بين تكريم زيراوي في الرباط وموت غارثيا ماركيز في المكسيك

كتب أدباء جللها غبار الموت

 

بين تكريم زيراوي في الرباط وموت غارثيا ماركيز في المكسيك

 

 

فيصل عبد الحسن

 

   تلألأت اضواء قاعة محمد الخامس وسط مدينة الرباط بالمحتفلين بإصداري الأديبة زهرة زيراوي ” ولأني ” ديوان شعر و” حنين ” مجموعتها القصصية الجديدة بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للكتاب.

 

  وقدمت الروائية والقاصة ربيعة ريحان باقة زهور للكاتبة المُحتفى بها زهرة زيراوي، التي بدت متعبة بسبب قدومها المستعجل من بلجيكا مقر إقامتها في السنوات الأخيرة، لتلبية دعوة إدارة مسرح محمد الخامس لتوقيع كتابيها في المغرب، والألتقاء بجمهور قرائها ومحبيها من مختلف الأجيال المغربية.

 

  وضمت المجموعة التي قدمت شهادات ودراسات بحق الأديبة زيراوي، الدكتور المهدي لعرج، والباحثة فاطمة لحبابي، والناقد الفني بنيونس عميروش، والدكتورة الباحثة في الآداب سعاد مسكين والكاتب فيصل عبد الحسن، وقدم الأمسية الكاتب أحمد جواد.

 

  ابتدأ الحفل بتقديم موجز من الناقد أحمد جواد ــ مُسير الحفل ــ لأهم أنجازات الأديبة الزيراوي في مجالي القصة والشعر ونشاطاتها الأدبية والثقافية من خلال صالونها الأدبي في الدار البيضاء، الذي بدأ نشاطه الثقافي منذ السبعينات وما يزال إلى اليوم، وهو يحتضن الشباب والأجيال الأخرى، ويُعرف بالمثقفين من جميع البلدان العربية باشقائهم المغاربة ويربط الأواصر الثقافية بين الطرفين. وردد من شعر زهرة زيراوي الجميل ــ من ديوانها ” ولأني ” ــ مقاطع  تقول فيها:

 

    ” صباح الخير/ أيها الأمبراطور العظيم /  أيها السدنة الباذخون/ صباح الخير / أيها السامقون / يا مراتب الأوصياء/ والأولياء / صباح الخير أيضاً :  أيها القتلة الماجدون/ لقد صدئت مطـــاويكم / فصباح الخير. “

 

   وجاء في مداخلة د. مهدي لعرج تحليلاً لعدد من قصص مجموعة ” حنين ” للكاتبة زهرة زيراوي، أعتبر فيها الباحث خلالها قصص المجموعة من القصص الإنساني العميق، وأغلبها من القصص المحكية على لسان بطلات يتميزن بأنهن ملمّات بمجمل الحكاية، وتصح عليهن تسمية السارد العليم، وغلبت على الشخوص سمة المثقف الذي يعاني من أجل الأخرين.

 

   وجاء في مداخلة الباحثة فاطمة الحبابي ماهو إنساني من خلال علاقة الصداقة بين الباحثة الحبابي، والكاتبة الزيراوي منذ أكثر من عشرين عاماً، وقد حملت تلك الصداقة كل معاني النبل والعلاقة الإنسانية بين الصديقتين، ذاكرة فيها ذكرياتهما المشتركة حين كانت تسافر من مدينة فاس محل سكناها لتحل ضيفة عند صديقتها في الدار البيضاء لعدة أيام وكيف كانت تقضي تلك الأيام مع عائلة الكاتبة الزيراوي ووسط رعايتهم ومحبتهم لها.

 

    وتحدثت عن زوجها المرحوم الفيلسوف الدكتور محمد عزيز الحبابي وصالونه الفكري، ومعظم المعارك الفكرية التي درات فيه، وكيف للآن يذكر دوره في تكوين الفكر الإسلامي المتنور في المغرب، وركزت على دور الصالونات الفكرية والثقافية في التأثير على دورة الثقافة والفكر لدى الأجيال، وأبرزت دور الصالون الثقافي للكاتبة زهرة زيراوي بالدار البيضاء، الذي تردد عليه مفكرون ومثقفون كبار من المغرب والدول العربية ومن الدول الأوربية.

 

  وتناول الباحث والناقد الفني بنيونس عميروش الجانب الفني التشكيلي لدى الأديبة والفنانة زهرة زيراوي فقال:  ” بين الشعر والفن تستوطن الكتابة الجمالية لدى الزهرة الزيراوي باعتبارها متتبعة ومهتمة بالشأن التشكيلي في شقيه الإبداعي والنقد، وقد ظلت مدفوعة بهذا الولع منذ التسعينات القرن الماضي من خلال إصرارها على تكليم الفنانين التشكيليين واقحامهم في الحديث عن قضايا راهنة لمجالهم، بل هي تجد كل المسوغات البيداغوجية واللغوية لإخراج ما يعتورهم من مواقف وأفكار وتآملات قلّما يفصح عنها الفنانون لطبيعتهم الأنعزالية وتماهيهم شبه المطلق مع فضاءات محترفاتهم. “

 

  وتحدث الباحث عن الحوارات العديدة التي نشرتها زهرة الزيراوي في التسعينات مع فنانين تشكيليين مغاربة وعرب في زاويتها الفنية في جريدة العلم المغربية، واعتبر نافذتها الفنية تلك من أرقى النوافذ في الصحافة المغربية وقتها أو حسب تعبيره ” أن الأمر لا يتعلق بحوارات صحفية مسكوكة، للإستجابة لطبيعة الصفحات الفنية وملئها، بل الأمر موصول بمحارورة شاعرة وباحثة تبني اسئلتها بخلفية معرفية وبمعيارية يقظة تتعامل مع كل فنان على حدة بحسب طبيعته التكوينية وحمولته الثقافية مع أختيار المداخل المناسبة لكل حوار.  وتحدث الباحث بنيونس عميروش عن كتابها الفني الذي صدر قبل سنوات قليلة ” التشكيل في الوطن العربي ” الذي يعتبر من المراجع المهمة للباحثين في الفن التشكيلي العربي والمغربي.

