شفاء العمري وخرائط الخشبة

     

المخرج المسرحي شفاء العمري وخرائط الخشبة: الفن لا يُصنع في المناطق الآمنة.

 

 

 

مروان ياسين الدليمي

 

 

 

وصلنا إلى بغداد، في تلك المنطقة المعلّقة بين النهار والليل، حين لا تعود الأشياء واضحة تمامًا، ولا غامضة تمامًا، بل تتخذ ذلك اللون الوسيط الذي يمنح المدن الكبرى شيئًا من هيبتها وشيئًا من قلقها.

كانت السماء فوقنا تميل إلى لون النحاس حين يخرج من أتونٍ قديم، متوهجًا، متعبًا، ومشحونًا بتاريخ لا يُرى بالعين المجردة. أما النوافذ البعيدة، المضيئة في واجهات الأبنية المتناثرة على امتداد الأفق، فلم تكن تبدو مجرد نوافذ؛ كانت أشبه بإشارات صامتة، ومضات قصيرة تخرج من عمق المدينة، كأن أحدًا هناك، في طبقة غير مرئية من الزمن، يحاول أن يبعث برسالة لا يمكن أن يقرأها سوى الذين يصلون متأخرين بما يكفي.

الحافلة التي أقلّتنا لم تكن تتحرك في شوارع المدينة بقدر ما كانت تشق طبقات من الذاكرة. كانت تسير ببطء محسوب، كما يتحرك قارب في ماء كثيف لا يُظهر عمقه. وعلى الأرصفة، كان المارة يعبرون بنوع من الاقتصاد الحركي الذي لا يصدر عن التعب وحده، بل عن علاقة طويلة بين الإنسان والمكان؛ علاقة تجعل الخطوة الواحدة محمّلة بما هو أكثر من معناها المباشر. بدا لي أن أولئك العابرين لا يمشون نحو وجهة محددة، بل يحملون زمنهم معهم، يجرّونه كما تُجرّ حقيبة قديمة امتلأت بما لم يُستخدم قط.

من خلف زجاج النافذة، كانت المدينة تعرض نفسها لا بوصفها مشهدًا، بل بوصفها أرشيفًا مفتوحًا. لافتات ممزقة لمهرجانات مضت، إعلانات باهتة لعروض مسرحية لم يعد أحد يتذكر أسماء ممثليها، صور فقدت ألوانها لكنها احتفظت بإصرارها على البقاء. أصوات الباعة ترتفع من زوايا غير مرئية، ثم تختلط بنداء المساء القادم من المآذن، فينشأ من هذا التداخل إيقاع لا يمكن نسبته إلى الشارع وحده أو إلى الدين وحده أو إلى التجارة وحدها. كان شيئًا أوسع من ذلك؛ نوعًا من الموسيقى المدنية التي لا تُكتب، لكنها تستمر.

لم تبدُ بغداد مدينة بالمعنى الذي نعرفه للكلمة. لم تكن تجمعًا عمرانيًا، ولا مركزًا سياسيًا، ولا حتى عاصمة بالمعنى الإداري البارد. كانت نصًا مفتوحًا، طويلًا، متعدّد الطبقات، يكتبه مؤلف مجهول منذ قرون، ثم يعود كل ليلة ليشطب فقرة، ويضيف هامشًا، ويبدّل نهاية لم تعجبه.

كان هناك إحساس داخلي يصعب تفسيره بلغة مباشرة: أننا لا ندخل مكانًا جديدًا، بل ندخل سردية قائمة منذ زمن، وأن حضورنا، مهما بدا عابرًا، سيُدرج بطريقة ما داخل بنية هذه الحكاية. كل ما سنراه لاحقًا، كل الوجوه، والمقاهي، والحوارات العابرة، وروائح الورق، وارتباك الكواليس، وحتى لحظات الصمت التي ستفصل بين مشهد وآخر، سوف يتحول، دون أن نشعر، إلى جزء من ذاكرة جماعية نحملها معنا كما يحمل الممثل نصه المطوي في جيب معطفه، لا ليقرأه، بل ليتأكد فقط أنه ما يزال موجودًا.

كان ذلك في شتاء عام 1992.

عام بدا فيه الزمن نفسه وكأنه فقد انتظامه.

كانت المدينة، في تلك الأشهر، أشبه بساعة رملية مقلوبة، ينحدر فيها الوقت ببطء يكاد يكون مرئيًا. لم تكن الأيام تمر؛ كانت تتسرب. وكان لكل يوم وزنه، ولكل مساء امتداده الخاص، كما لو أن عقارب الساعات تعمل داخل مادة أثقل من المعتاد.

ما شدّ الانتباه منذ اللحظة الأولى أن المدينة كانت تعيش على مستويين من الزمن في آن واحد.

هناك الزمن الظاهر، اليومي، المزدحم بالمواعيد، والقلق، ونقص الأشياء، والوجوه المستعجلة.

وهناك زمن آخر، أعمق وأبطأ، مستقر تحت حجارة الأزقة، خلف جدران المقاهي القديمة، في الأبواب الخشبية، وفي الأرصفة التي حفرتها أقدام لا تُحصى.

كان ذلك الزمن الثاني هو الذي يمنح المدينة ثقلها الحقيقي.

الزمن الأول يُرى، أما الثاني فيُحس.

كنا قادمين للمشاركة في مهرجان المسرح العربي الأول، وكان في داخل كل واحد منا شعور مبهم بأن ما ينتظرنا لن يكون مجرد مناسبة فنية عابرة. لم يكن الأمر يتعلق ببرنامج عروض أو لجنة تحكيم أو تصفيق جمهور. كان ثمة ما هو أعمق من ذلك؛ إحساس بأن المدينة نفسها اختارت أن تجعل من هذا اللقاء علامة تُضاف إلى دفترها السري، ذلك الدفتر الذي لا يُفتح إلا لمن يعرف كيف ينظر إلى الضوء بوصفه قناعًا، وإلى الظل بوصفه اعترافًا مؤجلًا.

بدت العاصمة، في تلك الأيام، مثل مسرح هائل بلا ستائر. لم يكن ثمة فصل واضح بين الخشبة والحياة. كل شارع كان يحمل بنية مشهد. كل مقهى بدا وكأنه مساحة انتظار قبل رفع الستار. كل وجه مرّ أمامنا كان يحمل شيئًا من شخصية لم يكتمل بناؤها بعد. حتى الصمت بين الكلمات بدا مدروسًا، كما لو أن المدينة بأكملها تتقن فن الإيقاع.

كان الهواء نفسه مشبعًا بما يكفي ليجعل الذاكرة أكثر يقظة. رائحة الورق المطبوع. الحبر القديم. ملفات محفوظة منذ سنوات. نصوص مرت عليها أيدٍ كثيرة. ملصقات طُويت ثم فُتحت. دفاتر ملاحظات حملت تصحيحات بالقلم الأحمر.

كل شيء كان يوحي بأننا لا نسير في مدينة، بل داخل مكتبة هائلة لم تُقرأ كتبها كاملة بعد.

دخلنا بغداد يومها كما يدخل المرء ذاكرة شخص آخر؛ بحذر، وبفضول، وبقدر من الخوف لا يعترف به علنًا. لأن الدخول إلى ذاكرة الآخرين أمر ممكن، أما الخروج منها كما كنت قبل الدخول، فتلك مسألة أخرى تمامًا.

أما مشاركتنا، فقد جاءت عبر العرض المسرحي “السيد والخادم”، وهو عمل ارتبط باسم المؤلف والمخرج شفاء العمري( 22 سبتمبر1939 – 14 فبراير2013 ) ذلك الرجل الذي لم يتعامل مع المسرح يومًا بوصفه مهنة، بل بوصفه قدرًا شخصيًا طويل الأمد. كان من أولئك الذين لا يصعدون إلى الخشبة لكي يمثلوا، بل لكي يعيدوا تعريف وجودهم مرة أخرى.

يركض خلف فكرة يصعب الإمساك بها بالكامل

حين كنت أنظر إليه، كان يخطر لي دائمًا أن بعض الفنانين لا يعيشون أعمارهم بالطريقة المعتادة؛ إنهم يعيشون داخل دور واحد، دور يمتد لعقود، ويتبدّل شكله، لكنه لا ينتهي. وعلى امتداد ما يقرب من أربعين عامًا، ظل يركض خلف فكرة يصعب الإمساك بها بالكامل؛ فكرة المعنى نفسه. يطارده، يقترب منه، يفقده، ثم يبدأ من جديد.

منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، بدا حضوره في المسرح العراقي أشبه بحارسٍ يقف عند باب معبد قديم، لا يغادر موقعه، حتى حين يتبدّل الزوار، وتتغير الوجوه، وتتآكل الجدران. كان يعود كل مساء إلى الخشبة كما يعود الناس إلى صلواتهم الأولى، لا بحثًا عن إجابة نهائية، بل بحثًا عن السؤال الذي يستحق أن يُطرح من جديد.

اختزال العمري في صفة “مخرج منفتح على الحداثة ” لم يكن كافيًا، كما لم يكن دقيقًا. كان أقرب، في جوهره، إلى صورة ” المُعلّم” أكثر من أي توصيف آخر. ليس بمعنى السلطة التعليمية التقليدية، بل بمعنى ذلك الذي يجعل من التمثيل تجربة معرفة، ومن التدريب بحثًا في الإنسان قبل أن يكون تدريبًا على الأداء.

كان عصاميًا في شغفه، لا يتعامل مع المسرح بوصفه مهنة مستقرة، بل بوصفه حقلًا مفتوحًا للقلق والمعرفة المستمرة. يتابع كل تجربة جديدة كما لو كانت احتمالًا لفهم مختلف للعالم، لا مجرد إضافة إلى رصيده المهني.

وكانت علاقته بالمعرفة علاقة اشتباك دائم، لا علاقة استهلاك. يقرأ، يعيد القراءة، ثم يعيد بناء ما قرأه داخل رؤيته الخاصة، كأن كل نص، مهما كان مصدره، لا يكتمل إلا حين يمر عبر وعيه الشخصي ويُعاد تشكيله داخل تجربته المسرحية.

