ضوء على رسالة جاسم الحلوائي 1

ضوء على رسالة جاسم الحلوائي 1 شبح عامر عبد الله ومكر التاريخ في سجلات الحزب الشيوعي عبد الحسين شعبان بيروت وجّه الرفيق جاسم الحلوائي ” أبو شروق” رسالة مفتوحة لي عبر المواقع الألكترونية، وكنت قد استلمتها مع رسالة موجّهة منه إلى الرفيق ” أبو سفيان” مع ” محبته”، يطلب منه تدقيقها وإعادتها، ثم ورد في رسالته المرسلة لي ” ليست للنشر الآن”، لكنني استلمتها من صديق منشورة على موقع الحوار المتمدّن (مع رابطها)، ثم علمت بنشرها في جريدة الحزب (طريق الشعب)، وفي وقت لاحق وصلني كتاب تصحيح واعتذار بإعادة نشر فقرة منها. لم أكن أنوي كتابة ما يفيد على تعليق جاسم الحلوائي لأن المادة التي نشرها ، كان قسمها الأكبر منشوراً في كتابات سابقة له، كما أرسلها لي لاحقاً بخصوص أحداث كركوك، وقام بقصّها ولصقها وتركيبها على المادة المنشورة، مع تعليقين حول عدم انصاف التاريخ في محاولة “تقزيم” دور سلام عادل، ثم يستمر في الزعم بأن سلام عادل كان ينفذ توجيهات عامر عبدالله، ناسباً ذلك لي، في قراءة إغراضية، فيها الكثير من الافتئات على الواقع، ثم يذكر بعد ذلك إنجازات سلام عادل ويقتصرها على برقية إلى مجلس السيادة صبيحة يوم ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 ونداء لمقاومة انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963 والإشراف الدائم على الجريدة، وكل ذلك دون وجود عامر عبدالله معه كما يقول. ولعل ذلك أمراً مثيراً للدهشة والتساؤل: أحقاً إن مستوى التفكير انحدر إلى هذا القدر من السطحية والسذاجة؟ وهل هذا هو تقييم ما يتمتّع به سلام عادل من مواهب قيادية متميّزة، لكن ذلك على أية حال يعكس فهم صاحب التعليق الذي اختصر سلام عادل ودوره إلى هذه الحدود الدنيا من الرتابة والروتينية، وكأن سلام عادل موظفاً إدارياً وليس قائداً حقيقياً، ويعرف الجميع مدى الحيوية السياسية الفائقة التي يتمتع بها سلام عادل، فضلاً عن كفاءاته ومواهبه التنظيمية الإبداعية. وكنت سأهمل أو أتجاهل مثل تلك التعليقات، لكن الأمر اتخذ أبعاداً أخرى بعد نشر الرسالة في الجريدة، وحتى وإنْ كان مرجوع الجريدة أكثر من مبيعها، فإن القصد أصبح واضحاً للجهة التي تقف خلف جاسم الحلوائي، والتي تريد “أكل الثوم بلسانه” أو أنه يتطوّع لأكل ” الثوم” نيابة عنها، مع أن في الثوم فوائد جمّة، وذلك لأن بعضها لا يجرؤ على السجال، وإنما يختفي وراء الآخرين. ولعلّ الحلوائي أو غيره لا زالوا يعزفون ذات اللحن القديم، لأنهم يعيشون في الماضي، وإن “غيرتهم” من عامر عبدلله و”حسدهم”، حرّكت الكوامن الحقيقية والدوافع الدفينة، المصحوبة بالأحقاد والكيدية، ويعود بعض هذا التحامل الجديد “القديم” إلى الاهتمام الكبير الذي لاقاه كتاب عامر عبدالله، واستعادت فاعليات وأنشطة فكرية وإعلامية، شيوعية وغير شيوعية دوره المتميّز، وهذا بحدّ ذاته يجلب الكدر وضيق الصدر في نفوس البعض. لكنني في الوقت نفسه سُعدتُ فعلاً بنشر الحلوائي رسالته، خصوصاً، وهي تعلّق على كتابي أو فقرات منه عن الراحل عامر عبدالله والذي هو بعنوان “النار ومرارة الأمل- فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية”، حتى وإن كان الصحيح أن الهدف ليس مناقشة الكتاب، بقدر الانتقاص ممن كرّس له الكاتب، الكتاب، وأعني عامر عبدالله، فقد جاء المعلّق على جزئية في الكتاب، ثم انصبّ التركيز على الكاتب، وهو أمرٌ مألوف هذه الأيام، بحكم المواقف المسبقة. وبكلّ الأحوال فالرسالة تحمل وجهة نظر كاتبها الذي أحترمه، سواءً كان مكلّفاً بكتابتها أو كتبها إرضاءً لبعض الجهات المتنفّذة، ولكنها تمثّل رأياً لا بدّ من التعامل معه من موقع الاختلاف والاجتهاد