حارس الـ ….
أنور محمد طاهر
ترجمة عبدالكريم يحيى الزيباري
في ذلك اليوم قيل له صدرَ أمرُ تعيينك، وتستطيع مباشرة العمل
وفي وقتٍ سابق، كان قد قيلَ له
هذا الموقع الذي تمَّ تعيينك فيه يلائمك جداً، لن تدفع إيجاراً، سوف تتخلص من الغرفة الضيقة التي تسكنها في بيت مزدحمٍ بعائلات أخرى، اليوم صرت مستقلاً بنفسك .
في تلك اللحظة تنفَّس الصعداء، أراد أنْ يتكئَ على الأريكة ويقول لنفسه آخ ـــــــلبي، هاي اللي جنت تريدها . لكنه تراجع عن هذه الفكرة، فهذا السلوك غير لائق في حضرة هذا المسؤول الكبير، فهو ليس في بيت شقيقه عه لو أو بيت جاره سيف الدين . انتبه المسؤول إلى ملامح وجه سه عو المعبرة عن الفرحة التي اجتاحته، كأنَّه قد جعلهُ والياً على مِصْرَ، وإمعاناً في ذلك قال له
لقد أصبحتَ أميراً، لا أحدَ يجاريكَ، ولا أحدَ فوقكَ يتأمَّرُ عليك .
لم يفهم سه عو شيئاً مما قاله المسؤول، لكن ابتسامةً عريضةً ارتسمت على وجهه، حتى بَدَتْ نواجذهُ، وهو يكرِّرُ جملته
نعم سيدي، هذا من فضلكم، أنتم لا تنسونَ أصدقاءكم القدامى.
يبدو أنَّ هذه الكلمات لامست شِغاف قلب المسؤول الكبير، فأضافَ قائلاً
ليس هذا فحسب، لقد خُصِّص لكم مرتب جيد، يغطي احتياجاتك، ويجعلك تنثر الدنانير فوق رأسك نثراً.
كان َ سه عو سيقفزُ من مكانهِ واقفاً ويقول آخ يا كَلبي ، لكنَّهُ ظلَّ جالساً في مكانهِ وقال في نفسه ليش آني شايف فد يوم دينار بجيبي، حتى اطرطر الدنانير فوق راسي .
كأنَّما أراد السيد المسؤول الكبير أنْ يجعلَ من سه عو فاكهةً لمزاجهِ الرائق، فقال له
وفوق كلِّ هذا، هناك مكافآت وهدايا وأشياء أخرى من هنا وهناك.
سه عو غارقٌ في خيالاته وأحلامهِ، بيت ومرتب شهري، وما هذه الأشياء الأخرى من هنا وهناك؟ كان سه عو قد فكر بمئات الجمل وكلمات المدح أيضاً، لكنه حين دخلَ غرفة المسؤول، انبهرَ بأثاثها وديكورها الفاخر، والقنبات التي لم يرَ مثلها، لم يبق في ذاكرته غير جملةٍ واحدة، وانعقدَ لسانهُ، لم يقوَ إلا على هذه الكلمات
هذا لأنَّكم أصحاب وفاء، ولا تنسونَ أصدقاءكم القدامى.
وكإنسانٍ حائرٍ ومندهش، تعلقت عيناه بأثاث الغرفة الفخم، كانت المرة الأولى التي يدخلُ فيها غرفة مسئول رفيع.
في كلِّ الأوقات كنتَ صاحب الأمثال والحِكَم التي تقول
سوف آكلُ لحمَ فخذي، وَلَنْ أقِفَ بباب القصاب.
أو كنت تقول في مناسبة وغير مناسبة
كل خبزك مع الماء ولا تسأل الناس شيئا
واليوم غيرت موقعك واتجاهك السياسي، وتركتَ الحزب الذي ناضلت من أجلهِ سنوات طويلة، وعانيت الكثير من المصائب والآلام في سبيله، ها أنتَ تتوسَّلُ من أجلِ وظيفةٍ أو رغيف خبز. الآن وبعد كلِّ هذه السنين تستجدي المسؤلين وتطرق أبوابهم ليخصصوا لك معاشاً شهرياً، ما دمت من هذا الصنف، كان الأجدى بك أنْ تمارس هذا الاستجداء منذ البداية. انجفلَ، كأنَّما أيقظهُ أحدهم من نومةٍ عميقة، حين التفتَ إليهِ الأستاذ وقال لهُ
واجبٌ علينا جميعاً، أنْ نخدمكم، أنتم المناضلين القدامى، لأنَّكم خميرتنا.
