لوحات مَنْ تاهوا في الصحراء وغرقوا في البحر

معرض لبيكاسو المغرب

 

لوحات مَنْ تاهوا في الصحراء وغرقوا في البحر

 

فيصل عبد الحسن

 

[email protected]

 

بورتريه للفنان التهامي بن صالح، تصدر معرضه الجديد الذي أفتتح مؤخراً في كاليري مسرح محمد الخامس وسط مدينة الرباط. المعرض الذي تميز بكونه ضم أحدث اللوحات للفنان بن صالح أشر أن الفنان لا يزال يطور أساليبه في الرسم ليصل بها إلى مرحلة جديدة من الرسم المتسم برؤى الفنون الزنجية. المعرض الجديد الذي ضم أربعين لوحة أستطاع أن يجذب الزائرين إلى موضوعات لوحاته البسيطة، التي تعكس روح الفرح الطفولي، ودهشة الأطفال بالحياة وألوان الطبيعة. الألوان الساخنة التي أستخدمها الفنان في كثير من لوحاته أعطت للأشكال المرسومة حيوية وفرحاً وعبرت عن هموم الهجرة وهو همه القديم الذي ظهر في الكثير من لوحات معارضه التي بدأها بمعرضه الأول عام 1960 والذي إقامته له وزارة الثقافة المغربية في ذلك الوقت.

 

هم الهجرة يتخفى في لوحاته من خلال فنون الأفارقة، وألوانهم وصور الأقنعة الخشبية التي يستخدمونها كتمائم لحراستهم من الأخطار، والأرواح الشريرة، أولئك الأفارقة الفقراء، الذين يعبرون المغرب بطول أمتداداتها الصحراوية في الجنوب وجميع التنوعات الجغرافية في هذا البلد الواسع، متجهة قوافلهم البشرية السرية بأتجاه البحر الأبيض المتوسط شمالاً على أمل ركوب قوارب الهجرة السرية بأتجاه إسبانيا لتحقيق حلمهم بالوصول إلى أوربا.

 

الأفريقيات

 

لقد أفنى الشيخ الفنان بن صالح الكثير من سنوات عمره في رسم وجوه الأفارقة ورقصاتهم وازيائهم، وما أنطبع في مخيلته عن اقنعة السحر الخشبية التي يستخدمونها في الأستشفاء من الأمراض وجلب الحظ الحسن. وفي كل ما رسمه تجد نظرة متأنية فيها رثاء وألم لما يفعله الأفارقة، وما يعتقدون به، وهو الشيخ المسلم المؤمن بأن الله تعالى خالق كل شيء، وبيده مصائر الناس وأرزاقهم، وبيده جميع أسباب الخير والبركات.

 

وقد استطاع الفنان أن يُحمل لوحاته بحمولات الألم الإنساني الممض، من خلال المجاميع البشرية، التي تظهر في لوحاته كخطوط وأشكال شائهة.

 

وإحدى هذه اللوحات المعبرة التي أزدان المعرض بها كانت تعبر بخطوطها الفوضوية عن مجموعة من الأفريقيات المهاجرات إلى المجهول، وقد حملن أطفالهن على ظهورهن كما تفعل النساء في أفريقيا، وآخريات حملن أطفالهن كفيما اتفق، وقد ظهر عليهن الحنو الأمومي على أطفالهن مصحوباُ بمظاهر التعب الجسدي من أعباء الهجرة القسرية، والمسافات الطويلة المقطوعة في الغابات والصحاري القاحلة، التي فرضتها عليهن ظروف القارة من الفقر والقحط والأمراض الوبائية والحروب الأهلية.

 

وبالرغم من اختلاف زاويتي النظر للهجرة بين الفنان والمهاجرين إلا أن الفنان استطاع أن يجد المعادل الموضوعي بينه وبينهم، فالهجرة بالنسبة لهم قضية حياة أو موت وبالنسبة له تعبير حي لألام البشرية وقسوة الحياة، وعليه أقتناص فرصته الإبداعية كفنان في رصد هؤلاء الناس والتعبير عنهم.