والنقد والمسؤولية أيضاً. وقد وجدت في الأمر، مناسبة لفتح حوار ما وراء الحلوائي، ولاسيّما حول قضايا شائكة وملتبسة في تاريخنا بشكل خاص، بل وحسّاسة أيضاً، حيث أصبح الحوار اضطراراً وليس اختياراً فحسب، بل هو “فرض عين وليس فرض كفاية” كما يقال، منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمان، وخصوصاً عندما انفجرت أزمة الحزب على نحو حاد بكل أبعادها الفكرية والسياسية والتنظيمية والأخلاقية، ولا تزال هذه الأزمة مستمرة ومتصاعدة، وقد استفحلت ما بعد احتلال العراق، ولاسيّما إزاء موقف الحزب منه . ولعلّ ما نحتاج له في هذا الوقت بالذات هو وقفة جدّية للمراجعة الجريئة بخصوص مسيرة الحزب النضالية، بكل ما لها وهو كثير وكبير جداً، وكل ما عليها وهو ليس بقليل، بقلب حار ورأس بارد كما يقال، والهدف البحث عن الحقيقة ومعالجة ما يستلزم إزاءها، وخارج نطاق محاولات التغطية أو غضّ النظر أو المجاملات، وبعيداً عن “الإرهاب الفكري” الذي مورس لعقود من الزمان ضدّ التنوّع والاختلاف والتعددية، بل والجدل، وتحت عناوين سرّية العمل، والخوف من اختراقات العدو و”الظروف الدقيقة” التي يمرّ بها “الحزب”، وغير ذلك من السائد والروتيني والرث من الأفكار والممارسات التي غالباً ما تضع “النظام الداخلي” على الرف، حتى وإن كان الحلوائي يكثر الحديث عنه باعتباره ” شبّاك العبّاس”، علماً بأن أكبر القضايا وأعقدها، بل وأكثرها خطورة كانت تتم خارج نطاق الاجتماعات وبناء على اتفاقات محدودة من قبل المجموعة المتنفذة!! ونحن إذ نكتب فذلك لأننا جزء من هذه المسيرة الطويلة والعويصة، وساهم كل منّا بدوره فيها وكل من موقعه بغضّ النظر عمّن أصاب أو أخطأ أو اقترب او ابتعد عن قيم الشيوعية ومثلها. ولعلّ القضايا موضوع البحث بقدر تناولها الأحداث، فهي تتعلق بالأشخاص أيضاً، وتمسّ بعض الأحياء الذين نختلف أو نتفق معهم، فهم محطّ اعتزازنا، ناهيكم عمّا تناولته من أسماء لها رمزية خاصة لدينا، وخصوصاً الشهيد سلام عادل، وإن كان ما ورد فيها لا يخلو من تحريض وإيغال الصدور بطريقة كيدية، أو أقل ما يقال عنها إنها غير مناسبة، استهدفت التأليب في محاولة للشحن ضد عامر عبدالله والكتابة عنه. مراوغة التاريخ والقضايا مهما عظمت أو صغرت ليس هناك رأي فصل فيها وهي تبقى مجرد اجتهادات وتقديرات واستنتاجات ويبقى التاريخ مفتوحاً وقابلاً للإضافة والحذف، حسبما تقتضيه الحالة وطبيعة القوى المهيمنة، فالتاريخ مراوغ أو ماكر أحياناً حسب هيغل، وقد يظهر على شكل مسخرة مثلما كان قد ظهر على شكل مأساة حسب ماركس وهو سجال مفتوح وبلا نهاية حسب المؤرخ بيتر جيل، فلو قدّر أن يكون المهيمن في الحزب هو عامر عبدالله أو زكي خيري أو باقر ابراهيم أو بهاء الدين نوري (مهما كانت وجهات نظرهم وأخطائهم) لتغيّر المقياس، ولو أطيح بعزيز محمد وفخري كريم وحميد مجيد موسى، وهي الإدارة التي تركّبت قبل المؤتمر الرابع وتنصّبت بعده، لاختلفت الرواية كثيراً، فما بالك لو كانت الرواية التاريخية خارج نطاق مثل هذا الاستقطاب المهيمن، فلا أستبعد عندئذ أن تكون كتابة جاسم الحلوائي أو غيره مختلفة، طبقاً لمعياره هو، أي من يمسك الإدارة سينصاع له باعتباره مديراً بغض النظر عن كيف أمسك بالادارة وهو منطق خال من أي اعتبار سياسي ومبدئي. لقد ظلّ التاريخ السوفييتي يكتب المرّة تلو المرّة على مدى عشرات السنين وفي أكثر من عشر مؤتمرات، على نحو ما يرضي ستالين، لدرجة تشبه اليقين بما فيه محاكمات العام 1937-1939 باعتبارها شرعية وقانونية، وإن المدانين (وهم قادة الحزب مثل بوخارين محبوب الحزب وزينوفيف وكامينيف ورايدنك وعشرات غيرهم) باعتبارهم “خونة” يستحقون العقاب والموت نظراً لارتكابهم