معرض المغربي مبارك عمّان لإستحضار المخلص
رعب الأجداد في ذاكرة الأحفاد
فيصل عبد الحسن
نشاطات إنسان ما قبل التأريخ كانت حاضرة في لوحات تجريدية ضمها المعرض الجديد للفنان مبارك عمّان في رواق أقواس بالمدينة القديمة في أزمور.
والمعرض الجديد الذي ضم أربعين لوحة من لوحاته ش حكى قصة الإنسان في سعيه على الأرض بعد طرد جدنا آدم على نبينا وآله وعليه أفضل صلاة من الجنة ليعيش محنة الندم والكد على الأرض، طالباً المغفرة من الله تعالى، محاولاً أن يلبي حاجاته التكوينية مما حوله في الطبيعة البكر.
والفنان عمّان الذي عُرف بنزوعه نحو رسم ما حفظته ذاكرته من الأساطير، وقصص الجن، وما تناقلته الميثلوجيا الشعبية من حكايات، عمد هذه المرة إلى إستخدام الخرافة كموضوع أثير من موضوعات رسمه.
فالخرافة في لوحاته الجديدة أخت توأم للحقيقة كما يتصور الفنان، فما رأيناه في كهوف الإنسان ما قبل التأريخ كان حاضراً بقوة في كل لوحة من لوحات المعرض الجديد إلى جانب ما يشعره الإنسان الحديث من غربة وخوف وضآلة أمام قوى الطبيعة وضربات القدر.
الخير والشر
معرضا مبارك عمّان السابقان في المركز الثقافي الفرنسي بالجديدة عام 2013 والذي قبله في كاليري كورمي بالدار البيضاء في 2012 وما عرض فيهما من لوحات حملت ذكريات مريرة، أولها الرعب مما عاشه الإنسان القديم في الكهوف وقد كان عرضة لأحوال الطبيعة القاسية، ومعاناته الطويلة مع الجوع وصراع ” القاتل والمقتول ” ضد الحيوانات المفترسة، وكل ما ذكرناه رآه الجمهور مجسداً في كل لوحة من تينك المعرضين.
ولم يكتف الفنان في معرضه الجديد بالثيمة التي أعتاد أن يعتمدها في معرضيه السابقين بل أضاف إليها رؤيا فنية جديدة ربطت مخاوف أجيال منقرضة مع مخاوف ومعاناة جديدة، مما أفرزته الحضارة من أغتراب وفقر وحروب وظهور وسائل حديثة لتدمير حياة الحفيد، الذي جاء من سلالة ذلك الجد المرعوب والمطرود من جنة الخلد.
هذا الحفيد المسكين، الذي لا يستند على أي أساس متين في حياته المعاصرة، فلا إيمان قوي لديه يعصمه من ويلات مخاوفه من الغد، وما ستؤل إليه حياته، وليس لديه القدرة أيضاً على استعادة فطرته النقية، التي فطرها الله تعالى عليها، فيسلم أمره إلى الله تعالى، فيما يصيبه من خيرالله تعالى، وما يصيبه من شر أختياراته الخاطئة.
الإنسان والذاكرة
نرى الكشط والمحو في مختلف اللوحات، ورسوم الدوائر غير المكتملة وأشكال الرسم البدائي الأخرى، وأستخدام مواد الحريق والمواد المعدنية في لوحات المعرض، والألوان الفاقعة، المستخلصة من الأعشاب، كأنما الفنان يعود بنا إلى ما كان يفعله الإنسان القديم حين كان يخربش حجارة جدران كهفه ببقايا العظام المدببة، فيحفر على الجدران أنواع الرسوم والنقوش، ويلونها بما يجده حوله من أعشاب وأغصان الأشجار والأوراق والزهور الملونة.