عادَ إلى أفكارهِ تلك، قبل عِدَّة شهور ما كان ليسمعَ مثل هذا الكلام، ما الذي تغير؟
مرات عديدة ومن مسئولين آخرين سمع مثل هذا الكلام الذي لامسَ شغاف قلبهِ، لكنَّهُ كان يعرف أنَّهم يريدون شراءه بهذا الكلام، كي يغير موقفه ويعود إلى حزبهِ، كان يُقلِّبُ في ذهنهِ كلمات الشكر والثناء، كان يعرف أنَّ آمال المسؤولين دوماً تتعلق بمنصبٍ أعلى، ذلك المسؤول أيضاً لاحظَ فرحة سعيد بكلامهِ فقرر أنْ يستمرَّ في العزف على هذا الوتر، فكتبَ كلماتٍ قليلة على ورقةٍ صغيرة، وقال له
خذ هذا المبلغ كمصروف خلال هذه الأيام.
هكذا الأمور إذا أعطى الله، ما بينَ ليلةٍ وضحاها يتغير كل شيء، هكذا كان الأستاذ المسؤول يتحدَّث معه بحميمية عالية، وكأنَّهما كانا يتقاسمان الخبز والبصل عشرين سنة، ما هذا التغيير؟ كم مرة طلبتُ فيها مقابلة الأستاذ، كانوا يقولون الاستاذ في اجتماع مع شخصيات أجنبية، أو اجتماع مع المنظمات الأوربية، الأستاذ يتفقد المشاريع ولن يستقبلَ اليوم أحداً، مرت سنوات ولم تستطع مقابلته، وها أنت اليوم ذلك الـــــــــــــ سعيد نفسه، يستقبلك بهذه الحفاوة، كلُّ هذا لأنَّكَ غيرت اتجاهك السياسي سبحان الله رنَّ موبايل الأستاذ الذي ظلَّ يردِّد نعَم، نعم، الآن، حسناً، تأمر أمرك على الرأس والعين. بعد ذلك قال له
اذهب إلى مديرية البلدية واستلم أمر تعيينك.
هذا هو اليوم الذي تحدث عنه المسؤول الكبير بعدما جمعنا وقال
سيأتي اليوم الذي تديرونَ فيه الدولة، لأنَّكم قادة الشعب والوطن.
كان ينطقُ هذه الكلمات بثقةٍ وشوقٍ كبيرين إلى هذا اليوم، ليجعلنا نُصدِّق ونتطلَّع إلى هذا اليوم معه، وكان يعني بكلامهِ
بنضالكم وعرق جبينكم ودمائكم، سينال شعبكم الحرية والعدالة، ومن حقكم ان تأكلوا من ثمار نضالكم، لأنَّكم حزب الكادحين والعمال والفلاحين، كلُّ الأراضي والمصانع ملككم.
وأعضاء الحزب يرددون هذه الكلمات ويضاعفون هذه الوعود مرتين وثلاث، في اجتماعاتهم مع إضافات رومانسية، حتى يصيرُ أحدهم وكأنَّهُ يرى الجنة عِياناً. وحينَ سألهُ أحدهم
كيف باستطاعتنا نحن العمال والفلاحون إدارة دولة، وثقافتنا لا تتعدى كتابة رسالة قصيرة؟
نظرَ المسؤول إليهِ شزراً وعضَّ شفتيهِ، وقال بغضب
أكبر دولة في العالم يديرها العمَّال، لكي يرى الناس أحلامهم تتحقق على الأرض، وما كان بالأمسِ حلماً، قد صارَ واقعاً نعيشهُ.
يا لحظك السعيد، ستصبحُ موظفاً في الدولة، لو كانت والدتك سه عدا على قيد الحياة، كنتَ ستقول لها
أماه هل تذكربن عندما كنت تقولين لي ما لك يا ولدي ولهذه الأحزاب، لو أصبحت هذه الدنيا كلها لهم، لن تعدو قَدْرَكَ، ولن تكون سوى موظفاً صغيراً أو خادماً.. الآن يا أُمَّاه تعالي انظري ولدكِ مسئولاً في الدولة.
عندما استلمَ أمرَ تعيينهِ، قالت له موظفة الذاتية
لقد أصبحت حارس المقبرة.
اقشعر بدنهُ وكأن أحدهم سكبَ دلو ماءٍ بارد على رأسهِ في أربعينية الشتاء،
اذهب واستلم مفتاح غرفة حارس المقبرة الذي انتقلَ إلى العالم الآخر، خذ المفاتيح من ابنهِ.
