهم إجازة لمدة 10 أيام ،على أن يتعهدوا بالعودة الى وحداتهم فور الانتهاء من الإجازة ،وفعلاً عادوا جميعا ً دون أن يتخلف منهم أحد.

 {  لقد تعدينا هنا تسلسل الأحداث ،فما رأيك لو عدنا الى بدايتها ،هل كان الجيش مستعداً للدخول في حرب كهذه ؟ هل كنتم تتوقعون حصولها ؟ وأنت شخصياً ماذا كنت تشغل يومها ؟

–  عام 1979- تسلمت آمرية الفوج الخامس مشاة جبلي ، وبقيت فيه الى 1980، قبيل اندلاع المعارك ،حدثت اشتباكات عنيفة في النقاط الممتدة من العمارة الى خانقين ، شملت القصف المتبادل بالمدفعية ، ثم أجريتْ مناورات مفتوحة للجيش العراقي على الحدود ، لكن لم تكن هناك تهيئة نفسية مسبقة لإمكانية حصول الحرب ،لذا جاءت مفاجئة.

كان سبب الحرب في البداية ،عدم تنفيذ إيران لاتفاقية الجزائر ،التي تنصّ على استعادة أراض عراقية لم تنسحب منها إيران طبقاً لبنود الإتفاقية المذكورة ، ومنها (زين القوس) و (سيف سعد).

{ يتبع غدا

مشاركة