الإبداع يعيد صياغة المشهد الثقافي في الموصل

بيات مرعي

في أحضان مدينة الموصل، التي لا تنفكُّ تُدهش العالم بقدرتها على الانبعاث من رماد الأوجاع لتستعيد ألقها الثقافي، عاشت المدينة ليلتين استثنائيتين، تضافر فيهما الفن الرصين مع الإبداع الأصيل، لتشكلا معاً لوحة فنية نادرة خلدت في ذاكرة الحاضرين.

بدأت الحكاية في الليلة الأولى، حيث شهد مسرح ( آشور مول ) في منطقة الغابات السياحية حضوراً مهيباً لفرقة ( أوركسترا وتر) . لم تكن تلك الأمسية مجرد عرض موسيقي عابر، بل كانت تجسيداً للرقي الفني، فمنذ اللحظة التي بدأ فيها شباب الفرقة بالعزف بقيادة الفنان محمد مجمود، ساد صمتٌ مهيبٌ تخللته أنغامٌ مدروسةٌ بعناية، حيث امتزجت دقة الأداء الأوركسترا لي بروح الموسيقى الشرقية بأسلوب أسر القلوب. كان الحضور يعيش حالة من السمو، حيث أثبتت الفرقة أن الموصل تمتلك من العقول والأنامل ما يجعلها حاضنة للفنون العالمية، فكانت تلك الليلة درساً في التذوق الموسيقي، ومحطةً مضيئةً أكدت من خلالها (أوركسترا وتر) أنها ليست مجرد فرقة موسيقية، بل هي مشروع ثقافي يعيد صياغة الذائقة الفنية في المدينة.

ولم تكد أصداء الليلة الأولى تخبو حتى أطلت الليلة الثانية، التي جاءت كأنها استراحةٌ للمحارب المبدع، وملاذٌ للعاشقين للفن الأصيل. في تلك الليلة، تحول ( بيت التوتنجي التراثي ) إلى مجلسٍ أدبي رفيع، التقى فيه قطبان من قامات الموصل الشاهقة: الموسيقار الدكتور خالد محمد علي يطوع أوتار عوده ليروي حكايات الوجد، والشاعرٌ قديرٌ الدكتور وليد الصراف لينسج من الكلمات صوراً تلامس شغاف القلب. كان المشهدُ يختزلُ تاريخ الموصل الثقافي في جلسة واحدة، حيث كان العود يبتدئ اللحنَ فيكمل الشاعرُ القافية، وحيث كان الصمتُ بين المقطوعة والقصيدة يمتلئ بعبق التراث الموصلي.

فلم يكن العود مجرد آلة خشبية تُصدر رنيناً، بل كان تجسيداً لصرخات المدينة وأحلامها، وكان الشعرُ هو الترجمة الحرفية لمواجع أهلها وانتصاراتهم المعنوية. فعندما يولد الشعر والموسيقى من رحم الروح والعقل لا من رحم تقليدي، فإنهما يتجاوزان حدود الأداء ليصلا إلى الاستنطاق. لقد استنطق الموسيقار خالد محمد علي والشاعر وليد الصراف في تلك الجلسة جدران الموصل العتيقة، وذكريات شوارعها، وصمود أزقتها، وكأنَّ كلَّ نغمةٍ كانت تعيد ترتيب أحجارِ التاريخ، وكلَّ بيتٍ من الشعر كان يغسلُ غبار السنوات العجاف عن وجه المدينة.
لقد كان فضاء الجلسة إيقاعاً متزناً يعكس فلسفة الموصليين، فأهل الموصل يدركون بالفطرة أنَّ الجمال ليس رفاهية، بل هو ضرورة وجودية. هذه الأصالة التي ظهرت في الجلسة لم تكن استحضاراً لماضٍ بعيد بقدر ما كانت إعلاناً عن استمرارية الجوهر. فالروح التي أبدعت (المقام الموصلي) قديماً هي ذاتها التي تقف اليوم خلف أصابع العازف، والعقل الذي صاغ (الموشحات والقصائد) هو ذاته الذي يختار اليوم مفردات القصيدة لتكون جسراً يعبر من خلاله الحاضر نحو مستقبل أكثر إشراقاً.

إنَّ تلاقي القامتين في تلك الليلة كان أشبه بحوارٍ بين (النص واللحن) داخل بوتقةٍ واحدة، حيث لا يطغى أحدهما على الآخر، بل يغذي كل منهما الآخر، فالشعر يمنح الموسيقى (المعنى)، والموسيقى تمنح الشعر (الجسد). ومن هذا التلاحم، انبثقت حالة من التطهير الوجداني للحضور، جعلتهم يشعرون بأن مدينتهم لم تعد مجرد مكان جغرافي، بل كيانٌ حيٌّ يتنفس إبداعاً، ويستمد قوته من هذا المخزون الثقافي الذي لا ينضب.

لقد كانت تلك الجلسة، وبكل ما حملته من ثقلٍ إبداعي، صرخةً فنيةً تقول:

ـ إنَّ الموصل لم تكن يوماً خارج التاريخ، بل هي صانعةٌ له، وإنَّ روحها وعقلها اللذين ولدا هذا الإبداع هما الضمانة الوحيدة لبقائها منارةً للفن والأدب في قلب الشرق.

تفاعل الجمهور مع هذا الحوار الإبداعي بوجدانٍ حيّ، وكأنهم كانوا في رحلةٍ عبر الزمن استرجعوا فيها أجمل عصور الإبداع التي اشتهرت بها مدينتهم.

انتهت الليليتان، لكن أثرهما بقي عالقاً في أجواء المدينة. لقد كان هذا المزيج بين صخب الأوركسترا المنظم وهدوء الجلسة الشعرية الموسيقية، انعكاساً حقيقياً لهوية الموصل التي تجمع بين حداثة الفكر وأصالة الجذور. لقد نجحت هاتان الليلتان في أن تكونا أكثر من مجرد حدثين عابرين، بل كانتا إعلاناً بليغاً عن عودة الموصل لتتصدر المشهد الثقافي، ولتؤكد للجميع أن هذه المدينة، مهما مر عليها من نوائب، تظلُّ ولادةً للمبدعين، وموطناً للفنون التي لا تندثر.