أحلام
أحمد محمّد أمين
أرى من الصعوبة أن أنسى هذه الأحلام التي تغشاني كلّ ليلة. منها ما يتلاشى، ومنها ما يترسّخ في الواعية. لكني أقبضُ على بعضها ويختفي البعضُ الآخر غبّ استيقاظي، وما بين الحلم واليقظة خيط ٌ واه يفصل بين العالمين .
تُرى…….
لمَ أهديْتَها ساعة ً وبعضَ قلائد رخيصة ؟ وأنتَ صديقٌ ولا صديق. تعرّفتك الآنَ، وأنتَ تجلسُ الى جواري.تُحدّقُ فيها وفيّ، كما لو أنّ صلة ً ما تربطُ بيننا. قبل أنْ أجيء الى هنا كنتُ هناك، في فضاء مفتوح تتبعثرُ فيه دواليب القسم الداخلي، كان دولابي وحدَه مفتوحاً، تبدو أشيائي متشظية ً فيه مثلَ عار أو خطيئة. تعبثُ بها الأيادي، وأراهم يأتون ويُعاينون محتوياته ويلتقطون منه ما يحلو لهم ويمضون، وأنا أنظرُ اليهم من دون حول. أخيراً أتوا على كلّ ما فيه من أقلام ودفاتر وكتب أقتنيتها مع الأيام، وهي قوتي الثقافي، حاولتُ أغلاقه فلم اُفلح. ثمّ تركتُه وغادرتُ المكان. في الطريق التقاني أحدُ طلابي القدماء، درسّته قبل عقود ثلاثة، سألني، كما لو كنتُ الآنَ مدرّسه أتأتي معي ؟ » الى أينَ ؟ سألتُ. ثم أضفتُ لديّ امتحانٌ بعد عشر دقائق في درس التأريخ.» استغرق في الضحك، وبعشوائية، وربّتما بسخرية هزّ يده أفي هذا العمر تمتحن، وقد أمضيتَ زهرة أيامك في التعليم ؟ » أجبتُ بامتعاض وعصبية العمرُ لا علاقة َ له بالدراسة والتعلم، فساحتُه مفتوحة للعلم » اذن سأمضي وحدي. فلديّ اجتماع تربوي مهم» ومضى من دون وداع. كنتُ ابانئذ ٍ أسألُ نفسي لمَ تُطارني الإمتحانات في سوح أحلامي دوماً ؟ لقد فاتني زمنُ المدرسة والإمتحان في نظر الناس. بغتة ً ظهر الرجلُ الذي أهدى البنية ساعة وهمس في خجل انها ساعة جدي احتفظتُ بها واردتُ اهداءها اليها، انها ابنة أحد أصدقائي وقد اختفى فجأةً وخبت أخباره. ليس لي من شيء اُقدّمه لها سواها، وهي أغلى ما أملك. أعرف أنّ زمنها انقضى وأفل، بيد أنها من الذهب الخالص 21 قيراط.» نظرتُ في وجهه، كان طريّاً يزدحمُ بالطيبة. وعيناه صافيتين ألقتين، استغربتُ أن يكون هكذا وفي مثل هذا العمر. كما أنّه سألني لمَ أنتَ هنا ؟ » لديّ امتحان بعد هنيهة » أجبتُ. اهتزّ رأسه إثر ضحكة استهجان رماها في وجهي…وأسأله لمَ تضحكُ ؟ » لا أدري، أكادُ لا اُصدّقُ » أجاب……ثمّ افترقنا، وأختفى كلّ ما تمرأى لي. ووجدتُني وحيداً أمضي الى مكان من قرية عمتي الى قرية اخرى يسكنُ فيها عمي على الضفة الثانية. النهر يغطّي فضاءً واسعاً وقد نضب ماؤه سوى خيوط شحيحة هنا وهناك. كان غسقُ المساء يسيلُ وخيوط الظلمة تتكثف، لكنّ القمر بدرٌ مؤتلق من الفضة. فجأة ً لمحتُه، حماراً يتباطؤ في السير، أحسستُ أنّه ينتظرني بعد أن أحسّ بوجودي. سوف أركبه ولن أتورط في خوض الفضاء المليء بالحصى. وحين أصلَ القرية أتركه يذهب الى أيّ مكان يُريد. الحمار ذكي مثلنا، يعرف بيت صاحبه. قطعنا نصف المسافة وهو يتهادى تحت ضياء القمر، فجأة ً أحسست أنه يكبر ويعلو، بلغ ارتفاعه طولَ منارة الجامع الوحيدة في مدينتنا.