تساقطَ على الكرسيِّ، وكأنَّهُ حجرٌ سقطَ من السماء، لم تصدر عنه نأمة، والغرفة بما فيها تدور في عينيه.
حدثَ الزلزال العظيم في الوطن، وانهار النظام الدكتاتوري، بعد ذلك بأيام ذهبَ لزيارة مقر حزبه في تلك المدينة الكبيرة، التقى بأصدقاء النضال والمعتقلات، لم ينتبه إلى ظهورهم التي انحنت من سنوات التشرد، قال لهُ ابن صديقه
عَمَّاه، ها أنتم أعضاء الحزب في الأربعينات، من رجالات القرن الماضي، لماذا كنتم منقطعين عن العالم كل هذه السنين؟
في تلك اللحظة، لَمْ يُعِرْ اهتماماً لهذا السؤال، لكن بعدما جالَ نظره في وجوه رفاقهِ من حولهِ، هزَّ رأسهُ وقال
كان هذا الكلام في محلِّهِ، هل جَفَّت المنابع، فلم ينتمِ أحدٌ إلى الحزب بعد هؤلاء؟
لكن سؤاله بقيَ بلا جواب، وظل هو صامتاً، كانوا يقضون أيامهم في اجترار الأحاديث، ولكلٍّ منهم حكايات وبطولات تمتدُّ إلى جغرافيا الوطن برمته، مدن وقمم جبال كردستان ووديانها، فَضلاً عن الفقر والتشرد في بلاد الغربة، لَمْ يدرِ كيف ظهرَ هذا اللعين المُسمَّى محو ، جاءَ لِيُقَدِّم التهاني بمناسبة افتتاح المقر الجديد، والسؤال عن أحوالنا، علما أنَّهُ شخصٌ ثرثار ومُقْرِف، لكنَّ اللعين كان يستعرض ثقافته بفكرٍ ثاقب، ولديه معلومات عن كلِّ شيء، كأنَّهُ قد عاش ثلاثة أعمار كما كان قارئاً جيداً، منذ التقيته وعيناه تغوصان وتمعنان النظر في وجوه الجميع، فعرفته على من لايعرفه هذا لديه في جوفهِ بحرٌ متلاطم من الكلام، الآن… الآن… سينفجرُ شلالاً هادراً.. وما إنْ توقفت عن الكلام، حتى رمى سهماً وقال
يبدو لي أنَّ حزبكم لم يتطوَّر، كساقيةِ ماءٍ تكاد تجف، بعدما انقطعت روافدها
ما هذا الكلام؟ ماذا تقصد؟ ساقية الماء في مكانها باقية كبحيرة آسنة وراكدة.
التفت إليهِ أحد أصدقائنا من أصحاب القلم وقال
لا يا عمَّاه، أنتَ واهم، لحزبنا فلسفته وآيديولوجيته التي تمتد إلى ما وراء البحار.
كنتُ أعلمُ أنَّ هذا اللعين لن يترك كلمةً حتى يردَّ عليها، ولو كانت من والدهِ
لا … جذور هذه الفلسفة التي امتدَّت إلى ما وراء البحار، صارت قديمة وقد استهلكت حتى أوصلتكم إلى هذا اليوم.
عندما كان لا يزال صبيا في الحارة، كنت أقرأ في عينيهِ النباهة، وتوقعت أنْ يكون له شأن، منذ ذلك الحين كان كلامه أكبر من عمرهِ.
الحقيقة يجب أنْ تُقال.
بعد هذه الكلمات التفتَ وأمعنَ النظر في مَنْ حوله، كانت أعمارهم قد تجاوزت الستين. بعد عِدَّة شهور عاودَ هذا الإبليس محو زيارة مقرنا طالباً الحصول على جزءٍ من مطبوعاتنا، وقال لي
عمو سعيد ماذا تفعل في هذا المقر ليل نهار؟ هل تنتظر القنافذ؟ قد أصبحَ مقركم كهفا مهجوراً عشعشت فيه الطيور لأنَّ أحداً لا يزوركم.
كلام هذا الملعون مدسوسٌ وَمُبَطَّن وملآن ويحتملُ أكثرُ من معنىً، وفي زيارةٍ أخرى لمقرنا قال
عمو سعيد مقركم مهجور وموحش، يصيب ساكنه بالكآبة، كأنَّهُ مقبرة.
أمسكتُ بأذنهِ وقلتُ لهُ
أيها الملعون، لا أبَ لك، أنت من أبناء هذا الجيل الذي يجهل نضالنا وجهودنا، ولا يحترمه.
