


حكم ناطق الكاتب
قبل أن تُكتشف الأبجدية، وقبل أن تُروَّض الأصوات داخل نظام لغوي قادر على تفسير العالم، كان الإنسان يقف في مواجهة الوجود بعينٍ مفتوحة على الدهشة.. كان عاجزاً عن كتابة خوفه والتعبير عن انتصاره، لكنه كان يمتلك قدرةً أخرى أكثر عمقاً.. كان يعرف كيف يرى.. ومن الرؤية بدأت الحكاية الأولى للفن.
في الأزمنة السحيقة، حين كانت الكهوف أكثر أماناً من المدن، وحين كان الحجر أصدق من الورق، أدرك الإنسان أن الأشياء المحيطة به إشارات بصرية قابلة للتحول إلى معنى.. الحيوان، النار، الظل، الجسد، الحركة، آثار الأقدام، صمت السماء، ولمعان الماء، كلها كانت مجاورات يومية تحيط بالإنسان، لكنها في وعيه الأول تحولت إلى بنية بصرية متكاملة، ومنها ولدت الصورة الأولى.
الفنان البدائي كان كائناً بصرياً يمارس فعل الإدراك عبر التكوين. لقد فهم العالم من خلال علاقات الشكل بالفراغ، والكتلة بالضوء، والحركة بالسكون. ومن هنا بدأ الفن بوصفه نظاماً معرفياً سابقاً على اللغة، لا بوصفه ترفاً جمالياً.
ماذا حدث في نينوى..؟
تلك المدينة التي تراكمت فوق حجارتها طبقات الحضارات، يمكن قراءة الفن فيها بوصفه استمراراً لهذا الوعي البصري القديم.. فالفنان الآشوري كان يعيد تنظيم العالم داخل بناء بصري محكوم بالإيقاع والتوازن والعلاقة بين الكتل.. لقد تعامل مع الجدار باعتباره فضاءً سردياً، ومع النحت بوصفه لغة قادرة على تخزين الزمن.
حين نتأمل الجداريات الآشورية في قصور نينوى، لا نواجه أعمالاً زخرفية جامدة، بل نواجه نظاماً بصرياً بالغ التعقيد، يقوم على هندسة التكوين، وتوزيع الكتل، واستثمار الإيقاع الحركي داخل المشهد. كان الفنان يلتقط مجاوراته اليومية، كالصيد والحرب والطقوس والجسد والحيوان والسلطة، ويعيد بناءها ضمن خطاب بصري يمتلك طاقة رمزية هائلة.
الأسد، على سبيل المثال، كان بنية رمزية كاملة.. إن حضوره في الفن الآشوري يمثل القوة الخام، والفوضى الطبيعية، والطاقة غير المروّضة.. وفي المقابل، يظهر الإنسان، أو الملك تحديداً، بوصفه مركز التنظيم الكوني.. لذلك فإن مشاهد الصيد كانت دراما بصرية قائمة على جدلية السيطرة والتحرر، والنظام والفوضى، والعقل والغريزة.
هنا تتجلى عبقرية الفنان القديم.. إذ إنه لا يعيد إنتاج الواقع كما هو، بل يعيد صياغته عبر بناء تشكيلي يعتمد على الاختزال الرمزي والتحويل الدلالي.. وهذا ما يجعل الفن الآشوري قريباً، من حيث البنية الفكرية، من مفاهيم الفن المفاهيمي المعاصر، حيث تتحول الصورة إلى حقل تأويلي مفتوح.

إن الإنسان الأول، قبل أن يمتلك اللغة، كان يفكر عبر الصورة.. لذلك جاءت الأعمال الأولى مشبعة بوعي بصري فطري يعتمد على الإدراك الحسي المباشر.. لقد كان الفنان يرى العالم كعلاقات شكلية متجاورة: الخط إلى جانب الكتلة، والضوء إلى جانب العتمة، والإنسان إلى جانب الحيوان، والحركة إلى جانب السكون.. ومن هذه المجاورات نشأت أولى البنى الجمالية في التاريخ.
ولأن الجسد كان محور التجربة الإنسانية، فقد احتل مركزاً استثنائياً داخل الفن القديم.. الجسد في الفن الآشوري كان فاعلاً رمزياً يحمل السلطة والروح والهوية.. تظهر الأجساد في وضعيات متعددة: مقاتلة، وراكعة، وعاملة، ومحتفلة، ونائمة، وكأن الفنان كان يؤسس أرشيفاً بصرياً للحياة.
هذه الرؤية البنيوية للجسد تكشف وعياً مبكراً بما يمكن تسميته اليوم “الدراماتورجيا البصرية”، حيث يتحول الجسد إلى أداة تعبير داخل الفضاء التشكيلي، وتصبح الحركة عنصراً تركيبياً داخل البناء العام للعمل.
