الثقافة تصنع محتوى مختلفاً في لجة الحياة المعاصرة

الثقافة تصنع محتوى مختلفاً في لجة الحياة المعاصرة
الفردوس المفقود الاعتراف المتأخر بالمشاعر المؤلمة
كاظم الحلاق
في وقت ما من حياتنا شعرنا بأنّ كل شيء على ما يرام وان ثمة انسياب رائع بين عالمنا الداخلي ومحيطنا الخارجي، هذا التوازن بين العالمين جعلنا نحس بالبهجة والرضا عن وضعنا دون الحاجة الى مهدئات.. ولكن بينما نتوغل في شعاب الوجود عرفنا بعد مشاهدة واقعنا عن قرب انه ليس بوسع الحياة ان تستمر على الشاكلة السابقة وان ثمة معاناة واحزانا حولنا بقدر ما ثمة نشوة وسعادة، ويتوجب على كل انسان التعامل مع هذه الدورة من المشاعر، الا اننا لا نريد الاعتراف او تجربة هذه المشاعر المؤلمة، وهذا ما جعلنا نلتجأ الى تعاطي مادة او الاشتراك في حدث او سلوك محاولين استعادة فردوسنا المفقود. المدمن على الجنس ربما يتطلع الى المواقع الاباحية او زيارة نوادي المتعريات او يدلف الى محلات الجنس للتطلع على المجلات الخلاعية او شراء الافلام او يطوف الشوارع للبحث عن موضوع جنسي، المبتلى باستحواذ القمار يتردد على الكازينوهات او صالات اللعب ليضع رهانا او شراء بطاقات اليانصيب، متعاطي الكحول يتوقف في حانته المفضلة وهو بطريقة الى الحفلة ليشرب بعض الاقداح من النبيذ او يخفي زجاجة في البيت للضرورة فحسب. المدمن على العمل يشتغل الى وقت متأخر محاولا انجاز عمل اخر، المفرط في تناول الطعام يغلق الباب على نفسه لالتهام وجبته المفضلة او التسوق من محل اخر غير المحل المعتاد لكي يتجنب الاحراج من العاملين هناك لكثرة شرائه الطعام، المعتمد على المخدرات يتشنق جرعة من مسحوق الكوكائين، او يزرق نفسه بحقنة من الهيروين.. المدمن على التمارين الرياضية يهجر مسؤوليات عائلته وعمله وارتباطاته الاجتماعية لينخرط في رياضته المفضله، المصاب باستحواذ التسوق يشتري الكثير من الاشياء ويرسلها الى نفسه بالبريد لكي يعايش لذة التسلم بعد ايام. هذه التصرفات هي التي تجعلنا نغوص اكثر واكثر في حياة العزلة والبؤس واحترام النفس المتدني، وبالتدريج ستصبح هذه الامور بؤرة حياتنا وشغلنا الشاغل بحيث يتعذر علينا التخلص من التعود والادمان عليها وتبعدنا عن الانسانية والمجتمع الذي نعيش فيه.
المخدرات والادمان على الجنس والكحول والقمار ربما تبدو كهروب من مشاكل الحياة لكنها ليست الحل لتلك المشاكل، عواقب تلك الافعال ستلازم الشخص مدى الحياة، اذا ما استغرق فيها لفترة طويلة ستجعله يفقد صحته، عمله، ماله، عائلته واصدقائه ومن ثم حياته.. اليس هناك من طريق اخر للعيش دون الانغماس في الكحول والمخدرات والقمار والدعارة ممكن ان ينقذ الانسان؟
اننا نعيش في مجتمع مصاب بالادمان، ليس المجتمع الاميركي فحسب بل كل مجتمعات كوكب الارض مصابة بالادمان، مَنْ من الذين تعرفهم غير مدمن على شيء ما؟ قد يكون الادمان غير خطير لكن هل تعرف احدا ما غير معتمد على سلوك او مادة او اكثر من هذه المواد الكافيين، النيكوتين، السكر، الكحول، مشاهدة التلفاز، القلق، الطعام، الانترنت، التسوق، السفر، الجنس، المواقع الاباحية، الوصفات الطبية، العقاقير، الدين او التمارين الرياضية؟
كيف نعرّف المدمن؟ حينما نستخدم كلمة مدمن فاننا نعني فقدان القدرة على اختيار الدرجة او الحد في التورط مع مادة او سلوك، تجربة الاعتماد على شيء خارج انفسنا لتحقيق بعض الراحة المؤقتة او الشعور بالانتشاء والرضا، جميع انواع الادمان هي نتيجة تجنب او مطاردة مشاعر ما.