كما كان شديد الانتباه لما يُكتب ويُنشر باللغة الإنكليزية، لا بوصفها لغة امتياز، بل بوصفها نافذة إضافية على المسرح العالمي. يتعامل مع النصوص الأجنبية كأنها طبقات من تجربة إنسانية يمكن تفكيكها وإعادة تركيبها داخل سياقات مختلفة، من دون أن تفقد جوهرها.

ولم يكن انعزاليًا في هذا المسار، بل كان دائم السعي إلى الحوار.

يكتب، يراسل، يناقش، ويتبادل الأفكار مع مخرجين وكتّاب من العالم العربي وخارجه، في محاولة لفهم التحولات التي تصيب المسرح، لا بوصفها تغييرات شكلية، بل بوصفها تحولات في طريقة النظر إلى الإنسان نفسه.

كان يراقب تلك التبادلات كما يراقب المرء مجرى نهر تتقاطع فيه تيارات متعددة، دون أن يفقد اتجاهه العام نحو البحر.

ولهذا، حين دخلنا معه تلك المدينة، لم نشعر أننا نشارك في عرض مسرحي فحسب، بل شعرنا أننا نقترب من لحظة نادرة يلتقي فيها الفن بالذاكرة، والتاريخ بالأداء، والمدينة بالنص… في مساحة واحدة، مضاءة بما يكفي كي نرى، ومعتمة بما يكفي كي نتذكر.

 

التكوين المبكر للعمري

وُلِد العمري في الموصل عام 1939، في مدينة لا يبدو فيها الزمن خطًا مستقيمًا بقدر ما يبدو طبقات متراكبة من الأصوات والحجارة والروائح والذكريات. كانت الموصل، في تلك السنوات، مكانًا تتجاور فيه القرون دون أن تتصادم؛ مدينة يستطيع المرء فيها أن يسمع صدى الماضي في نداء بائع متجول، وأن يلمح أثر حضارات كاملة في انحناءة زقاق ضيق أو في خشب باب أكلت أطرافه مواسم لا تُحصى. هناك، في ذلك التكوين المبكر الذي تمتزج فيه الحياة اليومية بتاريخ لا يكف عن الحضور، تشكلت عين العمري، لا بوصفها عين ممثل أو مخرج فحسب، بل بوصفها عينًا تعلمت منذ البداية أن ترى ما يقع خلف الأشياء، لا ما يظهر على سطحها.

حين أسس عام 1968 “فرقة مسرح الفن” في نادي الفنون في الموصل ، لم يكن الأمر أشبه بتأسيس فرقة مسرحية بالمعنى الإداري البسيط للكلمة. كان أقرب إلى وضع حجر أول في بناء غير مرئي، مدينة موازية لا تُسجل في خرائط البلديات ولا في السجلات الرسمية، لكنها تعيش في ذاكرة من مرّوا بها. كان يعرف، على نحو ربما لم يصرّح به، أن المؤسسات الثقافية الحقيقية لا تُبنى بالجدران أو المقاعد أو الستائر، بل تُبنى بالأفكار التي تصر على البقاء رغم تبدل الأزمنة.

وحين عاد في عام 1975 ليؤسس “فرقة جامعة الموصل”، لم يكن يكرر التجربة، بل كان يوسع حدودها. بدا كمن يزرع شجرة في أرض لا يملك ضمانًا بأنها ستثمر، لكنه يؤمن، بإيمان نادر، أن فعل الزرع نفسه يحمل قيمة مستقلة عن الحصاد. كان يدرك أن بعض الأعمال لا تُقاس بنتائجها المباشرة، بل بما تتركه من أثر في أولئك الذين سيأتون لاحقًا، أولئك الذين قد لا يعرفون اسم من زرع البذرة، لكنهم سيجلسون يومًا في ظلها.

عمل مع “فرقة نينوى” التابعة لدائرة السينما والمسرح، وقدم عبرها أعمالًا حملت ملامحه الإخراجية الواضحة؛ تلك الملامح التي لم تكن تسعى إلى الإبهار السريع بقدر ما كانت تبحث عن بناء داخلي متماسك، عن علاقة أكثر عمقًا بين النص والممثل والجمهور.

ثم جاء ظهوره على خشبة مسرح الرشيد في بغداد  عبر الفرقة القومية للتمثيل، في لحظة بدت، لمن عرف مسيرته، أشبه بتوقيع هادئ على جدار يعرف صاحبه أنه لن يبقى إلى الأبد، ومع ذلك يصر على أن يترك أثره عليه. لم تكن قيمة تلك الرحلة مرتبطة بنجاح عرض بعينه، أو بإشادة نقدية عابرة، أو حتى بتصفيق جمهور امتلأت به القاعة في مساء معين.

ما كان يتجلى في تجربة العمري أعمق من ذلك بكثير. كان الأمر انتصارًا لروح فنية اختارت، في بيئة لم تكن دائمًا سهلة على الفن، أن تظل واقفة. روح رفضت أن تنحني، لا بدافع البطولة، بل بدافع الإيمان بأن الفن، في لحظاته الحقيقية، ليس مجرد فعل جمالي، بل فعل مقاومة قادر على إعادة ترتيب المشهد كله.

عودة إلى ما قبل العرض في بغداد : وصول اللجنة للتقييم

وكما تقتضي تقاليد المهرجانات المسرحية الجادة، كان على العروض أن تمر أولًا عبر اختبار نقدي يسبق الافتتاح؛ اختبار لا يخضع للمجاملة، ولا للانتماءات المحلية، ولا لعلاقات الصداقة أو الضرورات الاجتماعية. لجنة محترفة، تمتلك المعرفة والخبرة والقدرة على قراءة العرض قراءة علمية وموضوعية، كانت جزءًا من بنية العمل نفسها، لا مجرد إجراء تنظيمي.

وقد تجسد ذلك بوضوح حين وصلت إلى الموصل  لجنة جاءت من بغداد، تضم د. صلاح القصب ود.فاضل خليل .

الإثنان لم يكونا من أولئك الذين يكتفون بمشاهدة العرض من الخارج. كانا ينظران إلى الخشبة كما ينظر الجرّاح إلى تركيب معقد، أو كما ينظر قارئ متمرس إلى مخطوطة يعرف أن المعنى الحقيقي لا يوجد في الكلمات وحدها، بل في المسافات الفاصلة بينها. كانا يقرآن الحركة، والإيقاع، والصمت، والانقطاع، والنبرة، وتلك اللحظات العابرة التي لا يلاحظها إلا من أمضى عمره في الإصغاء لما تقوله الخشبة حين يظن الجميع أنها صامتة.

أما العمري، فلم يكن ينظر إلى ذلك التقييم بوصفه امتحانًا أو حكمًا نهائيًا. كان يتعامل معه كما يتعامل الفنان مع مرآة صادقة؛ أداة لا تمنحه الاطمئنان، بل تمنحه الحقيقة. في كل ملاحظة، كان يقرأ شيئًا من نفسه. في كل توصية، كان يختبر رؤيته الخاصة للمسرح، علاقته بالممثلين، قدرته على إيصال الفكرة، وعلى تحويل النص من مادة مكتوبة إلى تجربة محسوسة.

كانت تلك الساعات التي تسبق الافتتاح أشبه بمنطقة مكثفة من التأمل الداخلي؛ مساحة يختبر فيها الفنان حدود إمكانياته، لا ليتراجع، بل ليعرف من أين يبدأ من جديد. وهناك، بين القلق والترقب، بين الثقة والشك، تتشكل أكثر اللحظات صدقًا في حياة أي مخرج.

ومن يعرف شيئًا عن تاريخ المسرح العراقي المعاصر، يعرف أن المكانة التي وصل إليها صلاح القصب  وفاضل خليل لم تأتِ من ألقاب أكاديمية أو مناصب ثقافية. لقد بدأت رحلتهما في ستينيات القرن العشرين، حين كانت أكاديمية الفنون الجميلة في جامعة بغداد  مختبرًا مفتوحًا للأفكار، ومكانًا تُختبر فيه الحدود الفنية قبل أن تُختبر على الخشبة. ولم يكن لقب “الدكتور” في تجربتهما مجرد إضافة بروتوكولية تسبق الاسم، بل كان خلاصة سنوات من البحث، من الفشل والنجاح، من إعادة النظر في كل مسلمة، ومن محاولة مستمرة لفهم المسرح لا بوصفه أداءً فنيًا فقط، بل بوصفه ظاهرة ثقافية، ومرآة اجتماعية، وأداة لفهم البنية العميقة للنفس البشرية.

حين وصلا إلى خشبة مسرح جامعة الموصل، لم يكن الاستقبال الذي قوبلا به مجرد تحية رسمية أو واجب مؤسسي. كان ثمة صمت خاص يسبق المصافحة، ذلك النوع من الصمت الذي ينشأ حين يلتقي التلاميذ بمن تركوا فيهم أثرًا لا يزول.

كنت أنا وزميلي بولص آدم من بين أولئك الذين تتلمذوا على أيديهما. لم نتعلم منهما كيف نقف على الخشبة فحسب، بل كيف ننظر إليها. تعلمنا أن المسرح ليس مهنة، وليس حتى فنًا بالمعنى التقليدي للكلمة، بل طريقة في فهم العالم، وطريقة في مساءلة الذات، وطريقة في اختبار علاقتنا بالآخر.

كان القصب وخليل، شأنهما شأن عدد من كبار المخرجين العراقيين الذين صنعوا ملامح المشهد المسرحي في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ينظران إلى تجربة شفاء العمري باحترام واضح. فقد كانت تجربة شقت لنفسها مسارًا خاصًا، متوغلة في أعمال جريئة في بنيتها وأسئلتها، ومتحررة من القوالب الإخراجية السائدة.

أما أعماله مثل “القاعدة والاستثناء”، و”ثورة الزنج”، و”مأساة بائع الدبس الفقير”، و”الزير سالم”، “شموكين ” فلم تكن مجرد عروض تُقدَّم ثم تُطوى ملصقاتها في اليوم التالي. كانت مختبرات فكرية كاملة، مساحات اختبار للأسئلة الكبرى؛ عن السلطة، والعدالة، والذاكرة، والهزيمة، والبطولة، والخوف، والإنسان وهو يحاول أن يفهم موقعه داخل التاريخ.