إن العلاقة بين اتجاه النظر، وانحناء الأطراف، وتوزيع الثقل داخل الكتلة، كلها عناصر تؤكد أن الفنان القديم كان يمتلك حساً تكوينياً متقدماً، حتى وإن لم يكن يمتلك المصطلحات النظرية الحديثة.
ومع تطور المخيلة، بدأ الفنان لا يكتفي بإعادة إنتاج الواقع، بل صار يعيد تركيبه.. هنا ظهرت الكائنات المركبة: الثور المجنح، والإنسان المجنح، والكائنات الهجينة التي تجمع بين الحيواني والبشري والإلهي.
هذه الأعمال كانت نتيجة وعي بصري يحاول دمج مستويات متعددة من الوجود داخل صورة واحدة.
إن “اللاماسو” منظومة رمزية معقدة.. فالرأس البشري يمثل الحكمة، وجسد الثور يمثل القوة، والأجنحة تمثل الامتداد الماورائي.. إنها عملية “تركيب بصري” تقوم على دمج العلامات داخل بنية واحدة، وهو ما يجعل هذا الفن قريباً من مفاهيم السريالية الحديثة، التي تعتمد على تفكيك الواقع وإعادة بنائه وفق منطق الحلم والرؤية الداخلية.
لكن الأهم من ذلك كله أن الفنان القديم كان يستخدم الضوء بطريقة واعية، حتى قبل ظهور التكنولوجيا الحديثة.. لقد أدرك أن الظل جزء من البنية التعبيرية للعمل، لذلك جاءت المنحوتات النافرة محكومة بحسابات دقيقة تتعلق بسقوط الضوء على الكتلة، وانكساره داخل التجاويف، وحركة الظلال على السطح الحجري كان الضوء شريكاً في بناء المعنى.

وحين كانت الشمس تتحرك على جدران القصور، كانت المشاهد تتغير بصرياً، وكأن الأعمال تنبض بالحياة.. حينها فهم الفنان أن الزمن يمكن أن يدخل إلى العمل عبر الضوء، وأن الحركة يمكن أن تتولد من الظل، وأن السكون الظاهري يمكن أن يخفي ديناميكية داخلية عميقة.
اليوم، وبعد آلاف السنين، لا يزال الفنان البصري المعاصر يعمل بالمبدأ نفسه، لكنه يستخدم أدوات مختلفة.. فبدلاً من الحجر، هناك اللوحة والسطوح البيضاء، وبدلاً من الإزميل، هناك ادوات واجهزة، وبدلاً من ضوء الشمس الطبيعي، هناك الإسقاط الضوئي، والهولوغرام، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات الواقع المعزز.
غير أن الجوهر لم يتغير.
الفنان المعاصر، شأنه شأن الفنان الأول، ما يزال يلتقط مجاورات الإنسان اليومية ويعيد تحويلها إلى بنية بصرية. الفرق الوحيد أن الإنسان القديم كان يعمل داخل فضاء الكهف أو المعبد، بينما يعمل الفنان المعاصر داخل فضاء مفتوح على العالم.
فعندما يستخدم الفنان اليوم الضوء لإنتاج فضاء بصري غامر، فإنه يعيد، بطريقة معاصرة، إنتاج العلاقة القديمة بين الظل والجدار.. إن التقنية تعيد تشكيل الذاكرة.

وفي نينوى تحديداً، يبدو هذا الامتداد أكثر وضوحاً.. فهذه المدينة لم تنتج الفن بوصفه حدثاً عابراً، بل بوصفه تقليداً بصرياً متراكماً.. فمن الجداريات الآشورية حتى اللوحات المعاصرة، هناك خيط خفي يربط بين الأجيال، خيط يقوم على الإيمان بأن الصورة قادرة على مقاومة الفناء.
ولهذا يمكن قراءة أسماء الفنانين المنتمين لجغرافيا نينوى عبر القرن العشرين وحتى اليوم بوصفهم امتداداً لبنية بصرية واحدة، فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، بدأت تتشكل ملامح الوعي التشكيلي الحديث في الموصل ونينوى عبر أسماء أصبحت جزءاً من السردية البصرية العراقية.. كان عاصم حافظ (1886) بمثابة الإشارة الأولى لبداية تشكل الحس الفني الحديث، ثم جاء بعده صبيح نعامه (1913)، وصديق احمد (1915)، وفرج عبو (1921)، الذين أسهموا في نقل الفن من حدود الحرفة إلى فضاء التعبير البصري الواعي.