جريمة ” الخيانة” العظمى بالتجسس على رفاقهم والاتصال بقوى أجنبية بريطانية وفرنسية وألمانية وإيطالية ويابانية، بهدف تخريب التجربة الاشتراكية. ومن المفارقة أن بعض هؤلاء القادة “المدانين” كانوا يتسابقون على الإدلاء باعترافاتهم في محاكمات علنية، وحتى عندما يساقون إلى ساحة الإعدام يهتفون بحياة ستالين “أبو البروليتاريا العالمية”، لكن المؤتمر العشرين العام 1956 أطاح بدزينة المؤتمرات تلك، وبمجموعة المروّجين لها بما فيهم مؤرخين زائفين أو دعائيين معلبين، ولم يكن كلامهم أكثر من هراء وزيف وتملّق وخداع، للمسؤول، العظيم، الأمين العام. وهي العبرة التي كان ينبغي استذكارها دائماً من كتابة التاريخ والذكريات والمذكرات، فقد تتداخل الأحاسيس والمشاعر بتفاعلات الذاكرة والوجدان بكل ما فيها من شخصنة و”أنا” وذاتية، وهذه تختلط بالمصالح في لحظة تيه أو حساب للعواقب وانعطاف واستعداد للمواجهة والتحدّي، ومن المفترض أن تبقى “مادّة الذكريات” أرضاً بكراً أو غير محروثة وهي بحاجة إلى جهد لكي تعطي، لاسيّما باستكمال مقوّمات انتاجها، وهذا ما فعلته مع عامر عبدالله في حواراتي ومطارحاتي معه، بكل مسؤولية وأمانة. ومع ذلك قلت أن الكتاب ” مزيج من الانطباعات والذكريات والحوارات والقراءات والنقد التاريخي… وذلك لتقييم منجز عامر عبدالله السياسي بالدرجة الأساسية والفكري والثقافي بشكل عام…” وبهذا المعنى فهو قابل للنقد والتصحيح والإضافة والحذف، فلا أحد يزعم أو يدعي أنه يمتلك الحقيقة أو يمسك بصولجانها أو ينطق باسمها، وقد تكون لها وجوه عديدة، وكل ينظر إليها من زاويته. لعلّ الحوار يتخطّى ما هو شيوعي وصداقي وشخصي، ليتعلّق بتاريخ العراق السياسي بشكل عام، الذي هو الآخر بحاجة إلى قراءات جديدة، حيث لا تزال الكثير من العقد والمُختَلفات تشوبه، لاسيّما وأنّ ” الجوامع” فيه قليلة في حين أن “الفوارق” فيه كثيرة لدرجة التناحر، والمسألة لا تخصّ الشيوعيين أو ما بينهم، بل إنها تشمل جميع القوى والتيارات أكانت قومية أم إسلامية، عربية أم كردية، والتي لا تكاد تجمع على شيء، سواء كان زعيماً أم شاعراً أم فناناً أم كاتباً ، ناهيكم عن أن الكثير من المبدعين يُنظر إليهم من زاوية ميلهم السياسي، وليس من جانب رمزيتهم وإبداعهم. وأعتقد أن السرّية المطلقة والانحيازات المسبقة والولاءات الآيديولوجية وثقافة الإلغاء والإقصاء والتهميش، ساهمت في الكثير من الأحيان في حجب الحقيقة، بل كانت عقبة كأداء أمام الوصول إليها، وفتح حوار جاد ومسؤول وعقلاني بشأنها، والحقيقة عندي هي المسألة الأهم والأكبر من جميع الآيديولوجيات والفلسفات والأديان والتنظيمات والقيادات وما سواها، وهي التي ينبغي أن ينحني لها الجميع دون مكابرات لا تليق أو ادعاءات فارغة، حزباً أو مسؤولاً أو شخصية عامة، وهو ما كانت الثقافة السائدة وبعض ذيولها المستمرة تتعكز على مجافاته كواقع، مقدّمة طبق الآيديولوجيا عليه، ونراها أحياناً تتشبث بزعم امتلاك الحقيقة الضائعة أو المبتورة أو النطق باسمها أو ادعاء الأفضلية على الآخرين!! ولا زلت أعتقد أن الخلاف لا يفسد في الودّ قضية، وخصوصاً بين جاسم الحلوائي وبيني، الاّ بنظر أؤلئك الذين ارتدوا بزّات القتال ولبسوا دروع الحرب ضد رفاقهم، لكنهم ظلّوا يبتسمون ويهزّون رؤوسهم بكل أريحية ” للرفيق” بول بريمر الحاكم الأمريكي للعراق وجلاوزته، ولعلّ السجالات المنشورة مع الرفاق باقر ابراهيم وآرا خاجادور وشوكت خزندار وعامر عبدالله، تنطلق من ذات الرؤية في البُعد والنقد والمودّة، وقد اخترت أن أضع مسافة بيني وبين جميع الفرقاء، أسعى لأن تكون متساوية، دون أن يعني أن المسافة بيني وبين الحقيقة كما أعرفها أو كما تلمّستها