اليهود عدّوا الزعيم شخصاً وطنياً طموحاً ذا قلب واسع
ضغط البعثيين والقوميين وقمع الشيوعيين فاقم عزلة قاسم ومهد لإطاحته عام 1963
نسيم قزاز
ترجمة صباح ناجي الشيخلي
شارك اليهود في مهرجانات ومسيرات أقيمت بمناسبة أحداث احتفالية. وهكذا، ذكرت إذاعة بغداد على سبيل المثال، أنّ وفدا يضم أبناء الطائفة اليهودية شارك بمسيرة مدنية احتفالية أقيمت في شوارع العاصمة في يوم الثورة المصادف الرابع عشر من تموز 1960.
وأعرب مثقفون يهود عن تعاطفهم مع عبد الكريم قاسم في قصائد مدح وثناء لزعيم الثورة وللوطن العراقي. وهكذا، نظم الشاعر أنور شاؤول 1904 ــ 1984 في شهر مايس 1959، على سبيل المثال الذي عُد من زعماء الطائفة، قصيدة تحت عنوان وطن الأحرار التي ألقاها في مراسيم توزيع جوائز على تلاميذ وتلميذات المدرسة اليهودية فرانك عيني ــ شماس . وحضر هذه المراسيم وزير التربية العقيد محي الدين عبد الحميد. وكال أنور شاؤول في هذه القصيدة الممتدة في نطاق ثلاثين بيتا، الثناء والمديح للوطن العراقي ولعبد الكريم قاسم ذاته. وبعد ما يقارب من أسبوعين من ذلك، في الأول من حزيران 1959 المصادف يوم الطفل العالميّ، نشر شاؤول قصيدة تضم ثمانية أبيات ختمها بتملق للزعيم الأوحد حسبما أطلق على قاسم في وسائل الاتصال العراقية.
بيع أثاث
بالرغم من حرية التحرك وإمكانيات بيع الأثاث والممتلكات ومغادرة العراق بشكل علني زمن حكم قاسم، كان عدد اليهود الذين هاجروا منه قليلا في تلك السنوات. فقد عاشوا بوهم أن هذا الوضع سيستمر لمدة طويلة. وانبهرت أعين الأغلبية بالتحسن الظاهر لوضع اليهود، وقام رجال الأعمال بتحويل الأموال من الخارج بغية استثمارها في العراق. تقريبا، يشير جميع مدوني الذكريات من اليهود الذين مكثوا في العراق إبان حقبة حكم قاسم إلى أنهم قاموا برحلات ونزهات في خارج العراق، إذ التقوا بأقارب ومعارف قدموا النصح لهم باستغلال الفرصة ومغادرة العراق، بيد أنهم رفضوا الفكرة لاعتقادهم أن ما يأملون هو الأمن والمستقبل المشرق فيه. وقدم الدكتور سلمان درويش تعبيرا أمينا لهذه الروحية، حينما عاد من رحلة أجراها في العام 1962 جاء فيها
التقينا في بيروت حسبما توقعنا، بعدد كبير من يهود العراق. وأثنى الجميع على وضع اليهود وأشاروا إلى عدم اتخاذ أية إجراءات جديدة ضدهم، وكذلك ما تزال شروط مغادرة العراق مريحة وهي في متناول كل من يريد ذلك. وبعد أن وُصف الوضع في العراق لدرويش مزركشا بألوان وردية، قصد العراق وزار غداة عودته الحاخام ساسون خضوري في بيته وهناك دار الحديث الآتي
…… سألني الحاخام ماذا يظن يهود لندن بنا ؟
ــ أجبته إنهم يوجهون نقدا شديدا لنا، لأننا لا ننتهز فرصة مغادرة العراق بشكل نهائي، طالما يمكننا الحصول على جوازات سفر.
ــ فقال الحاخام ولِم نفعل ذلك؟ أليس الوضع هادئا والسفر إلى خارج العراق في متناول كل من يروم ذلك ؟
ــ أجبته إنهم مدركون للظروف الحالية الجيدة، لكن هل بالإمكان تأمين ذلك مستقبلا؟
ــ فردّ كلا
ــ وأجبته هم يقنعوننا بذلك. هم يثبتون لنا ذلك.
ــ فردّ يبدو أنّ تغييرا أو انحرافا ما قد طرأ على فكرك. أثار هذا الحديث الذي دار في صالة بيت الحاخام وحضره بعض رؤوساء الطائفة أيضا، استياء الحاخام ساسون خضوري الذي كان من بين الرؤوساء المنادين بجعل العراق شرقي النزعة . وأحس الحاضرون ومن بينهم أنور شاؤول، بالاستياء فألمحوا إلى الدكتور درويش بتخفيف نغمة الحديث وحدته. حينذاك أجاب بوصفه معتذرا قائلا
….. حضرة الحاخام، أنا أعرب عن رأي أولئك الذين إلتقيتهم في لندن ولا أعبَر عن رأيي الشخصيّ. وأنا أؤكد لك حضرة الحاخام إننا الموجودون هنا، ما نزال مستمرين بدعم رأيك القائل بأن ليس لنا مكان في العالم أفضل من العراق. فعلا، واصل يهودُ العراق في ذلك الوقت الاهتمام بالاحتفالات والحفلات الفخمة. وهم رفضوا التفكير في مستقبلهم ومصيرهم على المدى البعيد، وهم لم يتكهنوا بأنّ المستقبل يحمل لهم بين طياته أحداثا مرعبة لم يعرفوا مثيلها طوال مجمل تأريخهم في بلاد النهرين.