ومع الثلاثينيات، أخذت التجربة الفنية في نينوى تتوسع، فظهر نجيب يونس (1930)، ويونس الحمطاني (1932)، وعزيز السناطي (1932)، وحازم الاطرقجي (1933)، ولقمان الشيخ (1934)، وهشام سيدان (1934)، وضرار القدو (1935)، وفوزي اسماعيل (1935)، وبشير طه (1936)، وعادل الحيالي (1937)، ونذير الصفار (1937)، وطارق عتو (1937)، وإبراهيم حفوظي (1939)، وعبد الحميد الحيالي (1939).
هذا الجيل كان يعيش تحولات اجتماعية وثقافية كبرى، لذلك جاءت أعماله محملة بتوترات الهوية، وبمحاولات تأسيس لغة تشكيلية محلية تنفتح على الحداثة دون أن تنفصل عن الذاكرة الآشورية.
وفي الأربعينيات، بدأت الكتلة البصرية للفن الموصلي تزداد عمقاً وتنوعاً مع راكان دبدوب (1940)، وسعيد عيسى (1940)، ومنير الطائي (1940)، وطلال صفاوي (1941)، ومظفر الراوي (1941)، ومنير طه (1941)، وغانم حمو اسماعيل (1941)، وسامي لالو (1942)، وستار الشيخ (1942)، وثامر العمر (1943)، وعبد السلام حلوة (1944)، وجلال الحسيني (1944)، وكنعان القيسي (1945)، وماهر حربي (1945)، وعبد الغني الجوالي (1946)، واحمد المفرجي (1946)، وعزام البزاز (1946)، وحازم جياد (1946)، ودريد الراوي (1946)، ومحمود صالح (1946)، وطارق الشبلي (1946)، ووليد شيت (1947)، وناطق عزيز (1947)، ومخلد المختار (1948)، ومحفوظ الأسعد (1948)، ونبيل صالح (1949)، ونزار عبد اللطيف (1949)، ومؤيد صبري (1949).
هذا الجيل تعامل مع الفن بوصفه بنية فكرية متكاملة، لا مجرد إنتاج جمالي. لقد اشتغل على العلاقات بين اللون والخط والكتلة والفراغ، وبدأ يستثمر الرموز المحلية داخل بناء حداثي أكثر وعياً بمفاهيم التكوين والاختزال والتجريد.
ومع الخمسينيات، دخلت التجربة الفنية في نينوى مرحلة جديدة اتسمت بالغزارة الأسلوبية والانفتاح على المدارس العالمية، فبرز عادل الصفار (1950)، وأمجد سعيد (1951)، وقاسم الجميلي (1951)، وأياد عبار (1951)، وهشام العنزي (1952)، ولازم الصوفي (1952)، وعبد الاله حسن (1952)، وموفق الطائي (1953)، وكريم سيفو (1953)، ورمزي طهماس (1953)، وجلال بشير (1953)، وشاهين علي (1954)، وخليف محمود (1954)، ولوثر ايشو (1955)، ونبيل نجيب حديد (1955)، ومنهل الدباغ (1955)، ونزار يونس (1955)، وخالد العسكري (1956)، وقيس إبراهيم (1956)، وثامر الحايك (1956)، وعبد الله الطائي (1956)، وإياد الحسيني (1956)، ومزاحم الناصري (1957)، وليث عقراوي (1957)، وأكرم السراج (1957)، ومحمد احمد (1957)، وأحمد دخيل (1957)، وخالد حاجي (1957)، وإبراهيم رمضان (1958)، وإسماعيل إبراهيم (1958)، ورائد فرحان (1959).
في هذه المرحلة بدأت مفاهيم الحداثة تدخل بقوة إلى الخطاب التشكيلي، فظهرت النزعات التجريدية، والتكوينات الرمزية، والاشتغال على الحروفية، والبحث في الهوية البصرية العراقية ضمن فضاءات معاصرة.
ثم جاءت الستينيات لتشهد اتساعاً أكبر في التجارب الفنية مع طلال غانم (1960)، وزياد زناد (1960)، وعبد الجبار الشعباني (1961)، ومها الحمودي (1961)، وسعد نجم (1962)، وإسماعيل عزام (1962)، وهشام الطائي (1962)، وجميل خضر (1962)، وعلي حميد (1962)، ومهدية نايف (1962)، وأسامة مصطفى (1962)، وبشرى تقي (1962)، وسلوى كركجة (1962)، وعضيد طارق (1963)، وحاجي خدر (1963)، ومحمد عنبر (1963)، وحازم العبدلي (1963)، وبلال بشير طه (1963)، وعليا الراوي (1964)، سالم الدباغ (1964) ، وأنور الدرويش (1964)، وزياد هادي (1964)، وعماد العبيدي (1964)، وحامد الراشدي (1965)، وفياض سعيد (1965)، وسبهان الغبشه (1965)، وعبد الرزاق المولى (1965)، وبلال دبدوب (1966)، وفاتن الطائي (1966)، وباسل العبيدي (1967)، وأميرة نعمان (1968)، وميادة مسعود (1968)، واحمد العزاوي (1969)، ووضاح عبد الوهاب (1969).