وفي تلك اللحظات، لم يعد المسرح مجرد منصة للعرض، بل صار مرآة مزدوجة؛ واحدة تعكس الواقع كما هو، وأخرى تكشف ما كان يمكن له أن يكون.

على خشبة مسرح الجامعة، لم تكن الأشياء تبدو منفصلة كما تظهر عادة في الحياة اليومية. لم يكن ثمة حدّ واضح بين الماضي والحاضر، بين الأستاذ والتلميذ، بين النص والذاكرة، بين ما يُقال على الخشبة وما يُقال في داخلنا ونحن نراقب. بدا المشهد، في تلك اللحظة، وكأنه بنية واحدة تتغذى من طبقات عديدة من الزمن؛ خبرة القصب وخليل المتراكمة عبر عقود من البحث والتجريب، شغف العمري الذي لم يعرف التوقف يومًا، أعوامنا نحن كطلبة نتنقل بين المقاعد والكواليس وقاعات التدريب، النصوص التي مرت من هنا وتركت شيئًا من أصواتها في الجدران، الضحكات العابرة التي ولدت في لحظات الارتباك، الصمت الذي كان يسبق كل دخول، وكل حركة جسدية صيغت بعناية حتى بدت، في ظاهرها، تلقائية تمامًا.

في تلك الأمسية، لم يعد المسرح مجرد مكان تُضاء فيه المصابيح ويُرفع فيه الستار. كان شيئًا أكثر عمقًا وتعقيدًا من ذلك. كان فضاءً تتكثف فيه التجارب الإنسانية حتى تصبح قابلة للرؤية. كان مختبرًا للوعي، ومرآة للروح قبل أن يكون مادة للعين. كل زاوية فيه كانت تحمل أثر من وقف هناك من قبل، وكل لوح خشبي بدا كأنه يحتفظ بما سمعه عبر سنوات طويلة من الاعترافات المؤجلة.

كان حضور القصب وخليل يتجاوز قيمته الرمزية أو المهنية. لم يكونا مجرد ضيفين قادمين من بغداد ، ولا مجرد اسمين كبيرين في سجل المسرح العراقي. كان حضورهما أشبه بدليل حي على أن الإنسان، حين يختار الفن طريقًا له، لا يتوقف عند حدود الإنجاز، بل يظل محكومًا بالبحث. كانا يحملان في ملامحهما أثر السنوات التي قضياها في مواجهة النصوص الصعبة، والممثلين القلقين، والفضاءات الفقيرة، والظروف التي لا تمنح الفنان ما يحتاجه بسهولة. ومع ذلك، لم تكن تلك السنوات قد أثقلت حضورهما، بل منحتهما نوعًا من الصفاء الذي لا يأتي إلا بعد زمن طويل من الشك والتجريب.

التجربة الفنية من فعل شخصي إلى اختبار جماعي

في تلك اللحظة، بدا لي أن الفن، في جوهره، ليس فعل إنتاج بقدر ما هو فعل استمرار. استمرار في السؤال، في إعادة النظر، في تجاوز ما يبدو نهائيًا. هو القدرة على التقاط خيوط متناثرة من التاريخ، والثقافة، والذاكرة الفردية، ثم نسجها داخل لحظة واحدة، على خشبة واحدة، أمام جمهور واحد، بحيث تتحول التجربة من فعل شخصي إلى اختبار جماعي، ومن عرض مؤقت إلى خبرة يصعب نسيانها.

ولهذا، لم يكن التقدير الذي أبداه القصب وخليل لتجربة العمري نوعًا من المجاملة المهنية، ولا تعبيرًا عن عرفان شخصي بين زملاء المهنة. كان اعترافًا حقيقيًا بمسيرة فكرية شجاعة، وبمحاولة استمرت لعقود لفهم المسرح لا بوصفه وسيلة للتعبير، بل بوصفه حياة كاملة. حياة يدخل فيها الألم كما يدخل الفرح، ويتجاور فيها الصراع مع التسامح، والضوء مع الظل، والأسئلة مع ذلك الصمت الذي لا يمنح إجابات جاهزة، لكنه يفتح أبوابًا جديدة للتأمل.

لهذا بقي ذلك اللقاء، في الوعي قبل الذاكرة، أشبه بلحظة نادرة لا تُقاس بطولها الزمني، بل بما تتركه من أثر داخلي. بعض اللحظات تمر أمامنا وتنتهي، وبعضها يستقر في مكان أعمق، في تلك المنطقة التي يتشكل فيها إدراكنا لما نحن عليه، وما يمكن أن نصبحه.

أما شفاء العمري، فكان يحمل في داخله علاقة مع المسرح يصعب وصفها بالمفردات المعتادة. لم يكن شغفًا عابرًا، ولا ولعًا مهنيا، ولا حتى طموحًا شخصيًا بالمعنى التقليدي. كان شيئًا أكثر اضطرابًا وأكثر صفاءً في آن واحد؛ حبًا لا يعرف الراحة، ولا يرضى بالاكتفاء بما هو متاح، ولا ينتظر من مؤسسة أن تمنحه شرعية ما يفعل.

لم يدخل معهداً متخصصاً، ولم يجلس في قاعة أكاديمية ينتظر شهادة تؤكد معرفته. كان يصنع تعليمه بنفسه، بصبر من يعرف أن المعرفة الحقيقية لا تُمنح، بل تُنتزع انتزاعًا. كان يقرأ، ويعود إلى ما قرأ، ثم يشك فيه، ثم يبدأ من جديد. يتتبع جذور المسرح الإغريقي، ويقرأ النصوص الغربية الحديثة، ويعود إلى التراث العربي، لا بوصفه مادة محفوظة، بل بوصفه كائنًا حيًا يجب مساءلته باستمرار.

كان ينظر إلى كل حركة على الخشبة كما ينظر عالم آثار إلى قطعة مكتشفة حديثًا؛ لا يكتفي بشكلها، بل يبحث عن أصلها، عن زمنها، عن الطبقات التي مرت فوقها، وعن الأثر الذي يمكن أن تتركه في من يراها. وكان يقرأ الكلمة المسرحية بالطريقة نفسها؛ لا باعتبارها جملة تُقال، بل باعتبارها قرارًا جماليًا ونفسيًا وتاريخيًا في آن واحد.

ومن خلال هذا التراكم الطويل، ومن خلال حسه الجدلي الخاص، الذي جمع بين التحليل الدقيق والحدس الفني، تشكلت لديه رؤية إخراجية مستقلة، رؤية لا تستعير ملامحها من أحد، ولا تخضع بسهولة لما تفرضه الموضات الفنية أو التوجهات الرسمية. كانت رؤية لا تعترف إلا بسلطة واحدة: سلطة الفن حين يكون صادقًا مع نفسه.

“السيد والخادم “: عندما يتحول الخوف إلى جزء من تكوين الإنسان.

لمّا اختار أن يقدم “السيد والخادم”، لم يكن يختار نصًا صالحًا للعرض فحسب، بل كان يختار مواجهة فكرية وأخلاقية مع واحدة من أكثر الظواهر السياسية والاجتماعية تعقيدًا:

الخوف الذي يصيب السلطة حين ترى إنسانًا يؤدي عمله بإخلاص.

كان النص يغوص في ذلك المرض المزمن الذي يصيب الأنظمة المغلقة؛ عدم القدرة على الثقة بمن لا يرفع صوته، بمن لا يعلن ولاءه باستعراضات لفظية، بمن ينجز بصمت، ويواصل حياته رغم القلق، ورغم النقص، ورغم الضغوط التي تتراكم بصمت مثل الغبار فوق الأثاث القديم.

كل شخصية في النص لم تكن مجرد وظيفة درامية داخل بناء حكائي. كانت تشريحًا نفسيًا لحالة إنسانية مأزومة. كانت محاولة لرصد اللحظة التي يبدأ فيها الخوف بالتسلل إلى الداخل، قبل أن يتحول إلى صمت، ثم إلى انكسار، ثم إلى قرار يغير مسار حياة كاملة.

وكان العمري، في قراءته لهذا النص، لا يكتفي بإخراج الشخصيات إلى الخشبة، بل كان يحاول أن يكشف ما يحدث داخلها قبل أن تنطق. كان يبحث عن لحظة الشرخ الأولى، عن النقطة التي يتحول فيها الشك إلى أسلوب حياة، والرقابة إلى صوت داخلي، والخوف إلى جزء من تكوين الإنسان نفسه.

وهنا، تحديدًا، لم يعد المسرح مجرد فن للعرض، بل صار أداة لفهم ما يفعله الزمن القاسي بالروح البشرية، حين تُجبر على العيش طويلًا تحت سقفٍ لا يسمح لها أن تنظر إلى الأعلى.

كان تقديم “السيد والخادم” في تسعينيات القرن الماضي أقرب إلى دخول منطقة يعرف الداخل إليها أن الطريق ليس ممهدًا، وأن كل خطوة، مهما بدت محسوبة، قد تُقرأ خارج معناها الفني. لم يكن النص مجرد اختيار جمالي، ولا قرارًا إخراجيًا يمكن وضعه ضمن سياق موسم مسرحي عابر، بل كان، في جوهره، نوعًا من المجازفة الفكرية التي تدرك مسبقًا أن ثمنها قد يتجاوز حدود الخشبة. ففي تلك السنوات، لم يكن المشهد الثقافي يعيش في فراغ محايد، بل في مناخ كثيف، تتداخل فيه الرغبة الحقيقية في الإبداع مع أنماط أخرى من الحضور، أنماط لم تكن ترى في الفن قيمة مستقلة، بل فرصة للرصد، والتأويل، وإعادة صياغة المعنى بما يخدم سلطات أكبر من النص وأبعد من الخشبة.