يا لحظي العاثر أيّ كائن صار الحمار الوديع. وكم ناديت عليه، وتوسلتُ به ليتوقف حتى أنزل من ظهره فأنا لم اُسيء اليه ولا الى أيّ أحد، سمعتي طيّبة كما اني جئتُ زائراً ابقى أياماً وسأعود الى مدينتي » أمتعض من كلامي ورماني بسيل من الشتائم والصفات القبيحة، ثَمّ تمادى واستعار خطوات ريح عاصفة. كنتُ لحظتئذ اقرأ آيات من القرآن ـ ثمّ أنهيتها بقراءة سورة الناس. وما أن انتهيتُ من تلاوتي حتى رماني أرضاً واختفى. ومن حسن حظي أني هويتُ على كثيب رملي، وتعرضتُ لبعض الرضوض. فالمكانُ الذي قذفني فيه بعيدٌ عن القرية، ولا أدري كم المسافة التي قطعها الى هنا. قريباً من الفجر ولجتُ القرية. وفتحتُ الباب، كان الجميع نياماً في الحوش الواسع تحت ضياء نجمات السماء. أحسّ عمي بقدومي، نهض من فراشه وامسك ببندقيه، قلتُ له عمي هذا أنا. تقدّم نحوي واحتضنني وقبّلني. لكنه سألني أفي مثل هذا الوقت تأتينا، كان ينبغي أن تنتظر طلوع النهار. أجلسني على فراشه، ثمّ نهض العيال واحداً واحداً. خفتْ زوجتُه الى قِرَب الماء وملأت طاساً. شربتُ كفايتي وغسلتُ بما تبقى منه وجهي. .. حين سردتُ عليهم قصتي، قال عمي انّه الطنطلُ وغالباً ما يختار ضحاياه من الغرباء وقلما ينجو أحدٌ من شرّه، وان نجا فمع محصلة من الكسور ثمّ العوق. لكن تعالَ معي الى الغرفة نفحصْك. وتحت ضوء الفانوس لم ير سوى بعض الرضوض، ثمّ تحسس ضلوعي وعمودي الفقري. ومن حسن حظي أنّ عمي وزوجته خبيران في الأعشاب البريّة يُعالجان بها الجروح والدمامل وأوجاع البطن والفم وصداع الرأس ولدغ الأفاعي والعقارب. انهما بمختصر الكلام طبيبا القرية والقرى المجاورة، وزوجته قابلة ماهرة تشرف على الولادات. ذهبت وعجنت وخلطت مع العجين بعض الأعشاب، ثمّ غطّت به الرضوض. كما أعطتني عصارة عشب بعد غليها لتسكين الآلام. وحين عدتُ الى المدينة أحجمتُ عن الحديث حول تلك الحادثة فزمنُ الطناطل والسعالى مضى وخبا…………….. وما أنْ غادرتُ وضعي السابق حتى تلققني مكانٌ آخرُ فلدى صديقي حميد سيارة ٌ قدييمة حمراء، كنا نسميها سيارة حميد، لسمعتها السيئة وعطلها المستمر. كانت زوجتُه حاملاً وقد تلد في أيّما لحظة، فطلب مني أنْ أقضي له بعض حاجاته، وألحّ أن آخذ سيارته. كانت سياقتها صعبة، الدواسة عاطلة، كما أنّ المقود يفلتُ أحياناً من مكانه وبصعوبة اُعيده اليه. ركنتها على جانب من الطريق وواصلتُ طريقي الى السوق، اشتريتُ ما دوّنته في ورقة صغيرة وعدت في سيارة الاُجرة. خلال غيابي أنجبت زوجته طفلة ً جميلة بيضاء لا تُشبه أباها الأسمر. حملها حميد ووجهه طافحٌ بالسعد وارانيها. كانت تبكي وبصعوبة رأيتُ عينيها الحالمتين الباكيتين.وذكّرني بكاؤها ببكاء حفيد مالك، قلتُ مُداعباً سأخطبها له. وكان خطبٌ ما وقع بين الزوجين في الأيام الأخيرة وأوشكا ان ينفصلا. صديقي صعبُ المعشر، يُصاحبُ شرذمة من اصدقاء السوء، ويعود متأخراً كلّ ليلة. قلتُ له ينبغي أن تعود الى رشدك، هذه العروسة الصغيرة تحتاج اليك، وان أوغلتَ في مثل هذا التصرّف ستجد نفسك وحيداً تأكلك العّزلة والندم، اذهب اليها واعتذر لها وقبلها بمحبة. البنية ُ في حاجة الى الحبّ، حبّ الوالدين معاً…… وسمعته يقول أنا جاهزٌ، وبفرح ولج الغرفة وعاد بعد دقائق انتهى كلّ شيء وسنعود جميعاً الى بيتنا. غبئذ ٍ مضينا معاً نحو سيارته، وقام بتشغيلها، قال سأتخلصُ منها واقتني سيارة جديدة بمناسبة ولادة مريم.
/5/2012 Issue 4213 – Date 30 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4213 التاريخ 30»5»2012
AZP09
























