قراءة صحفية في دلالة عناوين ملحق الف ياء
العنوان رأي مضاء في حشد من المصابيح
زيد الحلي
ظل العنوان في الصحافة العربية، لا سيّما في الصفحات الثقافية رتيباً، لم يأخذ مداه في الدراسة، ولم اجد من يهتم به إلاّ عند نزرقليل من الزملاء، وكأنه من الموضوعات المحرم مناقشتها، وقد تسبب هذا الاهمال في ضعف اقبال القراء على متابعة الشأن الثقافي.. مع الأسف
غيرانني لمست في صفحات الف ياء بصحيفة الزمان ما ينبئ بأهتمام واضح بموضوعة العنوان وأتمنى ان يلحق بهذا الاهتمام زملاء اخرون ممن يشرفون على الصفحات الثقافية، خدمة للأدب والأبداع والتنوير..
لقد ادرك الزميل كرم نعمة مشرف صفحات الف ياء اهمية العنوان في شد القارئ، حيث أن للعنوان الصحفي، وفي الصفحات الثقافية تحديدا رسالة ووظيفة، هي النفاذ إلى جوهر المقالة الأدبية وتصوير أغوارها وصراعاتها، فالموضوع الثقافي يكون على العموم يابسا لكونه من الموضوعات الفكرية، وعليه ينبغي ان يكون العنوان طريا وهكذا فعل الزميل كرم، فكم من موضوع مهم وحيوي ضيّعه عنوان جامد، وكم من موضوع عادي التوجه، أحياه عنوان مبتكر، فالعنوان مفتاح الدخول الى افكار الكاتب، وبدون عنوان جذاب، تبقى تلك الافكار حبيسة الجدران..
العنوان وافكار الكاتب
ان العنوان الجامع، المبني على الفهم المهني، يغرق القارئ في تفاصيل لذيذة، للحد الذي يشعره وهو يقرأ الموضوع، إن افكار الكاتب تحدثه وتسير معه.. وليس عيباً، الاعتراف بان الصحافة الادبية عندنا تفتقر الى العنوان الذي يسحب القارئ الى المطالعة، فقد جبل الصحفيون الذين يتصدون للاشراف على الصفحات الادبية على اختيار العنوان من متن او من ثنايا ما جاء في المقالة التي يرومون نشرها، غير ان الواقع ينبغي يكون ان على العكس، حيث يتوجب على المحرر الحاذق ان يكون صنو البحار في اختيار الطرائق التي توصل سفينته وركابها الى مايريدون برحلة ممتعة، جميلة، سهلة أي ان يبتكر عنوانا لمادة النشر يكون ضمن محور الفكرة، بوعاء من المكر المهني شبيه بمصطلح فناني المسرح الجدار الرابع وهو جدار وهمي، يراه المخرج ولا يراه المتفرجون لكنهم يحسون به من خلال الأفكار التي جاء بها مؤلف المسرحية ومخرجها..
وأكاد اجزم، بأن معظم، وربما جميع العناوين، التي ظهرت في صفحات الف ياء هي من صنع مشرف الصفحات، فالمواضيع الادبية، لاسيّما تلك التي تأتي بالجديد في المجال الفكري والثقافي هي كالشمس لايرى كنوزها إلا من كانت له عين نسر، وبالتجربة اقول ان الزميل كرم يمتلك تلك العين، وهذا الجزم متأت من معرفتي بزملائي الكتاب الذين يهتمون بالمضمون أكثر من أشغال انفسهم بأختيار العنوان الذي يجذب القارئ الى كتاباتهم، وأظن انهم تعودوا الكسل وانا أحدهم، فأوكلوا المهمة الى الزميل كرم نعمة، ناسين ان تلك المهمة شاقة جدا، وأني لأعجب لشخص يختار عناوين مواد اربع صفحات ثقافية يومية، دون ان يتعب..وها انا ارفع قبعتي لهذا الجهد، غير المرئي، الذي لا يعرف صعوبته إلاً لمن عاناه.. انني دائما ما أكرر ان العنوان هو وجه الصبية الحلوة، وما عداه فهو تحت الملابس
مقبلات ما قبل القراءة
وميزة عناوين صفحات الف ياء انها عناوين غير مكررة، وتلك صعوبة كبيرة، تستدعي حضورا مهنيا عالي الذكاء، وهي عناوين متمكنة من اللغة ولها اسلوبها الخاص في التورية غير الخادعة للقارئ، وهي مثل المقبلات، متنوعة الشهية، التي تسبق الوجبة الرئيسة
واسمح لنفسي ، قراءة نماذج من عناوين متفرقة في الف ياء لملاحظة البعد الثقافي والاعلامي فيها عدد 16 ايلول 2009 المنجز السردي العراقي يبهر القراء ويفشل في الترويج عربياً وفي ايلول ايضا سيرة المفتون بين اللغوي والميتالغوي وفي 27 ايار من السنة ذاتها في موضوع عن علم الاجتماع الانسان صانع الحياة.. إنه في خطر وفي العدد ذاته جسد ضئيل يصيب الزمن بالشيخوخة وفي 8 نيسان 2010 نجد قراءة لقصائد محمود البريكان تحت هذا العنوان القصيدة تستكشف الظلام وفي عدد 24 كانون الثاني عام 201 نقرأ هذا العنوان تفكيك عبث الجنون والعبقرية وفي العدد نفسه ابنة الصحراءمسكونة بواجهات المدينة وفي الخامس من الشهر ذاته العنصرية تستيقظ في متن التاريخ .