يوضح الفنان عمّان هذه النقطة عن معرضه الجديد في بوستر المعرض فيكتب” أرفض الاختزال، فالدعوة مثلا للتوقف عن التدخين برسم سجائر في نظري مجرد اختزال…
أنا اشتغل على الإنسان والذاكرة وقبل أن يكون هناك وجود لليهودي، المسيحي أو المسلم كان هناك إنسان ما قبل التاريخ الذي منه ننحدر جميعا لذلك اخترت الاشتغال على الابعاد المختلفة لهذا الانسان الذي تحمل أثاره كل الأجوبة بما فيها الجواب عن سؤال ما وقع في هذه الذكرى”.
اللوحات في هذه المعرض حملت مزايا النحت، فهي كولاج جمع فيها الفنان عمّان بين الرسم والنحت، فتجد أن الفنان أستخدم في تطعيم بعض لوحاته بالصلصال والكلس وبرادة الحديد والنحاس، والخشب، ولوّن بالزعفران والحناء وقشور الرمان، حيوانات ما قبل التأريخ، التي تظهر في رسوماته بعيون مفقوءة وقرون مدببة، إلى جانب حشرات صغيرة، وأشكال هندسية صغيرة وكبيرة أخرى، وجلل كل ذلك لون الصلصال، الذي يُذكر ببدائية الحياة ووحشية الصراع في الطبيعة من أجل البقاء.
الأجداد والأحفاد
الطالب الموهوب ” عمّان مبارك” ألذي ترك دراسة الحقوق، وأتجه ليتزود بما يغني موهبته من الدراسة في المدرسة العليا للفنون بالدار البيضاء، أستطاع أن يقدم مرافعة فنية طيبة، عن جمال الحياة على كوكبنا في كل الظروف.
ظروف جدنا الأول بعدما طُرد من الجنة، فوجد وحشة الكهوف، وصعوبات الحياة، ومكابدتها اليومية من أجل البقاء حياً أولاً، وثانياً عندما مارس أستمراره في الحياة كوسيلة للتقرب من الخالق تعالى بأعمار الأرض وصنع الحضارة، وطلب المغفرة فيها من الله تعالى على أمل العودة إلى جنة الخلد، التي وعد الله تعالى بها التائبين من عباده.
وما يعيشه إنساننا الحديث، الذي عانى ويعاني معاناة مزدوجة من مخاوف الماضي، ووحشة الأغتراب في زمننا الحالي زمن العولمة، زمن أنتشار المعلومة، التي وحدت ألام البشرية، ونقلت معاناتها مع الحروب والإرهاب والظروف الأقتصادية الصعبة، التي يعاني منها معظم سكان الأرض إلى كل مكان فيه إنسان، فوصلت إلى كل مكان بما فيها مشغل الفنان، فتلقاها كفجائع وكوابيس حقيقية أثناء رسمه للوحاته فاعاد صنعها باللون والخطوط.
وما هذه الحيوانات الخرافية في لوحات المعرض، وهذه الهياكل والعلامات والخطوط الرمزية للإنسان، وهي تتجول على قماش لوحات معرض مبارك عمّان إلا من تلك المخاوف وهذه الكوابيس.
وهي كذلك من ناحية ثانية بحث دؤوب باللون والفرشاة لإستحضار المُخلص، وبعث الأمل بمجييء مُنقذ يرفع كل هذا الرعب عن البشرية، ويعيد للإنسان أعتباره وكينونته، ويعيد له فطرته التي فطرها الله تعالى عليها.
لقد جسد الفنان المغربي في معرضه الجديد ثيمة واحدة ميزته كفنان مهم في التشكيل المغربي الحديث، وأعطته بصمته الخاصة بين الفنانين، هي تجسيده في لوحاته ما شعر به كفنان ملتزم بقضايا الإنسان والبحث عن أسباب رقيه وسعادته، فعكس في كل خط ولون مما رسمه، ما تخلف من رعب الأجداد في ذاكرة الأحفاد.
{ كاتب مقيم بالمغرب
























