الخزاف رعد الدليمي وتحويل التراب إلى ذهب
فسيفساء تكشف كوامن الجمال
فيصل عبد الحسن
أعمال الخزف التي إبدعها الفنان رعد الدليمي في معارضه الكثيرة تحيل الرائي إلى انوار المعرفة الحقيقية، التي لا يراها إلا قلة من العارفين، فهم يرون ما خفي على غيرهم، فالجمال المبثوث في أعماله تأتي من وحدات بنائية فسيفسائية، أعتمدها الفنان، ومنها توظيفه للحرف العربي، وقد جرب فنانون تشكيليون كثيرون أستخدام الحرف العربي في لوحاتهم ونجحوا، فأضفى الحرف على أعمالهم التشكيلية أبعادا فلسفية وروحية وجمالا أخاذا، كالفنانين ضياء العزاوي، جميل حمودي، شاكر حسن، مديحة عمر، علاء إسماعيل، حسين محمد، جاسم محمد، وجاسم حميد، مصطفى السامرائي، أحمد عبد الرزاق وغيرهم، وأستخدم الفنان رعد الدليمي اضافة إلى الحرف والخط العربي الرسم التشكيلي، والتزجيج كمعاملة كيميائية تأتي بنتائج فنية، وتضفي جمالا آخاذا على المشغولة التي يعمل عليها الفنان، فوظف الفنان بنائيات فنية في الخزف كالخط العربي، ومساقط الهندسة المعمارية فالشكل الخزفي بشكل ما كما يعتقد الفنان معمار مصغر وكذلك أضاف فن النحت، الذي أضفى على أعمال الفنان هالة من الجمال، لمعرفة الفنان بأسرار هذه الفنون، وجعلها في خدمة ما قدمه من أعمال خزفية.
التراب والذهب
رعد الدليمي، خطاط ومزخرف ورسام ومصمم وخزاف وظف كل هذه المواهب والخبرات، فيما قدمه من أعمال جامعة، وتعتبرأعماله من الأعمال المهمة في الخزف أضافة لأعمال خزافين عراقيين أمثال سعد شاكر وماهر السامرائي وأكرم ناجي وطارق إبراهيم وشنيار عبد الله، وغيرهم من المبدعين في هذا الفن، وقد وضعوا فن الخزف العراقي في مرحلة متقدمة، وجعلوه يتفوق في مناحي كثيرة على الكثير من أعمال الخزافين في العالم بالرغم من تطور الوسائل الصناعية في العالم، وخصوصا في أوربا، كالأفران ووسائل الأنتاج التقنية الأخرى، والدعم المالي غير المحدود في تلك الدول لهذا الفن الجميل، وأحتضان الدول لفنانيها، وأتاحة مختلف الفرص لتسويق منتجاتهم، وكل هذه التسهيلات غير متوفرة لخزافنا العراقي للأسف، مما جعل الكثيرين من الموهوبين في هذا الفن الأصيل يتوقفون عند منتصف الطريق.
أن ما إبدعه الفنان رعد الدليمي يذكرنا بحلم الأجداد ب تحويل التراب إلى ذهب وهو بالفعل ما فعله الدليمي وحوله إلى هذا المعدن النفيس من خلال ما أضفاه عليه من روحه، ليجعله مبهرا، متألقا، معبرا في الوقت نفسه عن أفكار وفلسفة عميقة، أنه يفكر بدلا عنا بوحدة الخالق ودقيق صنعه، وجماله، فمن الطين خلقنا الله تعالى، وإليه نعود، ومن ذلك الصلصال أيضا يمكن أن نرى كيف يمكن أن نعبر عن الجمال المبثوث فينا، فنرى أسماء الله مخطوطة على الطين، إن الفنان تحدث بلغة فطرتنا، وقال لنا من خلالها أن الله واحد، خالق، بارىء، مصور، وبكل مواصفات الخط العربي وجماله، مع صور تشكيلية لمنائر، وقبب فيروزية، تكاد تسمع من خلالها تصاعد البسملات، والتسابيح بحمد الله تعالى، أنه ينقلك في أعماله الفنية إلى عالم نوراني، ويأخذ بيدك لتراه رأي العين، مجسدا، مشعا بالجمال، متألقا بالألوان، من خلال عمله الدؤوب في الصلصال، وما يبثه فينا إبداعه من مشاعر فياضة خصوصا بعدما تنتهي معاملته حراريا لمشغولاته، وتتحول إلى عالم من اللون الشذري والفيروزي المتدرج، الآخاذ، وربما يطعمه الفنان بالذهب الخالص، فيضيف على الجمال جمالا، وعندها يصدق الرائي أن الفنان الساحر نجح بتحويل التراب إلى ذهب.
لوح الطين
إن تجربة الفنان في فن الخزف تجربة خاصة جدا، كما جاءني في مراسلة خاصة معه.. فقد بدأ خطاطا ثم رساما ثم نحاتا ثم تحول الى الخزف وأحب هذا الفن، وبعد ذلك نفذ بعض الأعمال الخزفية خلال دراسته في كلية الهندسة بجامعة بغداد عام 1983 لوجود فرن كهربائي، ومشغل لطلبة الهندسة المعمارية آنذاك, وكان وقتها يعلم طلاب السنة الأولى من طلاب القسم المعماري الخزف في أوقات فراغه.
وقد شكل له أول معرض خارج العراق، في المملكة الأردنية بالمركز الثقافي الملكي عام1991 بادرة خير وتوفيق، فقد كلف أثناء تواجده في ذلك المعرض بتنفيذ ست جدارايات من السيراميك، وبعد ذلك أقام معرضه الشخصي الاول في قاعة الاورفلي ببغداد عام 1996 وتتالت معارضه الفردية، والجماعية في بغداد في قاعة الأورفلي ومركز الفنون، وحصل على الجائزة التقديرية للدولة في مهرجان بغداد العالمي للفن التشكيلي عام 2002 ولم يتوقف خلال السنوات الماضية عن تطوير أساليبه الفنيه، وفي طرح رؤاه الفنية الخاصة به، التي تستلهم الفكر الإسلامي، وتراثه الغني ما يعزز نصه الخزفي، إذا ما أفترضنا أن هذا النص، هو أمتداد روحي ومادي للنص الطيني الذي كان يكتبه أجدادنا على ألواح من الطين لنقل معارفهم، وتجاربهم الحياتية والفكرية والعقائدية، وأشعارهم، وتصوراتهم عن الوجود والكون والخالق، فالنص الخزفي بشكل ما هو أمتداد طبيعي لذلك النص القديم، وعرض الفنان رعد الدليمي اعماله الفنية الخزفية الجديدة في الامارات العربية المتحدة وسوريا والأردن ولقي الأعجاب في كل مكان عرض فيه أعماله الفنية.
/7/2012 Issue 4243 – Date 5 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4243 التاريخ 5»7»2012
AZP09






















