تطوّر الإعلام الأمني في العراق
عبد الوهاب عبد الرزاق التحافي
كان من اهم الحقائق العلمية التي اكدها مؤتمر الامم المتحدة الخامس لمنع الجريمة ومعاملة المذنبين الذي عقد في سويسرا (جنيف) عام 1975 ، عندما ناقش (الدور البارز للشرطة والاجهزة الاخرى المختصة بتطبيق القانون) .
وهي انه (لا يمكن تحقيق منع الجريمة وضبطها بدون جهاز مختص بتطبيق القانون ، امين ومدرب وكفوء يؤدي عمله بتعاون ومساندة المواطنين الذين يخدمهم) .
و (قليلون جداً من يمكنهم انكارات الصحافة والاذاعة والتلفزيون تقوم بمسؤوليات خطيرة في تعريف العامة باخبار الاحداث ذات القيمة ….. فاذا تبنت الشرطة اتجاهاً عدائياً نحو الاعلام فالاحتمال ضعيف في ان تحقق نجاحاً في ايضاح دورها الحقيقي في منع الجريمة وتطبيق القانون بالنسبة الى الجمهور) .
واعترف بتلك الحقائق السادة وزراء الداخلية العرب في البيان الصادر عن مؤتمرهم الاول الذي عقد في القاهرة / ايلول / 1977 حيث اكدوا اهمية الدور المؤثر لوسائل الاعلام في تشكيل اتجاه النشئ والشباب ، وما يمكن ان تسهم في مجالات حفظ الامن والنظام وتوعية المواطنين للوقاية من الجريمة والتعاون مع اجهزة الامن ، وتكوين رأي عام فعال في صالح الشرطة ….. ودعا وزراء الداخلية العرب اجهزة الشرطة في الدول العربية الى التعاون الفعال مع اجهزة الاعلام.
فهل كان قادة الشرطة في الدولة العراقية غافلين عن اهمية الاعلام الامني في مكافحة الاجرام ، وضرورة توطيد العلاقات العامة الايجابية بين الشرطة والشعب ..
ان أي باحث علمي موضوعي مختص بالاعلام العام او بعلوم الشرطة وتاريخها في البلاد العربية يتوصل حتماً الى الحقائق التالية :-
اولاً // ان اول مجلة شرطة في البلاد العربية هي مجلة (الشرطي) العراقية التي صدر عددها الاول في شباط 1927 .
ورغم حصول تغيرات في اسمها من (الشرطي) الى (الشرطة) ثم الى (الشرطة والامن) ثم الى (قوى الامن الداخلي) ثم عادت في عام 2000 الى الصدور باسم مجلة (الشرطة) ، والى جانبها مجلة (الساهرون) .
اما بعد عام 2003 فقد صدرت اكثر من مجلة امنية اهمها :-
– مجلة (الداخلية) شهرية تصدر عن مديرية العلاقات والاعلام في وزارة الداخلية .
– مجلة (الحارس) تصدر عن مديرية العلاقات والاعلام في وزارة الداخلية .
– مجلة (المحقق) تصدرها المديرية العامة لمكافحة الارهاب والجريمة المنظمة في وزارة الداخلية .
– مجلة (صدى المعهد العالي) اصدار المعهد العالي للتطوير الامني والاداري .
– مجلة (دراسات امنية) اصدار المعهد العالي للتطوير الامني والاداري .
ثانياً // ان اول تلفزيون عربي اهتم بالاعلام الامني هو (تلفزيون العراق)
عندما خصص عام 1958 برنامج تلفزيوني اسبوعي بعنوان (الشرطة في خدمة الشعب) تشرف على اعداده (مديرية العلاقات) في مديرية الشرطة العامة ، ويتعاون على تقديمه ضباط من مديرية شرطة مكافحة الاجرام في شرطة بغداد … وفي الاسبوع الاخر ضباط من مديرية شرطة النقليات والمرور يقدمونه باسم (السلامة العامة) .
ثم تصاعد اهتمام المؤسسة العامة للاذاعة والتلفزيون بالاعلام الامني حتى اصبحت تقدم في منتصف ثمانينات القرن الماضي اكثر من برنامج تلفزيوني امني اهمها :-
– برنامج (الداخلية والمجتمع) تقدمه علاقات الداخلية .