أرادَ أن يحصرني في زاوية ضيقة، فقال لي
نعم كنتم دائما تتصارعون فيما بينكم كالديكة، وفوهات بنادقكم تصوبونها على صدور إخوتكم.
لم يبقَ كلامٌ لم أقله
يا ابن الحرام كفاك تنكأُ جروحاً قديمة قد التأمت، عندما كنا نناضل، ما كنتَ نطفةً في بطن أمِّكَ بعد، لقد قضينا أعمارنا في السجون والخنادق.
اليوم لو رآني وأنا في المقبرة، سيجعله يومه ويقول
لم يتغير شيء، كنت في المقبرة، وصرت إلى المقبرة، ما الفرق؟
طبعا في الحياة الحزبية، البعض يصعد ويصير من أصحاب القصور والمناصب، ألا تعرف أن السياسة كلعبة الأفعى والدرج، هناك من تبتلعه الأفعى فيهبط إلى أسفل سافلين، وهناك من يرفعه الدَّرج، وآخرين بدلوا أحزابهم فانفتحت أمامهم أبواب الخزائن الموصدة، كأنَّما حصلوا على خاتم سليمان، فاختاروا ما يحلو لهم من مناصب وقطع أراضي وأموال، وأنتَ غيرت اتجاهك السياسي إلى المقبرة وأنت حيٌّ تُرزق، يا لخوفي أنْ تكون مثل ذلك المسيحي الذي اعتنقَ الإسلام ومات فجأة، وظلت أمُّه تنوح عليه وتقول مسكين أنتَ يا ولدي تركت عيسى المسيح ولم يعرفك محمد سه عو إنك لم تتعظ بقول أمِّكَ سعدى عندما كانت تقول
ابني سه عو لا تنظر إلى أبناء الأفندية والأغنياء، إذا سُجنتَ من سيسأل عنك؟ أبناء الأفندية والأغنياء إذا اعتقلوا صباحاً، فإنَّهم لا ريب يتناولون الغداء في بيوتهم.
وعندئذٍ يزدادُ غضبها وتقول
من يسأل عنك أيها اليتيم المعدم ذو الرأس الحمراء؟
أو كانت تقول
لا تكن كالغراب الذي قلَّد مشية الحمامة يا مُعدم الحال، قضيت في السجون وأرض الله مطارداً وقتاً أكثر مما قضيت في بيتك
اليوم تحققت كلمات سعدى عندما كانت تقول
يا ولدي ألا يقر لك قرار، وتجلس في بيتك فترة، ستتوقف الشمس في كبد السَّماء ولن تنال شيئا، لِمَ كلُّ هذا؟ هل سيجعلونك وزيراً؟ ما تجاوزت دراستك ما درسه ولدك الصغير
المقبرة كانت أيام النضال وكراً للاجتماعات الحزبية، بعيداً عن العيون والجواسيس، في تلك الأيام كنت تسأل لماذا نجتمعُ في المقبرة؟ نحن نناضل من أجل إيقاظ الشعب، فلماذا نجتمع في مقبرة الأموات؟ كل هذه الحقول والبساتين الواسعة لماذا لا نتحول إليها؟
كان لكلامهِ وقعٌ بين الرفاق، وكانت كلماتهُ مسموعة، لأنَّهُ هو من كان يتطوع في المهمات الخطيرة ويقوم بأعمالٍ قليل من رفاقه يجرؤون عليها. لَمْ يكنْ لك أيَّة مطالب، كنتَ تأكلُ من كَدِّكَ وعرق جبينك، وكنتَ أستاذاً فناناً في عملك. سه عو أنت الآن حارس المقبرة ماذا تحرس؟ هل سمعتَ يوماً بفرار ميتٍ من المقبرة؟ ماذا فعلت بك الدنيا وأين أوصلتك؟ سه عيدو في تلك الأيام التي ساد فيها شعار مَنْ يتزوج أمي أقول له عمِّي وقفتَ ضده بشراسة وصلابة، وكنتَ تردِّدُ على الأسماع الإنسان عبارة عن موقف، وصاحب المبادئ ثابتٌ كالجبال لا يتغير، والآن ماذا جنيتَ من مبادئك؟ وها أنت في النهاية تلتحق بركبهم، لكنهم سبقوك وحصدوا قمحاً، وليس لك غير الهواء كم من المرات كرر المسؤول المفكر السياسة فنٌّ يحتاج نَبَاهة وشطارة، كراقص السيرك، أيُّ خطأٍ سيؤدي إلى سقطة وينكسرُ أحدُ عظامهِ. كانوا يقولون لسعيدٍ ثروة كبيرة وهي مبادؤه التي لا يحيدُ عنها، كنتَ مَضْرَباً للأمثال في مبدئيتك، التي لا تقبل المساومة، واليوم رفست مبادءك وندمت على كلِّ شيء.