وفي 28 شباط 2011 نطالع العنوان التالي في موضوع عن القاص محمود عبد الوهاب السرد فعل لصياغة الموت وفي عنوان يتحدث عن القاص محمود سعيد لغة سردية مسكونة بعواطف الخيبة وفي اعداد متفرقة أدباء يمارسون دور الضحية بأمتياز و القص يحفظ اليومي من التفتت والغياب وموضوع عن القاصة الامريكية لويزا دريك حمل هذا العنوان الذكي شظايا ذاكرتي مدفونة في قصصي وفي موضوع عن القاص محمد الجمل نطالع العنوان الإيحائي الجميل الخروج من معطف تشيخوف الى رداء فلاح مصري وفي موضوع يتحدث عن الادباء العراقيين المغتربين، نقرأ هذا العنوان الجميل الذي ابهرني في أخوانيته شاي مقهى المغتربين مازال ساخناً و.. و.. عناوين اخرى سجلتها الف ياء بصمة في تاريخ الصحافة الثقافية العربية .
سردية جذابة
ان العنوان في الف ياء الى جانب أختيار فقرة او جملة تصاحب المقالة المنشورة من المقالة ذاتها ، تجعل القارئ يحس بوحدة سردية ذات بداية جذابة ونهاية مشوقة، وتلك احدى سمات مواضيع الصفحات الثقافية الاربع في صحيفة دولية كصحيفة الزمان والعنوان في الصفحات الثقافية هو نوع من الرأي، لأنه يعكس رؤية المشرف للمشهد الثقافي بعموميته، ولا يخوض مهمة اختيار العنوان إلاّ لمن كانت له تجربة مهمة وطويلة في العمل الصجفي. ولم اسمع بأسم صحفي كبير إلاّ وكان من المبرزين بين اقرانه في كتابة العنوان المتميز، حتى ان الامر يبدو ان هناك صلة غير واضحة بين السطوع الصحفي وبين مهارات اختيار العنوان، بمعنى ان الصحفي الناجح لا بد ان يكون ملماً بحرفية اختيار العناوين الحذابة، المحتوية على معايير مهنية بعيدة عن التهريج والمبالغة، وهكذا أجد العنوان عند الزميل كرم نعمة، انه يتطابق مع المضمون لكنه بعيد عن النصية، مما يجعله يكون مثيرا للإنتباه، جذابا دقيقا ومختصرا.. فالعنوان العام الذي لا يحمل مضامين غير محددة لا يشد إنتباه القارئ، ما يجعله لا يكترث للموضوع المنشور..
وختاماً، أعرف ان التطرق الى اهمية العنوان الصحفي في هذه المقالة المبتسرة، ستثير بلا شك، زعل الكثيرين من زملائي الصحفيين، إذ ربما يعتبرون ان ما جئت به من أمثلة هي مجاملة لمطبوع اكتب فيه، لكني اقول وأيم الحق، انني ما توجهت إلى هذا الموضوع الشائك والحساس، إلا ليقين راسخ، بأن ما يختلج في نفسي ينبغي عليّ أظهاره للعلن، تاركاً للمختصين، التدقيق والتحقيق وصولاً إلي الحقيقة، لأن مهمة القلب هي الإدراك والإحساس، وعلى العقل تفسير الظواهر وتحليلها..
/7/2012 Issue 4243 – Date 5 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4243 التاريخ 5»7»2012
AZP09






