كان الوسط الثقافي، في كثير من لحظاته، يشبه ساحة تتحرك فيها شخصيات متعددة الأقنعة. بعضهم جاء إلى الأدب من باب المعرفة، وبعضهم إلى المسرح من باب الشغف، وبعضهم إلى الرسم من باب الحاجة العميقة إلى التعبير. لكن إلى جانب هؤلاء، كانت هناك فئة أخرى، أقل اهتمامًا بالمنجز الفني نفسه، وأكثر اهتمامًا بما يدور خلفه؛ بما يُقال في الكواليس، وما يُحذف من النص، وما يُهمس به بعد انتهاء العرض. كانوا يتحركون داخل المشهد بمهارة من يعرف كيف يبقى قريبًا من الضوء من دون أن يكون جزءًا منه، وكيف ينصت أكثر مما يتكلم، لا بدافع الفضول الثقافي، بل بدافع آخر أكثر برودة وأقل براءة.

في مثل هذا المناخ، لم يكن تقديم “السيد والخادم” مجرد عرض مسرحي، بل كان اختبارًا حقيقيًا لفكرة الفن نفسها. اختبارًا لقدرة الخشبة على أن تتحول من مساحة للتمثيل إلى مساحة للمساءلة. كان النص يضع الإنسان العادي في مواجهة أنظمة الشك، ويمنح الصمت قيمة أخلاقية، ويعيد تعريف الإخلاص لا بوصفه طاعة، بل بوصفه موقفًا داخليًا لا يحتاج إلى إعلان. وهذا وحده كان كافيًا لكي يتحول العرض إلى تجربة تتجاوز حدود الفن نحو منطقة أكثر حساسية، وأكثر قابلية لسوء الفهم.

وكان العمري يدرك ذلك تمامًا. لم يكن من أولئك الذين يدخلون المغامرة من باب الحماسة وحدها. كان يعرف طبيعة المرحلة، ويعرف أن بعض النصوص لا تُقرأ بالكلمات وحدها، بل تُقرأ أيضًا عبر المناخ الذي تُقدَّم فيه. ومع ذلك، لم يتراجع. لم يبحث عن نص أقل حدة، أو عن منطقة أكثر أمانًا، أو عن معالجة تخفف من أثر السؤال. اختار أن يواجه الفكرة كما هي، وأن يضعها على الخشبة بكل ما تحمله من احتمالات.

وفي أوقات كثيرة، بدا وكأنه يعمل وحده. لا بالمعنى التراجيدي للكلمة، ولا بوصفه ضحية ظروفه، بل بالمعنى الذي يعرفه كل فنان حقيقي حين يصل إلى تلك النقطة التي لا يستطيع أحد أن يتخذ القرار نيابة عنه. كان وحيدًا مع النص، مع الخشبة الفارغة قبل دخول الممثلين، مع الضوء الأول الذي يُختبر قبل بدء العرض، ومع ذلك الصوت الداخلي الذي لا يمنح صاحبه الراحة، لكنه يمنحه الاتجاه.

كانت كل بروفة بالنسبة إليه أكثر من تمرين تقني. لم تكن مجرد توزيع للحركة، أو ضبط للإيقاع، أو مراجعة للنص. كانت مساحة للتفكير، وإعادة النظر، ومساءلة الذات. كان يتعامل مع كل قراءة كما لو أنها قراءة أولى، ومع كل حركة كما لو أنها يمكن أن تغيّر معنى المشهد كله. لم يكن يبحث عن أداء صحيح بقدر ما كان يبحث عن لحظة صادقة؛ تلك اللحظة النادرة التي يتوقف فيها التمثيل، ويبدأ الكشف.

ولهذا لم يتحول “السيد والخادم” إلى عرض مسرحي فحسب، بل إلى امتداد حي لتجربة شخصية وجماعية في آن واحد. كان النص، في بنيته العميقة، رحلة داخل خوف الإنسان حين يصبح الخوف جزءًا من الحياة اليومية، وحين لا يعود مصدره واضحًا أو محددًا، بل يتسلل إلى التفاصيل الصغيرة، إلى طريقة الكلام، إلى اختيار المفردات، إلى طول الصمت بين جملتين.

كان الخوف، في تلك المرحلة، لا يظهر دائمًا في صوره المباشرة. لم يكن يحتاج إلى حضور معلن كي يُشعر الناس بوجوده. كان أكثر تعقيدًا من ذلك، وأكثر قدرة على التخفي. كان يسكن الظلال، ويتسلل إلى العلاقات، ويعيد تشكيل السلوك الإنساني من الداخل. يظهر في نظرة تتوقف قبل اكتمالها، في جملة تُبتلع قبل أن تُقال، في ضحكة قصيرة تنتهي أسرع مما ينبغي، وفي صمت يبدو، للوهلة الأولى، طبيعيًا، لكنه يحمل داخله ما هو أبعد من السكوت.

الحضور الرمادي للبيئات الثقافية

ما كان يضاعف وطأة مناخ الخوف ليس السلطة في صورتها المباشرة وحدها، بل ذلك النوع من الحضور الرمادي الذي يتشكل داخل البيئات الثقافية نفسها؛ حضور أشخاص يبدون، من الخارج، جزءًا من المشهد الإبداعي، يتحدثون لغة الفن، ويكتبون عنه، ويجلسون في الصفوف الأولى، لكنهم، في العمق، يؤدون أدوارًا أخرى أكثر التباسًا.

كانوا يعرفون كيف يرتدون أقنعة متعددة: شاعر هنا، قاص هناك، ممثل في مناسبة أخرى، أو ناقد يوزع أحكامه بثقة من يملك الحقيقة. لكن خلف هذه الأقنعة، كان ثمة شيء آخر يتحرك؛ شيء يتغذى على الريبة، ويزدهر كلما ضاقت مساحة الحرية، ويكتسب نفوذه من قدرته على تحويل الكلمة من أداة كشف إلى أداة مراقبة.

وكان العمري يعرف ذلك، كما يعرفه كثيرون ممن اختبروا العمل الثقافي في تلك العقود. وربما لهذا لم يكن صراعه مع الرقابة في معناها التقليدي هو الأصعب دائمًا. ففي أحيان كثيرة، لا تأتي أكثر أشكال الضغط من الجدار الظاهر، بل من الظل الذي يقف بجواره. لا تأتي من القرار المعلن، بل من الهمس، ومن التأويل، ومن ذلك التواطؤ الصامت الذي يمنح الخوف قدرة على البقاء.

ومع ذلك، لم يتعامل مع المسرح بوصفه ملاذًا للهروب من هذا الواقع، بل بوصفه المكان الوحيد القادر على كشفه. في كل مشهد، وفي كل انتقال، وفي كل لحظة صمت محسوبة بدقة، كان يقرأ المجتمع كما يقرأ نصًا معقدًا متعدد الطبقات. وكان يحاول، عبر الخشبة، أن يعيد ترتيب ما بعثره الزمن، وأن يخلق، ولو لساعة واحدة، مساحة يمكن فيها للحقيقة أن تتنفس.

وهنا، تحديدًا، لم يعد المسرح وسيلة للترفيه، ولا مناسبة ثقافية عابرة، بل صار شكلًا من أشكال البقاء. بقاء الفكرة، وبقاء السؤال، وبقاء ذلك الجزء من الإنسان الذي يرفض، مهما اشتدت العتمة، أن يتحول إلى مجرد صدى.

حين خضع عرض “السيد والخادم” للمشاهدة الأولى أمام اللجنة الفنية، لم يكن الأمر يشبه ما يحدث عادة في قاعات التقييم الرسمية، حيث تُدوَّن الملاحظات ببرود، وتُمنح الأحكام وفق مقاييس تقنية مجرّدة. كانت تلك الجلسة أقرب إلى لحظة اعتراف جماعي، لحظة محدودة العدد، لكنها كثيفة بما يكفي لتبدو أكبر من زمنها الفعلي. داخل القاعة، لم يكن الحضور كثيرًا، غير أن كل وجه كان يحمل تاريخًا خاصًا مع الفن، وكل عين جاءت محمّلة بسنوات من النظر، من المقارنة، من الشك، ومن ذلك الفضول النبيل الذي يجعل الفنان الحقيقي أقل اهتمامًا بالنتيجة، وأكثر اهتمامًا بما يحدث قبلها.

كان بين الحاضرين رسامون، وكتاب، ومسرحيون من الموصل ، رجال عرفوا كيف يقرأون الخط قبل اللون، والصمت قبل الحوار، والإيماءة قبل أن تتحول إلى معنى معلن. بعضهم جاء من محترفه، وآخرون من مكاتب امتلأت بالمخطوطات، وآخرون من خشبات قديمة تركت على أصابعهم أثر الغبار والطلاء والخشب. كانوا مختلفين في أدواتهم، لكنهم متفقون في شيء واحد: أنهم لا ينظرون إلى العرض بوصفه تسلية، بل بوصفه نصًا آخر يجب أن يُقرأ.

جلسنا هناك، وفي داخل كل واحد منا ذلك التوتر الذي يسبق اكتشاف شيء لا نعرف شكله النهائي بعد. لم يكن الخوف هو الشعور الوحيد، ولا الحماسة وحدها. كان هناك مزيج معقد من الترقب، والرهبة، والفضول، والإيمان الخفي بأننا على وشك مشاهدة شيء قد يتجاوز حدود العرض نفسه. كنا ننتظر أن يتحول النص، المكتوب بالحبر والهوامش والتصحيحات، إلى كائن حي. أن يصبح الجسد جزءًا من الجملة، والصوت امتدادًا للفكرة، والصمت شكلاً آخر من أشكال الكلام.

وحين بدأ العرض، لم يعد ثمة مجال للحديث الداخلي. أخذت الخشبة زمام كل شيء. الحركة، والإيقاع، والضوء، والوقفات المحسوبة، والمسافات بين الممثلين، وحتى تلك الثواني التي لا يحدث فيها شيء ظاهريًا، كانت تحمل داخلها ما يكفي لإبقاء الأنفاس معلقة.

كان القصب وخليل يتابعان العرض بذلك النوع من التركيز الذي لا يُظهر الكثير في الملامح، لكنه يكشف كل شيء في العيون. لم يكن ما رأيته فيهما مجرد إعجاب مهني، ولا رضًا عن معالجة تقنية متقنة. كان شيئًا أعمق من ذلك بكثير. كان إدراكًا واضحًا بأن النص لا يكتفي بسرد حكاية، بل يفتح جرحًا حقيقيًا في وعي المتلقي. جرحًا يتصل بالخوف، وبالشك، وبالعلاقة الملتبسة بين الإنسان والسلطة، بين الإخلاص الذي لا يطلب مكافأة، والخوف الذي يطلب الطاعة.