في إحدى الليالي طرق أذنيهِ صوتٌ، كأنَّ أحدهم يلقي خِطاباً، أوجسَ السَّمعَ جيداً، في البداية بدا لهُ كأنَّه يعيشُ حُلماً، لكن بعد أنْ طار النوم من رأسهِ، وبدأ الصوت يعلو.
في هذا الوقت من الليل، ماذا يفعل هنا؟ هل هو مجنون أم سفيه؟
أبداً لم يُصَدِّق أنَّ من الممكن أنَّ ميتاً ينهضُ من قبره خرجَ من غرفته، فاتضَّحَ الصوت أكثر، وراح يسير نحو مصدر الصوت، تلك الجمل والكلمات ما كانت تختلفُ عن الخطب التي يسمعها الجميع عشرات المرات يومياً يكررها رجالات السياسة في الندوات وعلى شاشات التلفاز، حتى الموتى لم يكونوا في منأى عن هذه الضوضاء الفارغة، ربما رجلٌ مريض لم يجد مَنْ يسمعه من الأحياء، فلجأ إلى أهل القبور، كان يتحدث عن التقدم والإصلاح ومكافحة الفساد، كأنَّهُ كان يقرأ مقالة حماسية من إحدى جرائدنا الكردية، التي تطرق هذه المواضيع يومياً حتى صارت علكةً في أفواه الجميع
الحمد لله، أنَّهُ لم يقل لهم سأجعل من هذه المقبرة حديقةً من الزهور، وجنات تجري من تحتها الأنهار، بعدما بَعُدَت الجنَّة وطال بكم البقاء هنا، سأجعل هذا المكان جَنَّةً لكم، والغريب في الأمر تعلق هذا الرجل بالتاريخ إلى درجة الهوس، وكلامهُ مرتبطٌ بنضالهِ ودروهِ الرئيس من أولِّ الكلام إلى آخرهِ، مع إيجاد التبريرات والأعذار لإخفاقاته وسقطاته المتكررة، ولو استعاضَ عن هذا بنظرة مستقبلية لقطعَ أشواطاً ومسافات من مسيرة التقدم.
ظلَّ هو ينظرُ ويتساءل مَنْ هذا المُحاط بهالة القمر وعينين براقتين؟ وازدادت رغبته وهوسه في الكلام بعدما شعرَ بوجود شخصٍ يستمع إليه، فواصل خطبته
ياه، أيَّةُ عاصفةٍ هوجاء أخرجتكَ من فراشكَ ورمتك إلى هنا في منتصفِ هذه الليلة، لتشغل َ نفسك بأحاديث ميتة لا طعمَ لها؟ يبدو أنَّك مثلي مهجورٌ كماكنةٍ قديمة مستهلكة ولا نفعَ من ورائها؟ لكن لافرق بيني وبينك أنَّكَ لا زلت تصدِّق أنَّ الملك حيٌّ ويعيشُ في بغداد.
لا يا عمَّاه، لا ليس الأمر كذلك، لا نفس الطاسة ولا نفس الحمام، لا أنا ولا أنت نستطيع القيام بأيِّ عمل، أنتَ هنا تلقي خِطاباً على الأموات، وأنا حارسٌ على الأموات.
بقيَ ذلك الشخص مستمراً في خطابهِ، بصوتهِ الجهوري وبدرجةٍ عالية من الاحتراف، كأنَّما أمضى حياته كلها في هذا المجال، في تلك الليلة لم يمزق سكونها وهدوءها غير صوته، وأحياناً يأتي صوت نُبَاحِ كلبٍ من بعيد، يبدو أنَّ الأمر اختلطَ على الكلبِ فظنَّ أنَّ الراعي يناديه، ولم يجد غير صمت المقبرة صدىً لخطابهِ، ليلاً ونهاراً يتحدث الساسة ويصرحون ويلقون الخطب، لكن أحداً لم يقل لهم لا، أليس صحيحاً كلهم صامتون وبلا أيِّ صوت، كأنَّما أفواههم مُكمَّمة، فهل يوجد فرقٌ بينهم وبين المقبرة؟
/7/2012 Issue 4242 – Date 4 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4242 التاريخ 4»7»2012
AZP09






