وعايشتها، وضدها ستكون واحدة، لكنني لن أتعامل على أساس الموقف المسبق أو الصداقة، بقدر ما هو اقتراب من الحقيقة وهو ما دفعني للكتابة عن عامر عبدالله بما له وما عليه، خصوصاً لإجلاء صورته الحقيقية والدور الكبير الذي لعبه في تاريخ الحركة الشيوعية العراقية والعربية على المستويين الفكري والسياسي ليس بحكم المواقع التي تولاّها وهي كثيرة، بل بما تركه من تأثيرات، فهو لم يكن شيوعيا مسلكياً متقوقعاً في منصبه الحزبي، بل كان سياسياً بارعاً وصاحب ثقافة واسعة ونظرة ثاقبة.!! ولأن الصراع لم يكن متكافئاً، لاسيّما في ظروف المنافي القاسية والبيئة الكردستانية الوعرة والجبال النائية، ناهيكم عن ضياع الرؤيا وتشتت المواقف وتعارضها، وكذلك تداخلها مع المصالح والامتيازات، وخصوصاً في موضوع الحرب العراقية- الإيرانية وتلك وحدها تحتاج إلى وقفة خاصة، والذي ترافق مع تدهور أوضاع الحركة الشيوعية العالمية، فإن الأمر اتخذ طائفة من التغييرات البنيوية المصحوبة بسلسلة إجراءات تعود إلى الفترة الستالينية البغيضة، وهو ما شمل عامر عبدالله وقيادات وكوادر أساسية. وإذا كانت صفحة ذلك الصراع قد طويت أو استنفدت أغراضها، فإن البحث عن الحقيقة وقراءة التاريخ تحتاج إلى مغالبة مع النفس وصبر على التحمّل، وشجاعة في التناول، فحتى وقت قريب كان الغالبية الساحقة من المتخاصمين ينتمون إلى جماعة واحدة، بل كانوا مجتمعين ومتفاهمين وغالبيتهم الساحقة تدافع عن النهج السائد، بل أن الكثرة الكاثرة كانت متحمسة له لدرجة أقرب إلى الولاء والطاعة العمياء، لكن الهزائم والخيبات لها قوانينها، وإذا كان للنصر أب واحد فللهزيمة ألف أب. كان عامر عبدالله حازماً ودون تردّد قد أجاب: أن ما حصل في المؤتمر الرابع من مكيدة هي أقرب إلى مجزرة قاعة الخلد، حين اقتاد صدام حسين 22 قيادياً بمن فيهم ثلث أعضاء القيادة القطرية، إلى ساحة الإعدام، و33 كادراً قيادياً، حيث دفع بهم بأحكام غليظة إلى السجون في هستيريا من الفرح الغامر وسادية لا حدود لها، وكلّ ذلك تحت ذات الواجهات، والتي يعتبر أساسها عدم السماح في الاختلاف، وهي العيب الأساسي والجوهري الأكيد في حياة الأحزاب الشمولية جميعها، سواء كانت قومية أو إسلامية أو شيوعية، علنية أو سرّية، في الحكم أو خارجه، حتى إننا كنّا نردّد لسنوات: إذا وجد حزبان شيوعيان في بلد واحد، فأحدهما انتهازي. ومثلما وجِدَ من تحمّس لمجزرة قاعة الخلد اتي قادها بتمثيلية ميلودرامية صدام حسين، بل وبالغ فيها، مطلقاً كل ما هو مسيء وسلبي على ” المغدورين” وهو يعرف حق المعرفة تلك الخدعة، فإن هناك من وجدَ فرصة تنحية قيادات وكوادر في المؤتمر الرابع، مناسبة للإساءة إلى المخلوعين، باستثناء من رضخ لذلك، وحتى بعض المتحمسين الذين كان بعضهم ماشة نار، سرعان ما أحرقت الجهة المتنفذة أصابعهم وقامت بتنحيتهم بعد أن دمّروا جميع مراكبهم، فلاذوا بالصمت أو اكتفوا ببعض الهمهمات التي اعتادوا عليها تعويضاً عن الفعل الحقيقي. لم يكن عامر عبدالله بعيداً عن فكرة أن الإجهاز على الحزب بعد العام 1978 من جانب حزب البعث والنظام السابق، وتحديد العام 1980 موعداً للقضاء عليه، قد وجدت وجهها الآخر عند البعض الذي استكمل عملية التصفية تلك، لنحو 50 كادراً قيادياً ناهيكم عن عشرات أو مئات الرفاق في ظل ظروف الغربة والمنافي القاسية وحياة البيشمركة “الأنصار” الصعبة، فضلاً عن سياسة مغامرة فرّطت بنحو 500 كادر في معارك لم يكن لها أي هدف ستراتيجي وفي تقاتل مع بيشمركة أحزاب قومية كردية، كما ورد في مذكرة كتبها إلى السوفييت. ويعبّر عامر عبدالله، لاسيّما في المذكرات التي رفعها السوفييت أو للأحزاب الشيوعية أو للرفيق عزيز محمد عن هذه المرارة (وهي