كانا يعرفان، منذ الدقائق الأولى، أن هذا العرض لا يشبه ما يُقدَّم عادة على الخشبة في مواسم المهرجانات. لم يكن نصًا يسعى إلى نيل التصفيق السريع، ولا عرضًا يبحث عن الأمان. كان تجربة متوترة، محفوفة بما يكفي من الجرأة لتجعل كل مشهد يبدو وكأنه يمشي على حافة غير مرئية.

ولهذا، حين بدأت بعض الأصوات من أطراف المشهد تلمّح إلى ضرورة استبعاده، بحجة أن قراءته قد تُفسَّر على نحو سياسي حساس، لم يكن الأمر مفاجئًا. فالنصوص التي تقترب من الحقيقة غالبًا ما تُقرأ من خارج الفن قبل أن تُقرأ من داخله. وما يربك بعض الناس ليس ما يقوله العمل صراحة، بل ما يتركه مفتوحًا للتأويل.

لكن ما حدث بعد ذلك كان، بالنسبة لي، واحدًا من أكثر الدروس رسوخًا في معنى المسؤولية الثقافية.

لم يتردد القصب وخليل طويلًا. بعد نقاش هادئ، خالٍ من الاستعراض أو التوتر الظاهر، أعلنا أن العرض صالح للمشاركة في مهرجان المسرح العربي الأول ، وأن قيمته الفنية والفكرية لا يمكن أن تُختزل في قراءات متعجلة أو في مخاوف تأتي من خارج الخشبة.

لم يكن قرارهما مجرد توقيع إداري، ولا موافقة تقنية على مشاركة عرض ضمن برنامج مهرجان. كان موقفًا أخلاقيًا قبل أن يكون مهنيًا. كان إعلانًا صامتًا بأن الفن، حين يكون صادقًا مع موضوعه، لا يجوز أن يُحاسَب على ما يخشاه الآخرون فيه.

أتذكر أنني، وأنا أراقب ذلك المشهد، شعرت للمرة الأولى أن المسرح لا يعمل كمرآة واحدة، بل كمرآتين في آن واحد. واحدة تعكس الواقع كما هو، بكل تناقضاته وقسوته وغموضه. وأخرى تعكس الإنسان وهو يواجه ذلك الواقع من الداخل؛ بخوفه، وشكوكه، وكرامته، وصمته.

 

لم تعد الحركة مجرد حركة، ولا الكلمة مجرد كلمة، ولا الصمت مجرد فراغ بين جملتين. كل شيء صار يحمل معنيين في آن واحد: معنى ظاهر على الخشبة، ومعنى آخر يتحرك بصمت داخل المتفرجين.

وكان العمري واقفًا هناك، يراقب كل تفصيلة كما يراقب الأب ولادة شيء يعرف أنه قد لا يعيش بسهولة. لم يكن يتابع أداء الممثلين فقط، بل كان يتابع مصير تجربة كاملة. كانت الخشبة، في تلك اللحظة، امتدادًا مباشرًا لوعيه، ولتعبه، ولسنوات من القراءة، والشك، والمواجهة، والإيمان بأن الفن لا يُصنع في المناطق الآمنة.

كنت أراه يتابع حركة عين، وتبدّل نبرة، وتوقيت صمت، كما لو أن كل تفصيلة يمكن أن تغيّر مصير العمل كله. ولم يكن ذلك مبالغة. ففي مثل تلك الأزمنة، كانت أحيانًا حركة صغيرة، أو جملة تُقال بنبرة مختلفة، كافية لأن تغيّر طريقة قراءة العرض بأكمله.

ما فعله القصب وخليل في تلك الليلة لم يكن دفاعًا عن عرض مسرحي وحسب. كان دفاعًا عن حق الفنان في أن يخاطر. دفاعًا عن تلك المساحة الهشة التي يولد فيها الإبداع بين الشك والخوف والاحتمال.

وبحكمة نادرة، وهدوء لا يتوافر إلا لمن خبروا الفن والحياة معًا، وضعا حدًا لكل ما كان يمكن أن يتحول إلى أزمة أكبر. لم يرفعا صوتهما، ولم يدخلا في جدل استعراضي، ولم يحاولا إثبات شيء لأحد. اكتفيا بتحمل المسؤولية كاملة، وبوضوح لا يحتمل التأويل، أكدا أنهما مستعدان لتحمل أي تبعات قد تنشأ عن مشاركة العرض.

في تلك اللحظة، فهمت أن بعض القرارات لا تُكتب في محاضر الاجتماعات، بل تُكتب في ضمير من يتخذها.

وفهمت أيضًا أن حماية الفن لا تأتي دائمًا من القوانين أو المؤسسات، بل أحيانًا من أفراد يقررون، في لحظة حاسمة، أن الحقيقة تستحق أن تُمنح فرصة للظهور.

وأن الخشبة، مهما بدت صغيرة تحت الضوء، يمكن أن تصبح، في لحظة واحدة، أوسع من كل أشكال الخوف.

القيمة الحقيقية للفنان حين تتحول الخبرة إلى مسؤولية أخلاقية

أمام ذلك الموقف، الهادئ في ظاهره، العميق في أثره، بدأ معنى آخر للفن يتشكل في وعينا، معنى لم نتعلمه في قاعات الدرس، ولم نجده كاملًا في الكتب، ولم تمنحه لنا النصوص مهما بلغت من الإتقان. أدركنا، للمرة الأولى بهذا الوضوح، أن عظمة الفنان لا تُقاس بعدد الأعمال التي أنجزها، ولا بعدد المهرجانات التي مرّ بها، ولا بالشهادات المعلقة على جدران مكتبه، ولا بالألقاب التي تسبق اسمه في الدعوات الرسمية. كل ذلك قد يمنح صاحبه حضورًا، وربما يمنحه مكانة، لكنه لا يمنحه بالضرورة القيمة التي تبقى.

القيمة الحقيقية تظهر في مكان آخر تمامًا؛ في تلك اللحظات النادرة التي يصبح فيها القرار الشخصي أكثر أهمية من الإنجاز المهني، وحين تتحول الخبرة من معرفة إلى موقف، ومن تراكم نظري إلى مسؤولية أخلاقية لا يمكن التهرب منها.

هناك، في تلك اللحظة، فهمنا أن الفنان الحقيقي ليس ذلك الذي يعرف كيف يبني مشهدًا متقنًا فقط، أو كيف يوجّه ممثلًا، أو كيف يقرأ نصًا معقدًا قراءة ذكية، بل هو ذلك الذي يعرف متى يقف، ولماذا يقف، ولأجل من يقف.

فما معنى أن يحمل الإنسان موهبة، إذا كانت تلك الموهبة عاجزة عن حماية كرامة إنسان آخر؟

وما جدوى المعرفة، إذا كانت تتراجع عند أول اختبار أخلاقي؟

وما قيمة الفن، إذا كان صاحبه يستخدم الكلمة، أو اللون، أو الحركة، لا للكشف، بل للإدانة السريعة، لا للفهم، بل للتخوين، لا لفتح المساحات الإنسانية، بل لإغلاقها؟

كانت تلك الأسئلة تتحرك في داخلي بصمت، وأنا أراقب ما يجري أمامي. لم يكن أحد ينطق بها بصوت مرتفع، لكن الجميع، بطريقة ما، كان يشعر بها.

وفي تلك الليلة، بدا واضحًا أن أخطر ما يمكن أن يصيب الفنان ليس الفشل، ولا النقد، ولا قلة الإمكانات، بل أن تتحول أدواته الإبداعية إلى أدوات ضغط، أو إلى وسيلة لتصفية الحسابات، أو إلى خطاب يتخلى عن الإنسان باسم المبادئ، أو باسم الولاء، أو باسم النجاة الشخصية.

أما ما رأيناه في ذلك الموقف، فقد كان النقيض الكامل لهذا كله.

كان درسًا يتجاوز أي محاضرة، وأعمق من أي عرض، وأكثر بقاءً من أي شهادة أكاديمية. رأينا كيف يمكن للوعي الأخلاقي أن يحمي الفن حين تعجز المؤسسات عن حمايته. وكيف يمكن لقرار يُتخذ بهدوء، ومن دون استعراض، أن يمنح الخشبة قيمة تتجاوز الخشب والضوء والديكور.

لم تعد الخشبة مجرد منصة للعرض، بل بدت أشبه بمساحة يُختبر فيها الإنسان نفسه. مساحة تتجلى فيها القيم لا عبر الخطابات، بل عبر الأفعال الصغيرة التي تُتخذ في اللحظات الحرجة.

وأخذت أفكر، وأنا أراقب كل ذلك، أن الفن، حين يُمارَس بهذه الدرجة من المسؤولية، لا يعود مجرد نشاط ثقافي، ولا مجرد شكل من أشكال التعبير، بل يصبح أداة لإعادة ترتيب العالم الداخلي للإنسان. يصبح طريقة لرؤية الأخلاق لا بوصفها مفهومًا تجريديًا، بل بوصفها ممارسة يومية، قرارًا، مخاطرة، وصمتًا يعرف متى يتحول إلى موقف.

وفي تلك اللحظات تحديدًا، يصبح معنى الحرية أكثر تعقيدًا وأكثر صدقًا. الحرية ليست كلمة تُرفع في الشعارات، ولا جملة تُكتب في مقدمة نص، بل هي قدرة الإنسان على أن يقول نعم حين يخاف الجميع، أو أن يقول لا حين يصبح الصمت أكثر أمانًا.

وهكذا بقي ذلك المشهد عالقًا في داخلي، لا كذكرى، بل كمعيار.

السفر إلى بغداد لتقديم العرض

بعد أيام، اتجهنا إلى بغداد، المدينة التي لا تستقبلك كزائر بقدر ما تختبرك منذ اللحظة الأولى. مدينة تتجاور فيها طبقات التاريخ كما تتجاور الأصوات في سوق قديم؛ لا شيء فيها يبدو منفصلًا عن ماضيه، ولا شيء فيها يعيش حاضرًا خالصًا.