الشخصية الادمانية
وفقا الى W.R.MILER يمكن للشخص ان يكون مدمنا، معتمدا على، او مجبرا على القيام بأيّ نشاط بشكل استحواذي؛ مادة او موضوع، او سلوك بوسعه ان يقدم له او لها لذة. اشار بعض الباحثين الى التشابه بين الادمان المادي على انواع كيماوية مختلفة كالكحول والكوكائين والهيروين والادمان النفسي مثل استحواذ القمار، الجنس، العمل، الرياضة والافراط في تناول الطعام. السبب في ذلك ان هذه الانشطة السلوكية تُحدث تحررا في مادة الاندورفين الموجودة في الدماغ والتي تجعل الشخص يشعر بالبهجة والانطلاق، اذا واصل الشخص الانهماك في نشاط لكي يحصل على مثل هذا الشعور من النشاط والخفةEUPHORIA فانه او انها من المحتمل ان تنساق في دائرة الادمان، وبعمل ذلك سيكون الشخص مدمنا على كيمياء دماغه، وهذا يفضي الى استمرار السلوك بغض النظر عن الاذى الذي يسببه لصحة الشخص او العواقب الاجتماعية.
يجد بعض الناس ان من السهولة مقارنة بالاخرين الاقلاع والتحرر من انواع السلوك والمواد الادمانية.. الكثير من الجنود الاميركيين الذين اعتادوا على تدخين الحشيش في فيتنام لم يواجهوا صعوبة في ترك عادتهم عند عودتهم، بينما اصبح البعض مدمنين بيأس، من الممكن ان يعزى ذلك الى الظروف التي لاقوها.. يدخن الكثير من الناس خلال الحرب بسبب التوتر وانهم لا يجدون صعوبة في ترك التدخين حينما تنتهي الحرب، بسبب ازالة التوتر. ربما ممكن تفسير ذلك بسهولة، أيّ نتيجة تغيّر الظروف.. لكن ذلك غير كاف، لأن الاشخاص المتسمين بالسلوك الادماني سيبقون خائضين في انواع ادمانهم بالرغم من تغير الظروف، هذا يزيد من امكانية وجود للشخصية الادمانية. انظر، Human psychopharmacology,vol,1
هذا لا يعني ان نلوم عوائلنا او مجتمعنا بسبب مشاكلنا، اذا ما فعلنا، فان ذلك سيعمق تفكيرنا الادماني من خلال لوم العالم الخارجي، على العكس من ذلك فان النقاهة والاستشفاء من مرض الادمان يعني تحمل مسؤولية حياتنا الخاصة، ومع ذلك قبل ان نحرر انفسنا من هذه الافكار والمعتقدات الادمانية من الافضل تفحص الماضي واستئصال أي رسالة تسلمناه ونحن اطفال تجعلنا عرضة للادمان، في الاغلب كلما فهمنا اخطاء الماضي من الارجح باننا لا نكررها.
السمات الشائعة
بين انواع السلوك الادمانية
ثمة الكثير من السمات المتشابهة بين انواع مختلفة من السلوك الادماني، اول هذه السمات يصبح الشخص مشغولا او مستحوذا عليه من قبل النشاط او الموضوع او المادة وينشد تحقيق السلوك او الحصول على المادة، وفي الغالب يخلق هذا التحقيق اذى في العمل والعلاقات الشخصية.. سيكرر الشخص الفعل مرة وثانية واخرى حتى لو لم يرد ذلك، الا انه يفعله لكونه مجبرا على القيام به.. عند التوقف من اداء النشاط فان اعراض الانقطاع تظهر على الشخص مثل الاكتئاب، التوق او اللهفة لممارسة السلوك، عدم الراحة، القلق، يبدو ان الشخص قد فقد السيطرة على متى يبدأ ومتى يتوقف وكمية الطاقة او المال الذي يكرسه لموضوع ادمانه، الانكار صفة شائعة، في الغالب المتسم بالسلوك الادماني ينكر او تنكر المشاكل الناتجة عن ذلك السلوك حتى لو رأى الاخرون تلك النتائج السلبية.. الاشخاص المتصفون بالسلوك الادماني في العادة لديهم احترام متدني لانفسهم ويشعرون بالقلق والاكتئاب اذا ما فشلوا في السيطرة على بيئتهم.
اعراض السلوك الادماني
الفراغ الداخلي الشعور بالفراغ يجعل الشخص يشترك او يتورط في افعال محاولا سد او ملء هذا الفراغ؛ تعاطي مخدر، ايجاد شخص ما، تناول الكحول، التهام الطعام، بالنسبة للمقامر المدمن يبدو ان الحياة قد تجمدت في الخارج ولا شيء يشغل الذهن سوى المراهنة.. بشكل عام المدمنون يفتقرون الى المعنى والغرض في الحياة، انهم ينساقون في تيار الوجود دون اتجاه، عدم التكريس هذا لاي شيء والافتقار للالتزام يجعل مادة او موضوع الادمان اكثر جاذبية، متابعة الرهان للمقامر وتعاطي جرعة للمدمن على المخدرات او التهام وجبة للمفرط في تناول الطعام يعني ايجاد غرض يجعل هذا الشعور المنغص باللامعنى اكثر تحملا..