منشورة بالنص في الكتاب) وقد أهملها صاحب التعليق، لأنها توجّه اتهامات صريحة على صعيد السياسة والتنظيم والسلوك، وتطرح المشكلات على بساط البحث. وكنت آمل أن أجد توقيع الرفيق جاسم الحلوائي على تلك المذكرات، باعتباره واحداً من المخلوعين الذين “قررت” الكتلة المهيمنة عدم استحقاقهم عضوية اللجنة المركزية، لكنه اختار طريقاً آخر أحترمه، وارتضى بالمقسوم ووضع نفسه “تحت التصرّف” بالاصطلاح الحزبي، وهو حق له مثلما حق لمن اختار طريق الاعتراض، أصاب أم أخطأ، خصوصاً وأن الحلوائي اختار الطرف الأقوى، الذي اتخذ القرارات الجائرة، في حين أن الآخرين اختاروا طريق الاحتجاج على المكيدة وفضحوا أهدافها، وخصوصاً بشأن الموقف المائع في الحرب العراقية- الإيرانية، وإزاء البديل الخارجي حتى لو أخطأوا! إن حركتنا الشيوعية العراقية لم تهزم بسبب الملاحقة والارهاب واضطرارها إلى المنافي والعزلة عن جمهورها لسنوات طويلة، بل هناك أسباب تعود إلى نهجها التعويلي واتكاليتها الفكرية التي سادت لعقود من الزمان، مثلما كان انهيار “الموديل” الاشتراكي وتفكّك المنظومة الاشتراكية سبباً آخر في هزيمتها، إضافة إلى أسباب جوهرية أخرى لا مجال لذكرها، وليسمح لي من يعتبر أننا “بخير” وربما نحقق النصر تلو الآخر، فقد انتقلنا من “حزب أوسع الجماهير”، كما كنا نطلق على أنفسنا، ونحن “قبلة” للناس إلى ” أيتام” على مائدة “اللئام”، ولم يكن ذلك بمعزل عن سياساتنا الخاطئة التي دفعنا بسببها الثمن باهظاً، ناهيكم عن ضعف وهزال الكثير من إدارات الحزب والنهج البيروقراطي الذي اتبعته. وإذا كان “تاريخنا” واحد، لكن قراءاتنا لهذا التاريخ مختلفة، بحكم عوامل عديدة لا مجال لذكرها، ولعلّ قراءتي هذه هي مجرد اجتهادات خاصة درجت عليها، لمناقشة القضايا والمشكلات التي كانت تواجهنا، وهي قراءة قد تختلف من رفيق إلى آخر، ومن ظرف إلى آخر، وبالطبع هي تختلف عن قراءة الحلوائي موضوعياً وذاتياً!! وقد يسأل سائل ما الذي يجمع ما بين رفيقين أحدهما مع الاحتلال وبين من هو ضده في خندق واحد، والمقصود ليس الحلوائي وأنا، ولكن دائماً ما أواجه بمثل هذا السؤال: كيف تطلق عليهم “رفاق” وبول بريمر أقرب إليهم منكم، وحتى وإن حاول البعض من رفاقنا تخوينهم أو الطعن بوطنيتهم، فإنني وقفت ضد ذلك، معتبراً موقفهم خاطئ واستمرار هذا الخطأ الجوهري دون تصحيحه سيؤدي إلى اختلال بنيوي يمسّ الوطنية الشيوعية المعهودة. وعلى الرغم من التباين فإنني أعتبر أننا جميعاً شيوعيين، ضاقت بنا الدروب واختلفت بنا السبل وتعدّدت بنا الاجتهادات، وتصدّعت لدينا بعض القناعات، وعلينا الاعتراف بذلك دون مكابرة أو استمرار في التعكّز على التاريخ، فمنّا من ظلّ يحمل البطاقة الحزبية، والبعض الآخر اعتبرها قضية شكلية، وظلّ يدافع عن الشيوعية وبكل الأحوال، فنحن بشر خطّاؤون ونحتاج إلى قدر من التسامح مع بعضنا البعض، وعلينا أن نقرّ أننا مثل بقية البشر الآخرين، لم نُصنع من طينة أخرى، كما كان ستالين يردّد ونحن كورسه من خلفه نعيد ما يقوله، فقد اكتشفنا بكل براءة أن فينا الغث والسمين، والخيّر والشرير، والصادق والكاذب والمبدئي والانتهازي، والشجاع والجبان، والمضحّي والمصلحي، سواءً حمل البطاقة أم لم يحملها. وإذا كان لدينا نماذج رائعة وإنسانية ونبيلة، وهي مثال الإخلاص والتضحية والاعتداد بالنفس، وهم الكثرة الكاثرة والأغلبية الساحقة من الذين انخرطوا في صفوف الحزب الشيوعي، وتحمّلوا طيلة سنوات عذابات وحرمانات لا حدود لها، فعاشوا في السجون لسنوات وفي المنافي والجبال العصية، لا لسبب شخصي أو لمكسب ذاتي ، بل لاعتقادهم بأنهم يريدون تقديم ما يستطيعون لخدمة شعبهم وقضيته العادلة، لاسيّما الدفاع عن مصالح الكادحين والفقراء، سواءً أصابوا أم أخطأوا؟ أحلام تتكسر وفي الوقت نفسه فإن الصحيح أيضاً أن الكثير من الأحلام تكسّرت والتضحيات تبدّدت وشعر الكثيرون بالخيبة والمرارة والألم حد التشاؤم واليأس، لأن هناك من استثمرهم واستغلّهم لأغراض بعضها دنيئة، وأقل ما يقال عنها أنها لا علاقة لها بأهداف الحزب والشيوعية. ولعلّ الرفيق جاسم الحلوائي يعرف أن الكثير من الفاسدين والفاشلين والمرتكبين والأفاقين، بل والأنذال لا زالوا يتمتعون بالامتيازات والمواقع، في حين أن مناضلاً عمالياً وقائداً نقابياً (رئيس عمال النفط) ونحن نزعم أننا “حزب الطبقة العاملة” مثل آرا خاجادور قضى نحو 70 عاماً من عمره البالغ 88 عاماً، شيوعياً، وكان عضواً من المكتب السياسي لا يزال لم يحصل حتى على راتب البيشمركة، وهو يتعامل مع الواقع بكل كبرياء واعتداد بالنفس، بغض النظر عن مواقفه السياسية، ولكن أين الجانب الإنساني والرفاقي الذين نتحدث عنه، فلمجرد الاختلاف يرمى الرفيق الذي قضى ما يزيد عن ثلاثة أرباع عمره في الحزب دون سؤال من رفاقه وأصدقاء عمره بمن فيهم من عاش معهم في سجن نقرة السلمان عشر سنوات بالكمال والتمام. وبعد ذلك كيف يتم التعامل مع مناضلين مثل باقر ابراهيم وعدنان عباس؟، ويمكن أن يندرج أي اسم معهما إذا حاول طرح وجهات نظر مخالفة، لاسيّما إزاء مكيدة المؤتمر الرابع والدسائس التي سبقته وأعقبته. ألم يلقوا خارجاً ويتم التشهير بهم؟ حيث لا مكان لهم في الحزب وكأنهم كانوا في زيارة خاصة من باب السلام والمجاملة، في حين يعرف القاصي والداني أنهم من صلبه وعملوا على إعادة بنيانه لسنوات طويلة، وهم من أبرز قادته في الفرات الأوسط مثلاً، مثلما هو الراحل عامر عبدالله، الذي كان وجه الحزب العلني باستمرار، حتى وإن كان في العمل السري، كما كان باقر ابراهيم المسؤول التنظيمي الأول لنحو ربع قرن من الزمان، ومرّة أخرى أقول بمعزل عن مواقفهم وتقديراتهم السياسية، وكل الذين ذكرتهم وأعتز بصداقتهم لم تكن مواقفي السياسية منسجمة معهم. والشيء بالشيء يُذكر فإن جدّ الشيوعيين العراقيين زكي خيري لم يجد مكانه المناسب في الحزب، فاضطرّ اللجوء إلى السويد، وحين سأله ابراهيم الحريري: كيف حصل ذلك؟ أجابه ” لعد وين أنطي وجهي”، في حين اضطرّ ماجد عبد الرضا وعبد الوهاب طاهر وناصر عبود وحسين سلطان وآخرين العودة إلى العراق في ظروف التطاحن الحزبي ونهج التفريط والمحاصرة وسياسة التجويع كما أطلق عليها حسن سلطان، وهو ما يغضّ النظر عنه جاسم الحلوائي، ليقول إنه ذهب إلى الدانمارك للجوء السياسي بإيعاز من الحزب، وكأن القول بأنه لاجئ سياسي أو إنساني فيه ما ينتقص منه، وهو ينسى أننا جميعاً وكل إدارة الحزب وكادره الأساسي لاجئون، وأن عزيز محمد الأمين العام السابق وأحمد باني خيلاني وفاتح رسول وقائد الأنصار ملازم خضر ” الفريق نعمان سهيل التميمي” وباقر ابراهيم وكلّهم منها إدارات الحزب الأولى كانوا لاجئين في السويد، والقائمة تطول لتشمل عبد الرزاق الصافي وعادل حبه ورحيم عجينة وبشرى برتو في لندن، وكانت الدكتورة نزيهة الدليمي وكاظم حبيب وسليم اسماعيل وعمر علي الشيخ وبخشان محمد في ألمانيا وسليمان يوسف بوكه (أبو عامل) في كندا ومهدي الحافظ في فيينا ونوري عبد الرزاق في القاهرة ونستطيع الاستطراد لدرجة القول إن جسم الحزب الأساسي أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات أصبح لاجئاً وخارج العراق، بل أن الأمين العام الحالي حميد مجيد موسى البياتي إلتجأ إلى ألمانيا، فما الضير في ذلك؟ وأعتقد أن علينا ذكر هذه الوقائع بواقعية ودون تبجّحات، بما فيها من مرارة ودلالات سياسية. لعلّ اسماً مثل ” منتصر” (مشتاق جابر عبدالله) وهو شهيد الحزب بيد رفاقه “الأشاوس” حيث اعتقل وعذّب وشدّ على جذع شجرة حتى الصباح وبعد عدّة أيام استشهد، وهو ما ورد ذكره في الكتاب، لم يتوقف عنده جاسم الحلوائي، ولعلّه أمرٌ غير مهم بقدر لجوئه إلى الدانيمارك؟ وكان الأجدر أن يسأل من أعطى الأوامر؟ ومن قام بالتنفيذ؟ وكيف حدث ذلك؟ وما الذي يستوجب بشأن معالجة آثار هذه الجريمة، ابتداء من الاعتذار لعائلته إلى إدانة القتلة وإنهاء علاقتهم بالحزب، إن لم يكن تقديمهم للقضاء. لعلّ جاسم الحلوائي يسكت عن ذلك لأن الأمر يتعلّق بمرجعيته وإلاّ سيتهم بالتخريب. ثم من المسؤول عن ملابسات قضية ثابت حبيب العاني الوجه الأكثر محبوباً في الحزب الشيوعي الذي توفّي في لندن وهو يعيش مرارة التنكيل والإساءة، وهي الحكاية التي رواها الكاتب على لسان عامر عبدالله، واستكملها بمصادر أخرى. كل ذلك قد يكون سبّب خيبة أمل من الكتاب لجاسم الحلوائي ومن معه، لأنه يشكّل إحراجاً حقيقياً لهم يريدون نسيانه وسيظل يؤرقهم كلّما ذكر الأمر، فما بالك إذا جرى التذكير والمساءلة بشأنه. الكتاب سلّط الضوء على المسكوت عنه، وأقول بهذه المناسبة آن الأوان للاعتذار عن ارتكابات بتعذيب مناضلين من أبرزهم “أمين” (أحمد الناصري) الذي خلع قميصه يوماً ليريني كيف تم تعذيبه في أمن الناصرية وفي الأمن العام على يد البعثيين الفاشست مثلما عبّر وعلى يد “الرفاق الأشاوس” حين اتهم بالتكتل، لأنه يخالف بعض القياديين، ناهيكم عن الشهيد “ستار غانم” (سامي حركات) أحد القيادات الطلابية في منتصف السبعينيات، الذي تسلّل بعدها إلى الداخل، فاعتقل وعذّب حتى استشهد في العام 1993، وعشرات ومئات من الذين أسيء إليهم وجرى التنكيل بهم. ولم يسأل جاسم الحلوائي عن عشرات الرفيقات والرفاق الذين أرسلوا إلى الداخل هدية مجانية للنظام الدكتاتوري الذي قام بتصفيتهم، دون دراية كافية ودون أي إحساس بالمسؤولية إزاء مصائر هؤلاء الرفاق الشجعان مستغلّين حماستهم وجرأتهم، لكي يسجلوا مكاسب للمنظمات الوهمية التي يديرونها، وهي مخترقة في غالبيتها من أجهزة النظام السابق وأسماء هؤلاء كانت معروفة ومتداولة لدى الرفاق الأنصار، وللقلّة القليلة التي ذهبت وعادت بعد حين ” سالمة”، وبدلاً من تكريمها جرى ابعادها والتنكيل بها وصديقنا المشترك يعرفه الرفيق جاسم الحلوائي، مثالاً صارخاً لذلك. أليس مثل هذا التفريط بهؤلاء (الرفيقات والرفاق)، ناهيكم عن الدخول في معارك لم يكن للحزب مصلحة فيها تستحق المساءلة، حتى إذا افترضنا حسن النيّة، فإن تقديرات إدارة الحزب تعكس ضحالة التفكير السائد وعدم الشعور بالمسؤولية وضعف الحسّ الإنساني، كما حصل في مجزرة بشتاشان التي راح ضحيتها نحو 60 رفيقاً على يد الاتحاد الوطني الكردستاني. ومرّة أخرى ألا تستحق كل هذه الأمور المساءلة والشفافية والكشف عنها حتى بعد انقضاء سنوات؟ إذ لا يكفي الكتابة في سجّلات الحزب عن الشهداء الأبطال وعلى حد تعبير عامر عبدالله، لا نريد أن نكون حزب الشهداء، بل حزب الحياة والمستقبل، فجلّ الضحايا والشهداء من حملة الشهادات العملية والمؤهلات العالية، والذين ذهبوا بدم بارد، وبالطبع فإن تلك المساءلة لا تعفي النظام وأجهزته الإجرامية من المسؤولية الأساسية لتصفية هؤلاء الرفاق الشجعان خارج القضاء، كما لا تعفي مرتكبي جريمة بشتاشان من المساءلة أيضاً. تلك الأمور لم تثر حساسية جاسم الحلوائي، لكن حساسيته بشيء من الانفعال جاءت في تعقيب لعامر عبدالله حول أحداث كركوك وهي أحداث ملتبسة وإن أدان عامر عبدالله المبالغة في ترويجها واستثمار عبد الكريم قاسم لها في الصراع ضدنا، ودور شركات النفط دون نسيان مسؤوليتنا وهو ما سأناقشه لاحقاً. وكحقوقي لديّ وجهة نظر خاصة بها، فضلاً عن تدقيقات