المحاصصة الطائفية والسياسية وأثرها في الإستقرار

234

المحاصصة الطائفية والسياسية وأثرها في الإستقرار عماد علو منذ تشكل أول حكومة انتقالية بعد الغزو الامريكي للعراق في 2003 وحتى الان بات واضحا” ان ثمة معيار جديد بات يعتمد في إدارة السلطة السياسية في البلاد وان لم ينص عليه الدستور لا صراحة ولا ضمناً ألا وهو مبدأ التوافق في توزيع وتقاسم السلطات في النظام السياسي العراقي او بات يعرف بالعملية السياسية في العراق ، الا أن المرحلة الراهنة والتي يعيشها النظام السياسي في العراق قد صاحبتها الكثير من الازمات التي عكست أشد حالات عدم الاستقرار السياسي في التاريخ العراقي كونها تمثلت باستخدام العنف كوسيلة لإدارة الصراع الاجتماعي بعيداً عن المؤسسات السياسية والدستورية التي يفترض أن تكون هي الوسيلة لإدارة الصراع ، رغم الرعاية الامريكية للمشروع السياسي في العراق القائم على بناء دولة ديمقراطية مدنية ذات تعددية سياسية يكون فيها الحكم قائماً على أساس الانتخابات الحرة العلنية لتنظيم الية التداول السلمي للسلطة بعيداً عن الاحتكار الفردي أو الفئوي . إن مظاهر عدم الاستقرار السياسي في العراق اتخذت مظهراً جلياً في السنوات الأخيرة من عمر هذه التجربة (الديمقراطية)، افرزت وجود متغيرات وفواعل ساكنة كانت تهدد بإشاعة عدم الاستقرار السياسي وحتى الاجتماعي . مفهوم المحاصصة الطائفية والسياسية يقصد بالمحاصصة الطائفية والسياسية : الإجراءات التي تتخذ بالتوافق بين مختلف التيارات المذهبية والقومية من اجل ضمان تمثيل نسبي لجميع الطوائف والقوميات في الحكومة بما ينسجم مع كثافتهم السكانية وذلك بإسناد مناصب ومراكز تختلف في أهميتها ووزنها السياسي لممثلي هذه الطوائف والقوميات) . وقد جرى زرع وترسيخ المحاصصة الطائفية والسياسية في العراق منذ عام 2003 عندما تم تشكيل مجلس الحكم الانتقالي برئاسة الحاكم المدني الامريكي (بول بريمر)، اذ كان المجلس المذكور الذي تشكل في شهر ايار من عام 2003 قد ضم (25) عضواً من ممثلي الكيانات السياسية المختلفة، وقد راعى المجلس في تشكيلته الحجم السكاني لكل طائفة وقومية، اذ ضم (13) عضواً من الشيعة العرب و (5) أعضاء من السنة العرب و (5) أعضاء من القومية الكردية فضلاً عن عضوين اخرين لكل من المسيحيين والتركمان بالتساوي. وعلى الرغم من أن الدستور لم يشر إلى هذه الإجراءات ولم ينص عليها قانوناً إلا أنها باتت عرفاً ملزماً في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2003. وهو أمر يتناقض اصلا” مع الدستور العراقي الذي نص في المادة (1) من الباب الأول على أن (جمهورية العراق دولة أتحادية … نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمتقراطي ) مما يوحي بما لا يدع مجالا للشك أن الحكم في العراق بات ، كما يفترض أن يكون ، يقوم على قاعدة حكم الأغلبية السياسية التي تحوز على أكبر عدد من المقاعد في البرلمان سواء أكانت حزباً أم ائتلاف يضم مجموعة من الأحزاب وهي التي تشكل الحكومة وتنتخب رئيس الجمهورية، إلا أن القاعدة التي بات معمولاً بها هو أعتماد مبدأ (المحاصصة الطائفية والسياسية ) في توزيع المناصب والأدوار. بالإضافة الى ذلك فان الدستور العراقي لعام 2005 ، أكد في المواد التي تتحدث عن مناصب رئيس البرلمان ورئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وهي المواد (54) و (70) و (76) لا تتضمن لوناً طائفياً أو قومياً لمرشحي هذه المناصب، ولكن العرف السياسي استقر على أن يكون رئيس الجمهورية من القومية الكردية ورئيس الوزراء من القومية العربية (شيعياً) ورئيس مجلس النواب من القومية العربية (سنياً) فضلاً على أن الوزارات والمناصب الأخرى بات توزيعها مرتهن بالمحاصصة الطائفية والسياسية. وبدلا” من ان تتمكن العملية السياسية العراقية القائمة على المحاصصة الطائفية والسياسية من تجاوز إشكالية الفوارق الإثنية بين فئات الشعب العراقي عندما اعتمدت مبدأ المشاركة السياسية للجميع واحترام الحقوق والحريات، الا انها فشلت في تغيير القناعة العامة بعدم وجود شكل من اشكال الحكم الفئوي الذي يعمد الى تغييب باقي التكوينات الإجتماعية وهو ما جعل من التنوع الثقافي مشكلة حقيقة تنعكس سلباً على بناء الدول