 

بيكاسو المغرب

 

لقد رسم الفنان لوحات معرضه الأخير تحت تأثير العديد من المدارس التشكيلية العالمية كالتكعيبية والسريالية والتجريدية الجديدة، وليس من الأسرار القول أن الفنان منذ بداية حياته الفنية قبل أكثر من خمسين عاماً قد تأثر كثيراً بما إبدعه بيكاسو من لوحات خلال مرحلته الزرقاء، حتى أن مجموعة كبيرة من الفنانين المغاربة كانوا يطلقون اسم “بيكاسو المغرب” على الفنان التهامي بن صالح، ولا يزال حتى هذا اليوم الاسم يطلق عليه، وبالطبع هذا ليس وصفاً مقبولاً لمجهودات الرجل الفنية طوال العقود الماضية، خصوصاً أن أي فنان يهدف إلى كتابة اسم خاص به وحده، ولا يشاركه فنان آخر حتى لو كان هذا الفنان بيكاسو بكل شهرته وعبقريته في دنيا الرسم التشكيلي.

 

وخلال حياته مرَّ الفنان التهامي بن صالح بتأثيرات مباشرة كثيرة ومحطات مرَّ بها غيره من الفنانين المغاربة وانعكست في الكثير من اللوحات التي رسمها نذكر منها تجارب الفنانين المغاربة بلامين، الحريري، شبعة، والشرقاوي، ومن الغربيين فان كوخ، سلفادور دالي، وبيكاسو وغيرهم.

 

  لوحات المعرض وأن بدت بأحجام صغيرة، إذ معضمها حمل القياسات 70 سنتمترا في 50 سنتمترا أو أقل من ذلك ولكن موضوعاتها الضاجة بالحركة توحي لمشاهدها انها أكبر من ذلك كثيراً، أضافة إلى أزدحام الحيز الضيق لكل لوحة بالكثير من الأشكال التشكيلية، وقد ضمنها موضوعات متعددة عبرت عن بهجته بالحياة والناس والشمس والدفء والحب.

 

عالم خرافي

 

وهذا التعدد في الأشكال المرسومة مع استخدام مدروس للألوان المستخدمة للتعبير عن الفرح والحزن يشركنا كمراقبين بالفرح والهم الإنساني، ونجد بين تلك اللوحات ما يهمين عليه اللون الأزرق بما يحمله هذا اللون من ايحاءات للحزن، والوحدة والشعور بالكرب الشديد.

 

لوحات أخرى في المعرض نقلت ميل الفنان لرسم لوحة خالية من أي ايحاء غير الأيحاءات اللونية الفطرية التي عبرت عن أحساس عميق بجماليات اللون، وقد فعل الفنان بن صالح كما يفعل أي فنان فطري آخر، من أولئك الفنانين الذين أفنوا اعمارهم بتلوين الزربيات واعداد النقوش الملونة على مناديل الرأس للنساء، وحقائب العرائس، وتوشية الكتب بالنقوش والمنمنمات الملونة الجميلة.

 

المعرض الجديد للفنان بن صالح نقل زائريه من عالم اليوم وشجونه إلى عالم خرافي ملون تطير فيه الفراشات بأجنحة الوطاويط، والنسور، وتضحك فيه الوجوه المثلثة والمربعة والدائرية، وتتسع فيه العيون لتحتل مساحات واسعة من اللوحة، وتغطي ايحاءتها الكثير مما نفتقده في حياتنا من الدعة والسكون ومشاعر الأمان.

 

المعرض الجديد للفنان العصامي التهامي بن صالح أشاع روح الفرح في نفوس زائريه، وذكرنا بأولئك المهاجرين الذين تاهوا في الصحراء أو غرقوا في البحر، وهم يحلمون بحياة جديدة كريمة وسعيدة يعيشونها كبشر في عالم أكثر رحمة وإنسانية.