وقراءات لم أرغب في إثقال قارئ كتاب عامر عبدالله بإدراجها، واقتصرت على ملاحظات سريعة، سأحاول إعطاء وجهة نظر بشأنها، مثل أي اغتيال خارج القضاء، وهو أمر مطروح إزاء بعض القضايا وغيرها. صدام مسلح أما حوادث الموصل والصدام المسلح وحركة العقيد عبد الوهاب الشوّاف، فقد تناولها الكثير من المؤرخين، لكنني تابعت مسألة مهمة وهي مجريات محكمة الدملماجة والتي عُرفت باسم “المحكمة القصابية” وقد نشرت الحوارات والسجالات بشأنها داخل اللجنة المركزية وكذلك مع بعض أصحاب العلاقة المباشرة ممن تسنى لي الالتقاء بهم، وحاورت عامر عبدالله بخصوصها، ووجهة نظره كانت واضحة، وفيها بُعد إنساني، وخارج نطاق السياسة، فإن اغتيال 17 متهماً خارج القضاء وفي محاكمة صورية يعتبر عملاً إجرامياً يستحق المساءلة والعقاب بغض النظر عمّن ارتكبه. وقد روى لي عامر عبدالله أن ع. ي وكان عضواً في لجنة محلية الموصل وأصبح لاحقاً من ملاكات اللجنة المركزية حتى أواسط الثمانينيات، عندما علم بوجود أحد المغدورين حيّاً عاد إلى المستشفى وقام بتصفيته على جدارها. وكرّر أكثر من مرّة “إنني أكرهه” و”أمقته” ولا أطيقه! كنت أتوقّع أن يتوقف جاسم الحلوائي عند هذه الوقائع التي وردت على لسان عامر عبدالله. بالنسبة لي لا يهمّ من يرتكب، سواءً كان بعثياً أم قومياً أم شيوعياً أم إسلامياً، فالمرتكب واحد، وعلينا كحزب، إعلان ذلك، بل إن الشيوعيين بحكم الاضطهاد المعتّق الواقع عليهم ينبغي أن يكونوا أكثر حساسية من غيرهم، وهو ما اقترحته على الأخوة الأكراد في نهاية التسعينيات بتأسيس وزارة لحقوق الإنسان، حينما كنت ألقي المحاضرات لطلبة الدراسات العليا في جامعة صلاح الدين كلية القانون والسياسة، ومن ثم قمت بإعداد كل ما يستلزم لها، من القرار التنفيذي إلى القرار التشريعي إلى المهمات والمديريات وأخيراً المرجعيات المنشودة. أقول ذلك أن على الضحايا أن يكونوا أكثر حساسية ولا ينبغي أن نبقى أسرى التاريخ مأخوذين بالعزّة بالإثم، ونستمر في المكابرة والإنكار الذي لن يغيّر الحقيقة، بل يضعف من قوتنا في الدفاع عنها لاحقاً. إننا إذ نتذكر ذلك فلأن غصّة في حلوقنا، لأن من أساء ومن شوّه اسم الشيوعية يتم غضّ النظر عنه، في حين تسلّط الانتقادات ضد عامر عبدالله وكأن الحملة التي بدأت في العام 1959 لا تزال مستمرة، مع المزيد من صب النار على الزيت، رغم أن الرجل رحل عن دنيانا، لكنه لا يزال يشكل شبحاً للعديد منهم، خصوصاً وأن الكتاب أعاد لأذهان الرأي العام دور عامر عبدالله الريادي، والذي بغضّ النظر عن الملاحظات المدوّنة عنه، فهو كتاب نقدي لا يستهدف التأييد والمديح، مثلما لا يسعى للتنديد والتشويه، فقد مثّل عامر عبدالله “عقل” الحزب وثقله السياسي في علاقاته العراقية والعربية والأممية، إضافة إلى ما كتبه طيلة نحو ثلاثة عقود من الزمان وما تركه من أثر فكري وسياسي. وكنت قد ذكرت في الكتاب أنني لم أقابل شيوعياً معتدّاً بنفسه وشيوعيته مثل عامر عبدالله، وفي الوقت نفسه كان عامر عبدالله طموحاً وهذا هو الشيء الذي ظلّ ملازماً له، ولربّما لا يتقدم عليه أي شيء آخر (وهو ما ذكرته في الكتاب) دون نسيان مواقفه اللندنية التي اعتبرتها خارج سياق تاريخه. ومن المفارقة أن يعتقد البعض إن ما يكتبه على الانترنيت أو في بعض النشرات الحزبية المحدودة، أو في ندوات بين رفاق وأصدقاء (اخوانيات) كلّها تتحدث عن اجترار الماضي، إنه أصبح منظّراً أو مؤرّخاً من طراز عامر عبدالله أو وزنه، بل أخذ بعضهم يفتي، لكنه ظلّ يدور في ذات الدائرة الضيقة، كمن يخاطب نفسه ويصغي إليها وبعد الانتهاء من خطبه يقوم بالتصفيق لنفسه، وينسى هؤلاء إن التاريخ تجاوزهم ولا يمكن إعادة عجلته إلى الوراء.