سقوط الزعيم
أودع قاسم في الرابع عشر من تموز عام 1958 أيضا رئاسة الجمهورية بأيدي مجلس سيادة يضم ثلاث شخصيات محترمة بيد أنها ضعيفة. ومن جهة أخرى، اشتمل مجلس الوزراء الذي عينه هو أيضا، على شخصيات مركزية تمثل جميع ألوان الطيف السياسي للنظام السابق. وترأس قاسم الحكومة بنفسه، وشغل منصب وزير الدفاع أيضا. وسرعان ما تجلت اختلافات في الرأي بين مختلف العناصر التي نفذت أو دعمت الثورة. وأكتشف سريعا أنصارُ الرئيس المصري جمال عبد الناصر وأعضاء جماعة البعث أن قاسم قرّر المحافظة على استقلال العراق من مغبة ناصر والوحدة العربية، فشرعوا بتقويض مكانته مع نائبه عبد السلام عارف. ودُفع قاسم من جانبه نحو حلف الشيوعيين الذين عارضوا بشدة أن يكون العراق خاضعا لسلطة ناصر. وانتفض معارضو قاسم القوميون في الثامن من آذار 1959 في الموصل الكائنة شمال العراق برئاسة العقيد الشواف. وقدمت الجمهورية العربية المتحدة ــ التي تضم مصر وسوريا المساعدة للمتمردين بإذاعاتها، بيد أن الجيش الموجود في وسط المدينة بقي مخلصا لقاسم، وأخمد التمرد في العاشر من الشهر عبر الاستعانة بالشيوعيين. وجرى في أعقاب التمرد تطهير واسع في الجيش وقُدر عدد الضحايا خلال أيام التمرد بالمئات أو بالآلاف.
لكنّ كره المتعصبين العرب وحقدهم قد طفح كيله، إذ نفَذ أعضاء البعث في السابع من تشرين الأول عام 1959، محاولة لاغتيال قاسم. وأصيب قاسم بجروح خطرة بيد أنه نجا من ذلك. وكانت استعانة قاسم بالشيوعيين لقمع تمرد الشواف لا مفرّ منه. فهو لم يرغب بالتحول إلى أداة بأيديهم بل العكس، وعندما ازدادت قوتهم عما هو مخمن لها، قرّر قصّ أجنحتهم وحينما عدلوا عن دعمه بشكل كامل أراد القصاص منهم.
ترك فقدان دعم الشيوعيين، وكرهُ الناصريين وأعضاءُ البعث ، قاسما خاسرا من الجهتين ومنذ عام 1961 بقي قاسم دون إسناد جماهيري أو سياسي، وأخذ وضعه يتفاقم. واستمرت الأوساط القومية والموالية للعرب بمؤامراتها ضده وقررت الإطاحة به. وفي يوم الجمعة الثامن من شباط 1963، أطاحت مؤامرة بقاسم نفذتها جماعةُ البعث السرية والمتعاطفون معها من بين مجموعة الضباط العسكريين. ففي ساعات الصباح احتلت قوة مدرعة محطة الإذاعة وقُصفت وزارة الدفاع بالقذائف وطوَق الإنقلابيون وزارة الدفاع الكائنة في بغداد. واستنجد قاسم بالشيوعيين إذ هبّ أولئك لنجدته، وأخرجوا جمهورا غفيرا في الشوارع. وكانت نتيجة ذلك إراقة دماء غزيرة، غير أنّ عامل الحسم كان لصالح الجيش. وكانت وزارة الدفاع التي هي مركز المعارضة العسكرية الوحيد، معزولة عن الجمهور الذي أخرجه الشيوعيون إلى الشوارع. واستسلم قاسم في اليوم الثاني عند الظهر وأعدم رميا بالرصاص. بعد قتل قاسم بثّ التلفزيون صورة جثته المقطعة الأوصال لزيادة الفظاعة. وشكَل ذلك تشجيعا للمذابح التي وقعت في جميع أرجاء العراق، التي فاق حجمها جميع سابقاتها.
وبعد موته اكتنفت شخصية قاسم هالة من السحر والقدسية. فقد منحه اهتمامه بمشاكل العراق الداخلية وقلقه على الطبقات الضعيفة، حبا وشعبية من لدن أوساط مؤيديه وبسطاء الشعب. ورفض العديد من أنصاره التصديق بأنه ميت، واعتقدوا أن شخصية قاسم الميت التي بثت على شاشة التلفاز كانت لشبيهه، ومن المؤمل أن يخرج هو من مخبئه ليقود الشعب ثانية. واعتقد آخرون أنه هرب إلى إيران وقد يعود ثانية. وعُد قاسم بنظر اليهود شخصا وطنيا عراقيا طموحا ذا قلب واسع وطباع جيدة. بيد أنه أبتلي بنقص الخبرة وبُعد النظر؛ كذلك كانت تنقصه المشورة النيرة لوسط المقربين منه. وعُدت سنوات حكمه الأربعة والنصف العصر الذهبي بنظر الطائفة اليهودية الصغيرة التي بقيت في العراق بعد الهجرة الجماعية.
ومع تصفية قاسم رجحت كفة الاعتداءات الموجهة ضدّ اليهود المتبقين في العراق. ومن الآن فصاعدا من المزمع أن يواجه اليهود أعمال شغب واعتداءات تأخذ بالتفاقم مع الوقت، بدءا إبان سلطة حكم الأخوين عارف للسنوات من 1963 إلى 1968، ثم خلال سلطة حكم البعث التي بلغت فيها الهجمات مديات لا سابق لها في تأريخ العراق الحديث.
/7/2012 Issue 4242 – Date 4 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4242 التاريخ 4»7»2012
AZP07






