كنا متجهين إلى المهرجان  لتقديم العرض، لكن الرحلة التي قطعناها لم تكن جغرافية فقط. المسافة بين الموصل  وبغداد  بدت، مقارنة بما كان يحدث داخلنا، أقصر بكثير من المسافة النفسية التي كان علينا عبورها.

لقد كنا نحمل معنا أكثر من ديكور، وأكثر من نص، وأكثر من جدول عروض. كنا نحمل خوفًا مكتومًا، وأسئلة لم تُحسم بعد، وإحساسًا ثقيلًا بأن ما سنقدمه لا يشبه العروض التي تمر بسلام.

أتذكر أنني أنا وصديقي بولص آدم، طوال الطريق، كنا نراقب العمري بصمت أكثر مما نتحدث معه. كان يحمل في ملامحه شيئًا لم يكن يحتاج إلى تفسير. سنوات طويلة من العمل، من الصبر، من بناء تجربة قطعة بعد أخرى، كانت كلها تبدو وكأنها تجمعت دفعة واحدة فوق كتفيه.

لم يكن الخوف الذي رأيناه فيه خوفًا من العرض ذاته، ولا من الجمهور، ولا من النقد. كان شيئًا أعمق من ذلك بكثير. كان خوف الإنسان الذي يدرك أن فكرة واحدة، أو قراءة واحدة، أو تأويلًا واحدًا، قد يغيّر مصير سنوات كاملة.

وكان واضحًا، حتى من دون أن يقول شيئًا، أنه يقف عند تلك المنطقة الدقيقة التي يبدأ فيها الفنان بمساءلة كل ما بناه:

هل يستحق الأمر؟

هل المضي إلى النهاية هو الشجاعة، أم التراجع هو الحكمة؟

وهل يمكن للحقيقة، في بعض الأزمنة، أن تكون أكثر كلفة من قدرة الإنسان على الاحتمال؟

لهذا حاولنا، أنا وبولص، أن نفعل ما يستطيع الأصدقاء فعله حين تعجز اللغة عن تقديم حلول. تحدثنا كثيرًا، ثم صمتنا كثيرًا. حاولنا أن نعيد إليه شيئًا من يقينه الأول. كنا نبحث عن الكلمات التي لا تبدو كلمات، عن النبرة التي تمنح الطمأنينة من دون أن تدّعي امتلاك الإجابات.

كل جملة، وكل ابتسامة، وكل لمسة على الكتف، كانت تبدو في تلك الساعات الصغيرة وكأنها جزء من معركة غير معلنة.

وكان هو يصغي، أحيانًا بعينيه، وأحيانًا بصمته.

لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا: لم يكن يقاتل من أجل عرض مسرحي فقط.

كان يقاتل من أجل حقه في ألا يتراجع بعد كل هذا الطريق.

 

التجربة الفنية : من فضاء للخلق، إلى امتحان للبقاء

ما حدث بعد وصولنا إلى بغداد  لم يكن، في ظاهره، أكثر من سلسلة من التفاصيل التنظيمية المعتادة التي ترافق أي مهرجان كبير. لكن الفن، كما تعلمت لاحقًا، لا يتعامل مع التفاصيل بوصفها أشياء صغيرة. أحيانًا، يكفي تغيير في المكان، أو اختلال في التوقيت، أو سوء تقدير في المسافة بين الجسد والضوء، لكي يتبدل مصير عرض كامل، ولكي تنتقل تجربة فنية من منطقة الاكتمال إلى منطقة الدفاع عن بقائها.

منذ اللحظات الأولى، كان هناك شعور غامض بأن شيئًا ما لا يتحرك في الاتجاه الذي ينبغي له أن يتحرك فيه. لم يكن الأمر صدامًا مباشرًا، ولا اعتراضًا معلنًا، ولا قرارًا واضحًا يمكن الاحتجاج عليه. كان أقرب إلى ذلك النوع من التعقيد الذي يتسلل عبر الإجراءات، والجداول، والتبديلات المفاجئة، والقرارات التي تبدو، على الورق، محايدة تمامًا، لكنها في الواقع قادرة على تغيير البنية الداخلية لأي عمل فني.

بدت بغداد، في تلك الأيام، وكأنها تختبرنا بطريقتها الخاصة. المدينة التي فتحت لنا أبوابها بوصفها عاصمة للمسرح والثقافة، بدت في لحظات معينة كأنها تضع أمامنا سلسلة من الامتحانات الصغيرة، امتحانات لا تتعلق بالنص أو الأداء، بل بقدرة الفنان على حماية عمله من الأشياء التي لا تُكتب عادة في النقد، لكنها كثيرًا ما تحدد مصير العرض أكثر من أي موهبة.

كان واضحًا أن العمري يحمل تصورًا دقيقًا للغاية عن المكان الذي ينبغي أن يُقدَّم فيه “السيد والخادم”. لم يكن اختياره للمسرح مسألة تفضيل شخصي، ولا رغبة عاطفية مرتبطة بمكان معين. كان قرارًا ينبع من فهم عميق للبنية الداخلية للنص، وللعلاقة العضوية بين الفضاء الدرامي والإيقاع النفسي للعمل.

كان يطمح إلى تقديم العرض على قاعة “مسرح الشعب” في منطقة باب المعظَّم، ذلك المسرح الصغير القريب من روح النص، والمناسب لتكوينه البصري والدرامي. لم يكن العرض بحاجة إلى فضاء هائل، ولا إلى عمق مسرحي واسع، ولا إلى إمكانيات تقنية معقدة. كان نصًا يعتمد على شخصيتين، وعلى ديكور مقتصد، وعلى مسافات محسوبة بدقة، وعلى صمت يجب أن يُسمَع بوضوح، لا أن يضيع في الفراغ.

في ذلك النوع من المسارح، يمكن لحركة صغيرة أن تحمل وزن مشهد كامل. يمكن لنبرة صوت منخفضة أن تصل إلى آخر مقعد دون أن تفقد حرارتها. ويمكن لصمت قصير أن يتحول إلى سؤال مفتوح داخل وعي المتفرج.

ذلك المكان، من وجهة نظر العمري، لم يكن مجرد خيار مناسب. كان الامتداد الطبيعي للنص. لكن ما يحدث أحيانًا في الحياة الثقافية لا تحكمه دائمًا الضرورات الفنية.

لم يتحقق ذلك الطلب.

لم يكن الرفض صاخبًا، ولم تُقدَّم له أسباب درامية أو فكرية أو حتى فنية. كان الأمر أقرب إلى قرار إداري بارد، قرار لا يحمل عداءً مباشرًا، لكنه لا يحمل أيضًا أي حساسية تجاه طبيعة العمل.

وفي تلك اللحظة، أدركت أن أكثر ما يمكن أن يرهق الفنان ليس الرفض الصريح، بل اللامبالاة.

أن تقضي سنوات في بناء عمل شديد الدقة، ثم تجد نفسك أمام منظومة ترى المسرح مجرد مساحة فارغة يمكن أن يوضع فيها أي شيء، في أي وقت، وعلى أي خشبة.

كان ذلك، بالنسبة إلى العمري، اختبارًا من نوع آخر.

لم يكن صراعه هذه المرة مع النص، ولا مع الرقابة، ولا مع الخوف الذي يسكن خلف الكلمات، بل مع شيء أكثر مراوغة: مع البنية الصلبة للروتين، مع القرارات التي لا ترى الفن إلا بوصفه بندًا ضمن جدول.

ومع ذلك، ظل يقاوم بصمته المعتاد.

لكن الصدمة الأكبر لم تأتِ بعد.

فإدارة المهرجان لم تكتفِ برفض المكان الذي رآه الأنسب، بل سلّمتنا خشبة العرض قبل موعد التقديم بساعة واحدة فقط.

ساعة واحدة.

في الحياة اليومية، قد تبدو ساعة زمنًا كافيًا لأشياء كثيرة. أما في المسرح، فهي قد تكون لا شيء.

بالنسبة لأي عرض قائم على الإيقاع، والمسافة، والضوء، والتنفس الجماعي بين الممثلين، فإن ساعة واحدة لا تكفي حتى لكي يبدأ الجسد بفهم المكان.

كنا نقف هناك، أمام خشبة واسعة داخل مبنى “المسرح الوطني” ، نحمل معنا نصًا صُمّم ليعيش في فضاء حميمي، ثم نجد أنفسنا فجأة أمام مساحة ضخمة، مفتوحة، باردة، تبتلع الصوت قبل أن يستقر، وتمدد الحركة إلى ما يتجاوز معناها الأصلي.

كان الفرق بين الفضاءين أشبه بالفرق بين الهمس داخل غرفة صغيرة، والهمس نفسه في ساحة مفتوحة.

النبرة ذاتها، لكن المعنى لم يعد هو نفسه.

حاولنا أن نتحرك بسرعة، أن نعيد توزيع العلامات، أن نقرأ المسافات من جديد، أن نفهم أين يقف الجسد، وأين ينكسر الضوء، وأين يجب أن يسقط الصمت.

لكن الوقت كان يتحرك ضدنا.

كل دقيقة كانت تمر كأنها تسحب جزءًا من يقيننا.

وكان واضحًا أن العمري يشعر بذلك أكثر منا جميعًا.

كنت أراه ينظر إلى الخشبة لا بوصفها مساحة للعرض، بل بوصفها تضاريس جديدة عليه أن يعيد اكتشافها في وقت لا يسمح بالاكتشاف.

كان يمشي بصمت، يقيس المسافات بعينيه، يراقب الضوء، يصغي إلى ارتداد الصوت، ويتوقف فجأة كما لو أنه يحاول أن يسمع النص نفسه وهو يتأقلم مع المكان الجديد.

لكن بعض النصوص، مهما بلغت مرونتها، ترتبط بجغرافيتها الداخلية كما يرتبط الإنسان بصوته.

وكان واضحًا أن هذه الخشبة الكبيرة، بدل أن تمنح العرض اتساعًا إضافيًا، بدأت تسحب منه شيئًا من كثافته الأولى.

بدل أن تُكبّر الدراما، أخذت تُبعثرها.

وبدل أن تمنح الحركة أفقًا أوسع، أخذت تُحوّلها إلى جزئيات صغيرة داخل فراغ لا يرحم.