– برنامج (السلامة العامة) تقدمه المرور العامة .
– برنامج (الشرطة في خدمة الشعب) تقدمه مكافحة الاجرام .
– برنامج (الدفاع المدني) تقدمه مديرية الدفاع المدني .
وبعد عام 2003 حافظت كل من العلاقات العامة والمرور العامة في وزارة الداخلية بتقديم برامج تلفزيونية على اكثر من قناة تلفزيونية عراقية .
ثالثاً // كانت مديرية الشرطة العامة العراقية بدعم ومساندة وزارة الداخلية اول من اعتمد فكرة الاحتفال السنوي بعيد الشرطة من بين جميع الدول العربية …… وكان ذلك في عام 1975 …
ومن الجدير بالذكر ان اول احتفال بعيد الشرطة العراقية تم في 1/4/1975 تخليداً لذكرى صدور اول قانون جديد لخدمة الشرطة والامن الذي اصبح نافذاً في 1/4/1969 ولكن وبتوجيه لاحق اعتمد يوم 9/ كانون الثاني للاحتفال السنوي بعيد الشرطة العراقية تخليداً لذكرى يوم تأسيس مديرية الشرطة العامة وتعيين اول مدير شرطة عام عراقي وذلك يوم 9 / كانون الثاني / 1922 .
وجاءت فكرة الاحتفال بعيد الشرطة العراقية توطيداً لعلاقات عامة ايجابية مع الشعب ، تطوي سلبيات العلاقة القديمة بين الشرطة والشعب ، كما يعد من اهداف الاحتفال السنوي بعيد الشرطة نشر الوعي الامني والقانوني في اوساط الجماهير اسهاماً في تعزيز فكرة الاسهام الشعبي في مكافحة الاجرام …. وفوق كل ذلك يعد الاحتفال السنوي بعيد الشرطة مناسبة وطنية لاسهام مختلف وسائل الاعلام وعموم المثقفين العراقيين بممارسة (النقد الامني) للتعريف بالتحولات الايجابية في ممارسات اجهزة قوى الامن الداخلي العراقية وبالسلبيات في تلك الممارسات لتجاوزها ومنع تكرارها .
رابعاً // معارض الصور الفوتوغرافية
احدى اهم وسائل الاعلام العام … لذلك حرصت شعبة العلاقات العامة في مديرية الشرطة العامة على المبادرة باقامة اول معرض صور فوتوغرافية للشرطة في اهم الحدائق العامة في بغداد هي حديقة الزوراء ….. وذلك في عام 1975 … حيث افتتحه السيد اللواء كامل الخطيب مدير الشرطة العام ، في ذلك الحين ، واحتوى المعرض اكثر من مائة وخمسين صورة فوتوغرافية توضح معالم التطور في كلية الشرطة ومديرية الادلة الجنائية وشرطة النجدة وشرطة المرور والدفاع المدني والعاب الشرطة وغيرها …. وقد حظى المعرض المذكور اقبالاً جماهيرياً واسعاً واهتماماً من اكثر الصحف المحلية في بغداد وكانت معارض الشرطة الفوتوغرافية ومازالت من وسائل الاعلام الامني .
خامساً // استحداث مديرية للتوجيه المعنوي
من الثابت علمياً ان نجاح اقامة علاقات عامة طيبة بين أي دائرة حكومية او منظمة اجتماعية وبين الجمهور الذي يتعامل معها ، يتطلب ان يكون العاملون في تلك الدائرة او المنظمة مؤمنين بشرف الخدمة العامة وواجب الدفاع عن الحريات العامة واحترام الحقوق الانسانية …..
لذلك حرصت وزارات الدفاع في مختلف دول العالم على استحداث ادارات خاصة للتوجيه المعنوي ، تعتني بتعزيز الولاء الوطني للقوات المسلحة وتأمين التزامها باحكام دستور الدولة وقوانينها واحترام وتنفيذ اوامر قيادتها …..
وسارت وزارات الداخلية على نهج استحداث ادارات مماثلة للتوجيه المعنوي ترتبط بدائرة (العلاقات العامة) .