أما الأجيال اللاحقة، فقد دخلت إلى فضاء مختلف تماماً، حيث بدأت التكنولوجيا تتحول إلى وسيط جمالي جديد. ومع السبعينيات وما بعدها ظهر فارس الراوي (1970)، ولبنى الطائي (1971)، واحمد عثمان (1972)، ويثرب الطائي (1972)، وياسر الطائي (1973)، وصلاح حديد (1974)، وأشرف طه (1975)، وزياد الشبلي (1975)، ومنار ساهر (1975)، ومروان طارق (1976)، ورعد الحسيني (1976)، ومحمد ذنون (1977)، واحمد خليل (1977)، وحكم الكاتب (1977)، ومحمد بحر (1977)، واحمد مزاحم (1978)، ومدين الحيالي (1979)، وعمر طلال (1979)، وعمر رمزي (1979)، وألوان خليف (1980)، وأشرف الاطرقجي (1980)، وحسن السلامي (1980)، ومحمد الطائي (1981)، وعماد الشريفي (1981)، وسيف الطائي (1985)، وعمر قيس (1985)، ووسام عون (1987)، وسمام عزام (1990).
إن هذه الأسماء تمثل تحولات داخل الوعي التشكيلي العراقي.. كل جيل أعاد قراءة التراث الآشوري بطريقته، وكل فنان حاول أن يترجم ذاكرة المكان ضمن لغة معاصرة.
بعضهم اشتغل على الكتلة، وبعضهم على اللون، وبعضهم على الحرف، وبعضهم على التجريد، لكن الجميع كانوا يتحركون داخل الحقل البصري ذاته: حقل البحث عن الإنسان داخل الصورة.
وفي زمن التكنولوجيا، يواجه الفنان المعاصر تحدياً جديداً يتمثل في سرعة الصورة واستهلاكها اليومي، حيث أصبحت الصورة طوفاناً بصرياً هائلاً. هنا تظهر أهمية الفنان الحقيقي، لا بوصفه منتج صور، بل بوصفه منظِّماً للرؤية.
الفن المعاصر لم يعد يعتمد فقط على المهارة التقنية، لكنه يعتمد أيضاً على القدرة على بناء مفهوم بصري متماسك.. ولهذا أصبحت مصطلحات مثل “البنية التكوينية”، و”الفضاء الإدراكي”، و”التحولات المورفولوجية”، و”الإيقاع البصري”، و”الكتلة الضوئية”، و”المنظومة اللونية”، و”الاختزال التعبيري” جزءاً أساسياً من الخطاب التشكيلي الحديث.
الفنان اليوم يعمل داخل شبكة معقدة من الوسائط، لكنه ما يزال يبحث عن السؤال ذاته الذي طرحه الإنسان الأول: كيف يمكن للصورة
أن تقول ما تعجز الكلمات عن قوله..؟
وربما لهذا السبب تحديداً يبقى الفن أكثر اللغات إنسانية.
لأن الصورة لا تحتاج إلى ترجمة.
ولأن الضوء، منذ النار الأولى داخل الكهوف حتى الشاشات الرقمية العملاقة، ظل الوسيط الأعمق بين الإنسان والعالم.
في النهاية، نستطيع القول إن الفن البصري استطاع أن يكون كائناً مستمراً في التشكل.. فالفنان الآشوري الذي نحت الحجر قبل آلاف السنين، والفنان المعاصر الذي يبني عوالمه الحديثة، كلاهما ينتمي إلى السلالة البصرية ذاتها.. سلالة الإنسان الذي يحاول أن يترك أثراً قبل أن يختفي.

وكل صورة حقيقية هي محاولة لتثبيت لحظة هاربة من الزمن.
لهذا لم تمت الجداريات الآشورية، ولم تتحول إلى آثار صامتة، لأنها كانت وعياً بصرياً كاملاً ما يزال حتى اليوم قادراً على إنتاج الدهشة.
وما تزال نينوى، رغم كل ما مرّ عليها من محن وتحولات، تواصل كتابة تاريخها بالطريقة نفسها التي بدأت بها منذ آلاف السنين بالصورة.
• اسماء الفنانين وتواريخ تولدهم من كتاب موفق الطائي “أضواء على الحركة التشكيلية في نينوى”
