وفي تلك اللحظة، أدركت أن الخشبة، مثل الحياة تمامًا، ليست دائمًا حليفًا لمن يقف عليها.

أحيانًا، إذا لم تُفهم جيدًا… تتحول من فضاء للخلق، إلى امتحان للبقاء.

على الرغم من كل ما أحاط العرض من ارتباك مكاني وضغط زمني واختلال في الشروط التي وُلد من أجلها، فإن ما حدث بعد رفع الستار كان، في حد ذاته، تجربة لا تقل تعقيدًا عن العرض نفسه. لم يكن الجمهور كتلة واحدة، ولم يخرج بانطباع واحد، ولم يستجب بالطريقة المريحة التي يحلم بها أي فريق مسرحي بعد أسابيع من العمل والقلق.

انقسام الجمهور بين انتباهٍ حادٍّ وتحفّظٍ واضح

كان الانقسام واضحًا، بل يكاد يكون جزءًا من بنية تلك الليلة نفسها.

في جهة من القاعة، كان هناك من تلقّى العرض كما ينبغي لأي عمل صادق أن يُتلقّى: بانتباه حاد، وبصمت مشوب بالتوتر، وبذلك النوع من الإصغاء الذي لا يحتاج إلى التصفيق كي يعلن عن تأثره. رأيت في بعض الوجوه شيئًا يشبه الاعتراف الداخلي؛ ذلك الاعتراف الذي يحدث حين ينجح النص في الوصول إلى منطقة لا يحب الإنسان دائمًا أن تُمس. كانوا قد التقطوا ما كان يتحرك خلف الحوار، خلف الحركة، خلف الصمت المدروس، ورأوا في “السيد والخادم” أكثر من مواجهة درامية بين شخصيتين. رأوا، على ما يبدو، شيئًا من صراع الإنسان مع الخوف، ومع الولاء، ومع ذلك الانقسام الخفي بين ما يشعر به في داخله وما يُطلب منه أن يُظهره في العلن.

وفي جهة أخرى، كان هناك من خرج من القاعة بشيء من التحفظ، وربما بالضيق الذي لا يعترف دائمًا بأسبابه الحقيقية. لم يكن رفضهم صاخبًا، ولم يتحول إلى اعتراض مباشر، لكنه كان حاضرًا في الملامح، في الصمت البارد، في المجاملات المختصرة، وفي تلك النظرات التي تقول أكثر مما تقوله الكلمات. وربما لم يكن الأمر متعلقًا بالنص وحده، ولا بالأداء وحده، بل بذلك الإحساس غير المريح الذي يصيب بعض الناس حين يجدون أنفسهم فجأة أمام عمل يطالبهم بأن يروا ما اعتادوا تجنبه.

وربما كان الفضاء الكبير نفسه قد لعب دوره في هذا الانقسام؛ تلك المسافة الواسعة بين المتلقي والخشبة، ذلك الاتساع الذي أجبر العرض الحميمي على أن يتحدث بصوت أعلى مما أراد، وأن يتحرك في فراغ لم يُكتب له أصلًا. لكن الفن، حتى في أكثر ظروفه تعقيدًا، يظل قادرًا على العثور على من يصغي إليه، وعلى من يقاومه في الوقت نفسه.

أما أنا، وبعد كل هذه السنوات، فلا أزال أنظر إلى تلك التجربة بوصفها واحدة من أكثر المحطات رسوخًا في حياتي الفنية، لا لأنها كانت خالية من الألم أو القلق أو الإرباك، بل لأنها وضعتني، للمرة الأولى، تحت إشراف فنان يعرف التمثيل بوصفه علمًا بقدر ما يعرفه بوصفه حدسًا.

 

“الحرب بين المثقفين والفنانين أحيانًا أشد قسوة من حرب الساسة” .

كان العمري من ذلك النوع النادر من المخرجين الذين لا يكتفون بتوجيه الممثل، بل يقرأونه. لم يكن ينظر إلى الأداء بوصفه حركة تُنفَّذ، أو جملة تُقال في توقيتها الصحيح، بل بوصفه سلسلة معقدة من الإشارات النفسية والجسدية التي يجب أن تُوقظ من الداخل قبل أن تظهر على الخارج.

كان يعرف، بدقة تكاد تكون علمية، كيف يقود الممثل إلى تلك المنطقة التي تبدأ فيها الحواس بالاستيقاظ. كيف يجعل الجسد أقل تمثيلًا وأكثر صدقًا. كيف يحرر الصوت من عاداته اليومية، ويعيد إليه طبقاته المنسية. كيف يجعل الصمت فعلًا دراميًا لا يقل قوة عن الكلام.

وكان يدرك، قبل كثيرين، أن الممثل لا يتحرك على الخشبة بجسده فقط، بل بتاريخ كامل من الخوف، والرغبة، والذكريات، والشك، واليقين المؤقت.

كل التفاتة، كل توقف، كل نفس غير مكتمل، كل فكرة عابرة تمر في عين الممثل قبل أن تتحول إلى كلمة، كانت بالنسبة إليه مادة قابلة للتشكيل.

ولهذا لم يكن التدريب معه تمرينًا بالمعنى التقليدي. كان أشبه بعملية تنقيب داخل النفس.

اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود على تلك الليلة، أجد نفسي أكثر قدرة على فهم جملة قالها صباح اليوم التالي، ونحن نجلس في صالة فندق المنصور ميليا ، حيث كان الصباح هادئًا بما يكفي لأن تسمع الأفكار وهي تعود من الليل.

قالها بصوت منخفض، ومن دون أي رغبة في التأثير:

“الحرب بين المثقفين والفنانين أحيانًا أشد قسوة من حرب الساسة” .

في تلك اللحظة، بدت العبارة تعليقًا على ما جرى. أما الآن، بعد كل هذا الزمن، أراها أقرب إلى خلاصة حياة كاملة.

لم تكن جملة انفعالية، ولا رد فعل على خلاف عابر، بل قراءة عميقة لطبيعة الصراع حين ينتقل من السياسة إلى الثقافة، من المؤسسات إلى الأفراد، من السلطة الظاهرة إلى السلطة المقنعة باللغة والذوق والمكانة.

ففي السياسة، يعرف الإنسان خصمه غالبًا.

أما في الفن، فالأمر أكثر التباسًا.

قد يأتي الخطر أحيانًا من شخص يتحدث اللغة نفسها، ويقرأ الكتب نفسها، ويجلس في الصفوف الأولى، ويصفق في الوقت المناسب.

وربما لهذا بقيت تلك العبارة عالقة في داخلي كل هذه السنوات.

لقد فهمت، مع مرور الوقت، أن كل عرض، مهما بدا محدودًا بزمنه ومكانه، هو في الحقيقة لحظة اختبار للإنسان قبل أن يكون اختبارًا للفن.

لحظة يُعاد فيها ترتيب الداخل.

لحظة يُسأل فيها الفنان، من دون كلمات: لماذا تفعل هذا أصلًا؟

وبعد أن أُسدل الستار، وبعد أن غادر الجمهور، وبعد أن انطفأت الأضواء واحدًا تلو الآخر، رأيته يجلس وحده في الكواليس، على مقعد خشبي قديم، متآكل الأطراف، كأنه جزء من ذاكرة المسرح نفسه.

لم يكن يتحدث.

لم يكن غاضبًا.

ولم يكن منتصرًا أيضًا.

كان يحدق في أرضية الخشبة بصمت طويل، ذلك الصمت الذي لا يعني غياب الكلام، بل امتلاءه.

بدت الأرض التي حملت خطواته قبل دقائق وكأنها تطرح عليه أسئلة لا يملك أحد غيره أن يجيب عنها.

ماذا أنجزت؟

وماذا دفعت؟

وماذا بقي منك هنا؟

وكانت أصوات الممثلين، وضحكات العاملين، وخطوات المغادرين، تتلاشى تدريجيًا في الممرات الخلفية.

لكن الصمت الذي بقي لم يكن فراغًا. كان مساحة كاملة تتسع لعمر. لعقود من التعب. لنصوص كُتبت ومُزقت وأُعيدت كتابتها. لعروض نجحت، وأخرى قاومت الفشل. للحظات اقترب فيها من الانكسار، ثم عاد. ولتلك المحاولات المتكررة لفهم شيء يبدو بسيطًا في الظاهر، ومستحيلًا في العمق:

كيف يمكن للمسرح… أن يكشف الإنسان لنفسه، من دون أن ينطق باسمه؟

 

ليس كل مكان صالحًا لانفجار الروح.

في السنوات التي أعقبت تلك التجربة، وبعد أن بدأت ملامح مشروعه الفني تترسخ بوضوح في الوعي المسرحي العراقي، تلقّى العمري دعوة للعمل مع” الفرقة القومية للتمثيل” التابعة لوزارة الثقافة العراقية ، الفرقة التي كانت، في ذلك الوقت، تمثل بالنسبة لكثير من المسرحيين الذروة المهنية التي يسعى إليها المخرج أو الممثل بعد سنوات طويلة من التجريب والعمل في المسارح الجامعية والمحلية. كان الانتقال إلى تلك المؤسسة، في الظاهر، اعترافًا مستحقًا بخبرة تراكمت عبر عقود، وإقرارًا بأن الرجل الذي بنى لغته الإخراجية في الموصل  أصبح قادرًا على أن يعمل في أكثر المساحات الرسمية حساسية وتأثيرًا.

لكن المؤسسات الفنية الكبرى، شأنها شأن المدن الكبرى، لا تمنح القادم إليها الاعتراف بسهولة، حتى حين يكون الاعتراف مستحقًا.

منذ الأيام الأولى، كان واضحًا أن المسألة لن تُحسم بالكفاءة وحدها، ولا بالتاريخ المهني، ولا حتى بالنجاحات السابقة. ففي البيئات التي تتراكم فيها الشهرة والنفوذ والعلاقات الشخصية عبر سنوات طويلة، لا يكون الصراع دائمًا على الفن نفسه، بل على من يملك حق تعريفه، ومن يملك سلطة توجيهه، ومن يحق له أن يقف في مركز الضوء.