والوحدة الوطنية ، وهو ما ضاعف من مشكلة (الحرمان السياسي) لدى التكوينات الإجتماعية البعيدة عن مركز المشاركة في صنع القرار. لذلك لم تنجح العملية السياسية العراقية بعد 2003 من إدماج جميع الأفراد في نطاق المشاركة السياسية، ولهذا فأن أحدى الخصائص المميزة لهذا النظام تنحصر في حالة من عدم الاستقرار السياسي كحالة تبدو مستدامة كونها متصلة بأرث تاريخي من الحكم الفئوي الأمر الذي جعل من مسألة القبول بالآخر تبدو معضلة أو أزمة، وقد تجذرت هذه الثقافة (ثقافة الاقصاء من الحكم) لفترات طويلة ولاسيما خلال النظام السابق الأمر الذي جعل من مسألة التشارك في السلطة تبدو غير مقبولة ومرفوضة البتة وأعطى لإنطباع أيضاً بحقيقة أن نظام الحكم ذو طـابع (إوليجارشي). تأثير المحاصصة الطائفية والسياسية على الاستقرار السياسي مما لاشك فيه اليوم أن المحاصصة الطائفية والسياسية كان لها آثار أو انعكاسات مباشرة وغير مباشره على الاستقرار السياسي في العراق ، انسحب بشكل او بآخر على النسيج الاجتماعي العراقي . فلقد ادت المحاصصة الطائفية والسياسية الى تحديد قدرة النظام السياسي على الفعل المؤثر وصياغة القرارات الاستراتيجية المتعلقة بعملية التنمية والاستقرار والتطور في العراق وبالتالي انعكس ذلك على الوحدة الوطنية والامن الوطني العراقي . فقد اتسمت العملية السياسية خلال الثماني سنوات الماضية بالتنافس عالي المستوى بين اطرافها ، على أدوات السلطة السياسية من أجل إعادة توزيع الموارد الإقتصادية – الإجتماعية ، ويبدو بما لا يدع مجالاً للشك أن الصراع السياسي الحكومي عكس وجود مساع متناقضة متعاكسة في الإتجاه: مساع لإزالة الحيف وإستعادة إمتيازات وحقوق كانت معدومة وبالمقابل هناك مساع لاستعادة السلطة والنفوذ (انظر ، ديناميكيات النزاع في العراق: تقييم ستراتيجي، معهد الدراسات الستراتيجية، بغداد – أربيل، 2007، ص 8 ) ، لذلك بقيت العديد من المناصب السيادية (الامنية) في الحكومة دون توافق على تنسيب من يشغلها . كما أدت المحاصصة الطائفية والسياسية الى تراجع عملية النمو والتنمية، نتيجة لغياب التخطيط الواضح لحل مشكلة البطالة وتوفير فرص عمل وإحداث تنمية حقيقية من خلال توظيف عائدات النفط بسبب الخلافات السياسية، التي تزامنت مع تفاقم مشكلة الأمن مما أضعف قدرة الحكومة في إمتصاص التطلعات البازغة وإرساء الإستقرار، وهو ما حدا بالعديد من الفئات الإجتمـــــــــاعية إلى التورط في مظـــــــاهر العنف والإرهاب. كما ادت المحاصصة الطائفية والسياسية الى تفاقم ظاهرة الفساد الإداري والمالي، إذ لايزال العراق يحتل مراكز متقدمة في ترتيب الدول الأكثر فساداً في العالم حسب تقارير منظمة الشفافية الدولية (International Transparency) . إن الفساد الإداري والمالي بهذا الشكل لم يؤد إلى عرقلة عملية التنمية الإقتصادية فحسب بل ساعد أيضاً على تمويل العمليات الإرهابية، إذ أن الكثير من الأنشطة والعمليات التي قادتها الجماعات المسلحة كانت تعتمد على التمويل المتأتي من مصادر الفساد المالي حسب ما جاء في تقرير للسفارة الامريكية في بغداد صدر في نهاية أيلول من عام 2007 (تقرير السفارة الامريكية في بغداد عن فساد الحكومة العراقية، المستقبل العربي، السنة (30)، العدد (345)، تشرين الثاني، 2007، ص 92) ، وضمن السياق نفسه أكد (ستيوارت بوين) في عام 2006 أن الفساد الذي يكلف العراق سنوياً بما يقدر (4) مليارات دولار والذي يمثل (10 بالمئة) من حجم الناتج القومي الإجمالي يعمل على تمويل العمليات المسلحة وبالأخص من خلال الفساد في القطاع النفطي، إذ أن تهريب النفط الذي يتورط فيه بعض المسؤولين العراقيين يوفر دعما للمليشيات المسلحة بنحو مئة مليون دولار سنويا. الخاتمة خلاصة القول أن المحاصصة الطائفية والسياسية التي اتسمت بها العملية السياسية العراقية ، كانت لها انعكاسات وآثار متعددة طالت ظاهرة الاستقرار السياسي في العراق، أدت بالعراق إلى أن يعيش أزمات متعددة مثل أزمة ضعف القدرة الواضحة للنظام السياسي على الفعل و تعثر قضية التنمية الاقتصادية ، مما أدى الى انتشار مشاكل البطالة التي أثرت بدورها على عدم الاستقرار الاجتماعي ، كما ادت المحاصصة الطائفية الى تفاقم ظاهرة الفساد الاداري والمالي .