وفي سنة 1975 تم استحداث مديرية التوجيه المعنوي للشرطة لاول مرة ، ترتبط بمعاون مدير عام الشرطة للعلاقات العامة ، وتعمل على وفق القواعد المعتمدة في دائرة التوجيه المعنوي في وزارة الدفاع العراقية …
واهم واجبات التوجيه المعنوي في الشرطة :-
1) تحقيق الامن الثقافي وحماية الامن العام من الثقافات التي تسعى لاثارة الفرقة بين مختلف فئات الشعب .
2) ادامة الروح المعنوية العالية داخل مؤسسات الشرطة ومقاومة الحرب النفسية المعادية .
3) ضمان التزام العاملين في الشرطة ، ضباطاً ومنتسبين ، وفق السياسة العامة للدولة .
4) توطيد العلاقات العامة الطيبة بين الشرطة والشعب .
5) اشاعة مفاهيم العلاقات الانسانية داخل مؤسسات الشرطة .
6) اشاعة مفاهيم المسؤولية الاجتماعية العامة في حماية الامن العام ومكافحة الاجرام عبر مختلف وسائل التوجيه المعنوي وبخاصة دورات التوجيه المعنوي للضباط والمنتسبين وصفوف محو الامية بين مراتب الشرطة .
7) تصعيد الثقافة العامة داخل مؤسسات الشرطة بمٌثل واداب الشرطة ، وبقيم التضحية والفداء في خدمة الوطن والشعب ، باطار احكام الدستور وسيادة القانون .
سادساً // تنشيط الحركة الرياضية في الشرطة
منذ عام 1934 صدر عن مديرية الشرطة العامة تعميم اوجب على جميع مدراء الشرطة في بغداد وفي عموم المحافظات الاخرى الاهتمام بتنشيط الحركة الرياضية بين كافة ضباط ومنتسبي الشرطة واجراء مسابقات تنافسية وتوزيع جوائز تقديرية واوسمة ومكافآت للمتميزين .
ونعتقد ان تنشيط الحركة الرياضية في الشرطة وسيلة من وسائل كسب محبة وتأييد ومساندة الجمهور العراقي الواسع المشجع للرياضة … فهي وسيلة من وسائل الاعـــلام الامني ….
وتطور اهتمام الشرطة بالرياضة الى استحداث (مديرية العاب الشرطة) ونادي رياضي مشهور باسم (نادي الشرطة) ، وكان هذا الاهتمام بالرياضة في الشرطة العراقية احد العوامل التي ساهمت باقامة (الاتحاد الرياضي العربي للشرطة) بقرار المؤتمر الثالث لقادة الشرطة والامن العرب الذي عقد في طرابلس – ليبيا في ايار 1975 ، واتفق على ان تكون بغداد مقراً للامانة العامة للاتحاد ، ثم نقل المقر عام 1994 الى القاهرة .
سابعاً // تصعيد العناية بمعالجة شكاوي المواطنين
انطلاقاً من وعي القيادات الشرطية العراقية بان كسب تأييد الرأي العام لصالح جهود الشرطة في مكافحة الاجرام لن يتحقق فقط بالمحاضرات الثقافية والبرامج الاذاعية والتلفزيونية التي تعلم الجمهور بتلك الجهود ، وانما وقبل ذلك الاهتمام بشكاوي المواطنين والتعرف على طبيعتها والعمل على تذليلها جذرياً ، ومنع تفاقمها لذلك تم في منتصف سبعينات القرن الماضي استحداث وحدة ادارية ضمن الدائرة القانونية في مديرية الشرطة العامة تتلقى جميع شكاوي المواطنين ودراستها واجراء التحقيق فيها واتخاذ الاجراءات القانونية بحق من يثبت مسؤوليته في تلك الشكاوي ….
ثم تصاعد الاهتمام بشكاوي المواطنين فاصبحت مكتباً مرتبطاً بعلاقات الوزارة ، واصبحت العناية بشكاوي المواطنين ، منذ ذلك الحين ، وحتى الان وسيلة من وسائل الاعــلام الامني وكسب الرأي العام في عمليات العلاقات العامة .