الشعور بالوحدة عادة ما يبدأ الادمان من الشعور بالوحدة او الاكتئاب، الالتفات الى المخدرات او الكحول او القمار او كل هذه في ان واحد يبدو بانه الخيار الاسهل للتطبيب او العلاج الذاتي والتخلص من مشاعر الوحدة، لا احد يحب ان يكون وحيدا، وربما اننا نثمن وقتنا ونخصصه لانفسنا احيانا ولا نكترث لامضاء ليلة هادئة في البيت لوحدنا، لكن حينما نجبر على امضاء الوقت بمفردنا ويتملكنا الشعور بالعزلة فمن السهولة ان نلتجيء للادمان للتخلص من مشاعر الوحدة المؤلمة. ان يكون الشخص منعزلا ممكن ان يختبر كتجربة ايجابية وممتعة ومنعشة عاطفيا اذا ما كانت باختيار الشخص وتحت سيطرته بينما الشعور بالوحدة هو عزلة بدون اختيار.
ذهنية الاصلاح العاجل اعتاد المتسمون بالسلوك الادماني على إصلاح مشاعرهم غير المريحة بالادمان، وبالنتيجة انهم غير صبورين ويتوقعون اذا ما حاولوا ان يكفوا عن الانهماك في سلوكهم ستحدث معجزة او تغير لحظوي او سحري في حياتهم وهذا احد الاسباب التي تجعلهم ينتكسون، انهم غير قادرين على تحمل الآلام التي تحدثه اعراض الانقطاع. بوسعنا ان نرى هذه الذهنية او طريقة التفكير في شخصية كل مدمن.. المدمن يريد كل شيء الان وهنا من غير بذل الجهود لكي يحقق ما يريد او ينتظر الظروف الملائمة,, اصحاب هذه الذهنية انهم شديدو الحساسية للانتقاد لكنهم غير حساسين لمشاعر الاخرين..
الخوف الخوف من الحياة يبدأ عند الطفولة بسبب سوء المعاملة التي يتلقاها الطفل من قبل والديه او المشرفين على تربيته او هجرانه او فقدان احد الوالدين.. ونحن اطفال اننا بدون وسائل دفاع لاننا جسديا ونفسيا غير قادرين على ذلك، كما ليس بوسعنا اختيار مع من نكون او اين نعيش حياتنا.. اذا ما اسيئت معاملتنا ونحن اطفال فاننا نفكر اذا ما دافعنا عن انفسنا سنعاقب وايضا اذا ما حاولنا الاعراب عن العواطف السلبية المتعلقة بسوء المعاملة تلك سنعاقب.. وبسبب هذا اننا نعتقد ليس بمقدورنا حماية انفسنا في الحياة بوسيلة طبيعية عبر التواصل المبني على الحقيقة.. لذا اننا نلتجيء الى انواع الادمان لنحمي انفسنا ونسيطر على حياتنا، لكن المشكلة ان الادمان سيفضي الى النتائج المؤذية نفسها التي اعتقدنا بانه سيحمينا منها، بدلا من حمايتنا فانه يعرينا من قدرة الحماية والسيطرة على انفسنا ويسلمنا الى ايدي الاخرين كما لو كنا اطفالا من جديد.. سنصبح عبيدا لموضوع او موضوعات ادماننا وبدلا من السلام فاننا نعيش في الخوف.
الاكتمالية أي النزعة الى رفض كل ما هو دون الكمال في النفس والاخرين والحياة perfectionism، لقد سمعنا بانه لا يوجد شخص كامل، وان كل شخص له عيوبه واخطائه، لكن لا احد منه ياخذ هذه النصيحة من القلب، الشخص التكاملي او الراغب في الاكتمال يشعر بدافع قوي لكي يكون الافضل في كل شيء، ويشعر بالاحباط اذا لم يكن قادرا على مقاربة التوقعات غير الواقعية.. وعلى الرغم من ان الاكتمالية قد تكون سمة صحية للشخصية والتي تقود الناس الى الكفاح من اجل انجاز اعلى الاهداف والنجاح الاجتماعي، لكن الرغبة في ان يكون الشخص كاملا ايضا ارتبطت بالاكتئاب واضطرابات الشخصية ومرض القلب والانتحار.
عدم النضوج النضوج هو القدرة على الثبات والصبر مع الموضوع او الحالة حتى الانتهاء.. البالغون الذين على الدوام يغيرون اعمالهم، اصدقائهم، شركائهم غير ناضجين، ليس بوسع هولاء الثباب لانهم لم ينموا.. كل شيء يبدو متسما بالمرارة بعد بعض الوقت.. النضوج يعني القدرة على مواجهة المحبط والغير المريح دون شكوى او انهيار. الشخص الناضج يعلم بانه ليس باستطاعته ان يحصل على كل شيء، انه قادر على التلاؤم مع الظروف والاشخاص والزمن.
فصل من كتاب بعنوان اسطورة لاس فيغاس
/7/2012 Issue 4242 – Date 4 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4242 التاريخ 4»7»2012
AZP09