وهناك، داخل تلك المساحة المشبعة بالخبرات والغرور والقلق المشروع وغير المشروع، واجه العمري موقفًا من الممثل (ع . خ) لم يكن فنيًا بقدر ما كان نفسيًا وثقافيًا في جوهره.

(ع .خ ) كان أحد نجوم المسرح في ذلك الوقت، ممثل ومخرج معروف داخل المؤسسة، استقبل وجود العمري لا بوصفه إضافة محتملة، بل بوصفه اختراقًا غير مرغوب فيه لبنية مستقرة اعتادت أن تعيد إنتاج نفسها. لم يكن اعتراضه على النص، ولا على الرؤية، ولا على التمرين، بل على فكرة أن يتلقى توجيهًا من مخرج قادم من خارج المركز الثقافي الذي اعتاد أن يمنح نفسه حق تعريف القيمة.

كانت الكلمات التي قيلت، في ظاهرها، مجرد اعتراض مهني.

لكن الكلمات، في المسرح كما في الحياة، نادرًا ما تكون مجرد كلمات.

كانت تحمل في داخلها شيئًا أعمق من الاعتراض، شيئًا يتصل بصورة المكان، وبسلطة المركز، وبذلك الوهم القديم الذي يجعل بعض الناس يعتقدون أن الموهبة تُقاس أحيانًا بعنوان المدينة أكثر مما تُقاس بعمق التجربة.

وكان في المفارقة ما يكفي لكي يثير التأمل؛ لأن كثيرًا ممن صنعوا ملامح المسرح العراقي الحديث لم يولدوا في العاصمة أصلًا، بل جاءوا إليها من مدن بعيدة، حاملين معهم لهجات مختلفة، وذكريات مختلفة، وتجارب صنعتها مسارح أصغر، لكنها لم تكن أقل صدقًا أو أقل تأثيرًا.

ومع ذلك، حين سقطت تلك الكلمات في فضاء الكواليس، بدت حادة بما يكفي لكي تُغيّر حرارة المكان كله.

لم ترتفع الأصوات.

لم يتحول الأمر إلى مواجهة علنية.

لكن بعض الجمل، حين تُقال في الوقت الخطأ وبالنبرة الخطأ، تستطيع أن تترك أثرًا أعمق من أي صراخ.

أتذكر أن الصمت الذي تلا تلك اللحظة كان أكثر قسوة من الكلمات نفسها.

وكان واضحًا أن وقع ما حدث أصاب العمري في منطقة أعمق من الكبرياء المهني. لم يكن الأمر يتعلق بمخرج أُسيء إليه أمام فريق عمل. كان الأمر يمس فكرة كاملة ظل يؤمن بها طوال حياته: أن الفن قادر على تجاوز الجغرافيا، وأن الخشبة، في لحظاتها الحقيقية، لا تسأل من أين أتيت، بل ماذا تحمل.

وكان يمكن لتلك اللحظة أن تكسر كثيرين.

وكان يمكن لها، بسهولة، أن تدفعه إلى الانسحاب بصمت، أو إلى التعامل مع التجربة بوصفها خطأ كان يجب ألا يحدث.

لكن ذلك لم يحدث.

ما حدث، على العكس، كشف شيئًا آخر عن الوسط نفسه.

فأغلبية الممثلين داخل الفرقة لم تنجرّ إلى ذلك التوتر. كثير منهم، بصمت أو بكلمات مباشرة، أظهروا ثقتهم بخبرته، وبقدرته على قيادة العمل، وبأن القيمة الحقيقية لأي مخرج لا تُقاس من أين جاء، بل بما يستطيع أن يوقظه داخل الممثل.

كان ذلك الدعم هادئًا، غير استعراضي، لكنه كان كافيًا لكي يمنح التجربة توازنها في لحظة كان يمكن أن تنكسر فيها بسهولة.

أما العمري، فقد كان معروفًا بين من عملوا معه بأنه رجل لا يفصل الفن عن الكرامة الشخصية. كان سريع الانفعال حين يشعر أن جوهر العمل يُهدد، وصارمًا حين يتعلق الأمر بالمبدأ، إلى الحد الذي يجعل قراراته، بعد اتخاذها، شبه نهائية.

ولهذا، لم يكن مستغربًا أن ينتهي به الأمر إلى اتخاذ قرار داخلي بعدم تكرار التجربة داخل بغداد  ضمن ذلك الإطار المؤسسي.

لم يكن القرار نابعًا من هزيمة.

ولم يكن انسحابًا من المنافسة.

كان أقرب إلى إدراك ناضج بأن بعض البيئات، مهما بدت مغرية من الخارج، لا تمنح الفنان الهواء الذي يحتاجه لكي يعمل بكامل صدقه.

وكان العمري يعرف، ربما أكثر من كثيرين، أن الحرية بالنسبة للفنان ليست امتيازًا إضافيًا.

إنها شرط وجود.

كان يشعر، في داخله، أنه لو مُنح المساحة الكاملة، ولو أُتيح له أن يعمل من دون ذلك التوتر الخفي الذي يصاحب البيئات المشبعة بالحسابات، لكان قادرًا على أن يدفع الممثلين إلى مناطق جديدة، إلى طبقات أكثر تعقيدًا في الأداء، إلى اكتشافات داخل الشخصية ربما لم يختبروها من قبل.

لكنه فهم أيضًا شيئًا آخر لا يتعلمه الفنان من الكتب.

ليس كل مكان صالحًا لانفجار الروح.

وليس كل مؤسسة، مهما كانت عظيمة في تاريخها، قادرة على استقبال المختلف من دون مقاومة.

وفي النهاية، لم ينظر إلى ما حدث بوصفه هزيمة شخصية، ولا بوصفه بابًا أُغلق في وجهه.

بل بوصفه اختبارًا آخر.

اختبارًا لقدرته على أن يواصل البناء بعيدًا عن الضوء، بعيدًا عن الضجيج، بعيدًا عن المساحات التي تمنح الشهرة سريعًا لكنها تستهلك الروح ببطء.

وهناك، في ذلك الصمت الذي يعرفه الفنانون الحقيقيون، عاد إلى ما كان يعرفه دائمًا:

أن الأثر الحقيقي لا يُقاس بحجم المؤسسة التي احتضنتك…

بل بما يبقى منك، حين يختفي كل شيء آخر.

 المكان الذي لا يتسع لحرية التفكير،لا يستطيع أن يحتضن التجربة الفنية

تجول في بغداد  كمن يمشي داخل نص غير مكتمل، نص تتبدل جُمله كلما تقدم خطوة في الشارع. لم تكن المدينة بالنسبة إليه خلفية جاهزة لعرض مسرحي، بل كيانًا حيًا يختبر الداخل أكثر مما يُرى في الخارج. الأزقة الطويلة، الجدران المتآكلة، الوجوه التي تمرّ بلا توقف، كلها بدت كأنها تعيد عليه السؤال نفسه بصيغ مختلفة: ماذا كنت ستفعل لو سُمح لك أن تكمل ما بدأت؟

لكن ذلك السؤال لم يكن بريئًا.

كان محمّلًا بكل ما تراكم من حواجز، ومن حسابات غير معلنة، ومن أشكال من الاستبعاد الناعم الذي لا يعلن نفسه صراحة، لكنه يشتغل في العمق، في التوقيت، وفي توزيع الفرص، وفي تعريف من يحق له أن يقف على الخشبة ومن يُفترض أن يظل على الهامش.

كان واضحًا، مع مرور الأيام، أن ما اصطدم به لم يكن مجرد اختلاف فني أو سوء تنظيم عابر، بل بنية كاملة تقاوم فكرة أن يكون الإبداع فعلًا حرًا بالكامل. بنية ترى في الفن امتدادًا للموقع الاجتماعي، أو للانتماء الجغرافي، أو لمعادلات النفوذ أكثر مما تراه فعلًا جماليًا مستقلًا.

وفي لحظة هادئة، بلا ضجيج ولا إعلان، اتخذ قراره.

لم يعد إلى التجربة داخل الفرقة القومية للتمثيل .

لكن القرار، في جوهره، لم يكن انسحابًا بقدر ما كان إعادة تعريف للعلاقة مع العمل نفسه. لم يكن هروبًا من مواجهة، بل رفضًا لأن تتحول المواجهة إلى شكل من أشكال الاستنزاف الذي لا يترك للفن ما يكفي من الهواء.

كان يدرك أن المسرح، حين يُحاصر بالقيود الصلبة، يفقد شيئًا من قدرته على التحول إلى مساحة تخييل حقيقي. وأن المكان الذي لا يتسع لحرية التفكير، مهما بلغ من المكانة، لا يستطيع أن يحتضن التجربة الفنية في لحظتها الأكثر صدقًا.

ومع ذلك، لم يكن في قراره أي نبرة هزيمة.

كان أقرب إلى وعيٍ متأخر بأن القوة الحقيقية للفنان لا تُقاس بعدد المؤسسات التي دخلها، بل بعدد المرات التي استطاع فيها أن يحافظ على صوته الداخلي من التشويه.

بغداد، في تلك المرحلة، لم تكن مدينة خارجية فقط، بل كانت امتدادًا داخليًا لتجربة متوترة بين الممكن والمسموح، بين الرغبة والحدود، بين ما يُفكّر فيه الفنان وما يُسمح له بأن يقوله.

أما المسرح، فكان بالنسبة له القلب الذي ينبض في وسط هذا التوتر، حتى حين يضيق الإيقاع أو يختل التوازن.

ومن هنا بدأ يتشكل اتجاه آخر في مسيرته: أن يترك أثره في مساحات أكثر اتساعًا، أو أقل خضوعًا لتلك الحسابات الثقيلة، حيث يمكن للفكرة أن تُجرّب قبل أن تُقاس، وللخيال أن يُخطئ من دون أن يُعاقب فورًا.

تجربته لا تُختصر في معارك عابرة أو في قرارات إدارية أو في خلافات شخصية، بل في ذلك الإصرار الهادئ على أن يظل المسرح مساحة تفكير، قبل أن يكون مساحة عرض.

مساحة يمكن فيها للفن أن يظل حيًا، لا لأنه معزول عن العالم، بل لأنه يصر على أن يفهمه من الداخل.