ثامناً // الاهتمام بحقوق الانسان
من المعروف ان وزارة الداخلية وعموم دوائر قوى الامن الداخلي في كل دولة ، هم في مقدمة الاجهزة التنفيذية المسؤولة عن تأمين سيادة قوانين الدولة وانظمتها وتعليناتها .
وان يلتــــــزم العاملون في الاجهزة التنفـــــــيذية قبل غيرهم من ابناء الشعــب بتلك التشريعات .
بل ان يكونوا قدوة في التنفيذ السليم للقوانين وبموجب القانون العراقي رقم 193 لسنة 1970 صادقت جمهورية العراق على :-
– العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية .
– العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية .
الصادران عن الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1966 . وبموجب القانون رقم 135 لسنة 1969 صادقت جمهورية العراق على اتفاقية الامم المتحدة للقضاء على جميع اشكال التمييز العنصري . لذلك كان الاهتمام بحقوق الانسان محل عناية المسؤولين في الشرطة العراقية عن وضع مناهج الدراسة في كلية الشرطة واعدادية الشرطة وفي المعهد العالي لضباط الشرطة ، الذي اصبح اسمه حالياً (المعهد العالي للتطــوير الامني والاداري) وكانت دائرة العلاقات العامة والاعلام في وزارة الداخلية تعتني باشاعة مفاهيم وآليات احترام حقوق الانسان في عموم نشاطات الاعـــلام الامني …..
واذكر للتاريخ ، واقعة تؤكد هذه الحقيقة ، وهي اني كنت في عام 1984 ، اقوم بالاضافة لواجبي مديراً لمعهد المرور بواجب اخر وكالة هو مدير العلاقات والاعلام في وزارة الداخلية ، وفي مساء احد تلك الايام ، واثناء وجودي في مديرية العلاقات في الوزارة تلقيت مكالمة على الهاتف الرسمي السري ، مع مدير الشرطة العام ، حينذاك السيد اللواء عبد الخــــــــالق عبد العزيز ….
ودار بيننا حواراً ، اوجزه بما يلي :-
المدير العام – مساء الخير عقيد عبد الوهاب …
مدير الاعلام – مساء النور سيدي .. اهلاً وسهلاً
المدير العام – اخوانك في مكافحة الاجرام ، الان معي وهم يشكون منك ، ويقولون
انك منذ ان اصبحت مديراً للاعلام في الوزارة قمت بمنع اظهار اعترافات قتلة وسراق ضمن البرنامج التلفزيوني (الشرطة في خدمة الشعب) مما اضعف الاعلام عن جــــهود رجال المكافحة وارغب ان اعرف رأيك بالموضوع .
مدير الاعلام – سيدي العزيز … الاشخاص الذين يصفوهم زملائنا في مكافحة الاجرام على انهم قتلة وسراق انما هم (متهمون) ، مازال التحقيق جارياً معهم ، ولا يعدون (مجرمين) الا بعد احالتهم الى محكمة الجنايات المختصة ، والمحكمة تدينهم ، ويكتسب قرار الادانة الدرجة القطعية … ويعلم سيادتكم ان الدستور العراقي ينص على ان (المتهم برئ حتى تثبت ادانته بمحاكمة قانونية)… لذلك ارى ان ليس من الحكمة ولا من العدالة ان تظهر في برنامج تلفزيوني اعترافات متهمين قد تقرر المحكمة المختصة بعد محاكمتهم انهم ابرياء …. وان اعترافاتهم انتزعت منهم بالقوة او لم تكن صحيحة …. واعتقد ان سيادتكم يؤيدني في هذا التوجه .
المدير العام – منطقك سليم .. وحججك قوية .. وانا اشجعك على مواصلة العمل بهذا
المنهج …. بارك الله بك .
مدير الاعلام – اشكرك سيدي … وحفظكم الله تعالى …. وتصبحون على خير ….
لذلك شعرت بارتياح عندما سمعت ان وزارة الداخلية قررت مؤخرا استحداث مديرية قسم لحقوق الانسان في كل مديرية عامة من توابعها .
