 

  وتحدثت الباحثة د. سعاد مسكين عن قصص زهرة الزيراوي فحللت الكثير من نصوص مجموعتها القصصية حنين، مستنتجة من تحليلاتها أن الكاتبة الزيراوي تنطلق في نصوصها من الهم الخاص لتصل إلى الهم العام، وتعبر في نصوص عديدة لها عن مكنونات المرأة المغربية الوطنية والعاطفية، فالمرأة لدى الكاتبة أم وعاشقة ومثقفة، ومشاركة في الهم الأجتماعي، وقادرة على التفكير والفعل، لمواجهة مطبات الحياة وشؤونها المختلفة.

 

  وتناول الكاتب فيصل عبد الحسن الجانب الإنساني في شخصية الكاتبة زهرة زيراوي من خلال علاقته الثقافية والإنسانية معها خلال سبعة عشر عاماً، أي منذ حلوله في المغرب في أواخر التسعينات، وتردده على صالونها الثقافي بالدارالبيضاء ومشاركته في العديد من نشاطات جمعية ملتقى الثقافة والفن، التي أسستها الزيراوي مطلع التسعينات، وقد حيا فيها روح المثقفة الكبيرة والإنسانة المبدعة، التي تأخذ بيد اصدقائها من الفنانين والأدباء وتشاركهم جميع همومهم في الكتابة أو الرسم وصعوبات الحياة، وكذلك دأبها المتواصل للمشاركة في الحياة الثقافية لمغرب مترامي الأطراف لا يجد فيه الكتاب الأسناد غير مايقومون به هم أنفسهم من أسناد لبعضهم الآخر، كما في أغلب الدول العربية الأخرى.

 

  وبمناسبة التكريم ألقت الكاتبة زهرة زيراوي كلمة شكرت فيها الحاضرين جاء فيها:

 

حضرات السادة

 

أستحضر في هذا اللقاء هذه الهدية أنها هدية لنا جميعاً….

 

يقول صاحبها:

 

   هناك دوماً غد، والحياة تمنحنا الفرصة لنفعل الأفضل، لكن لو انني مخطئ وهذا هو يومي الأخير، أحب أن أقول:

 

 كم و كم و كم  أحبك، وإنني لن أنساك أبدًا.  لأن الغد ليس مضمونا لأحد ، لا للشاب ولا للعجوز.

 

 ربما تكون المرة الأخيرة في هذا اليوم التي ترى فيها أولئك الذين تحبهم.  فلا تنتظر أكثر!

 

 تصرف اليوم لأن الغد قد لا يأتي، ولا بد أن تندم على اليوم الذي لم تجد فيه الوقت من أجل ابتسامة أو عناق أو قبلة. أو أنك كنت مشغولًا كي ترسل لهم أمنية أخيرة… .

 

الهدية هي لغابرييل ماركيز صاحب “مئة عام من العزلة”.

 

غابرييل الذي ودعنا يوم 17 أبريل الجاري فتزامن الرحيل والغياب مع الاحتفاء بالكتاب واستحضاره في ذات العيد.

 

وقال أوباما:  إن العالم “فقد واحدا من أهم الكتاب الروائيين”.

 

وقال سانتوس عبر موقع التواصل الإجتماعي، تويتر، في نعي ماركيز: “ألف عام من العزلة والحزن لوفاة أعظم كولومبي على مر التاريخ.  هؤلاء العمالقة لا يموتون.”

 

مئة عام من العزلة أو الكتاب الذي يسافر في الأزمنة.

 

و جاء في كوكل عن اليوم العالمي للكتاب:

 

   يحتفل العالم في 23 أبريل من كل عام باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، وترجع جذور هذا الاحتفال إلى مدينة كتالونيا الإسبانية حيث كانوا يُهدون وردة لكل من يشتري كتابا في ذلك اليوم الذي يصادف عيد القديس جارجيوس، وفي عام 1995 قررت اليونسكو اعتبار يوم 23 إبريل يوما عالميا للكتاب في نفس اليوم الذي يوافق يوم وفاة الروائي البريطاني الشهير، ويليام شكسبير، عام 1616، وكذلك ميلاد ووفاة عدد كبير من الكتاب والمؤلفين.

 

   وتمنح اليونسكو في هذا اليوم لقب +عاصمة الكتاب العالمية؛ لأي من مدن العالم التي تضع برامج لتعزيز الكتب والقراءة، وهو اللقب الذي تحتفظ به عاما كاملا، وقد تم اختيار العاصمة التايلاندية بانكوك عاصمة للكتاب لعام 2013، فيما سبقتها مدينة يريفان الأرمينية للعام السابق.

 

   ويحتفل العالم في اليوم نفسه بـحقوق المؤلف أو الكاتب، والتي تنظمها دوليا الاتفاقية العالمية لحقوق المؤلف الصادرة في باريس عام 1971، والتي تتعهد فيها جميع الدول الموقعة باتخاذ كل التدابير اللازمة لضمان حماية كافية مع الالتزام بسن تشريع خاص داخلي لحمايتها.

 

أعود لتاريخ حضارتنا، ماذا يعني لنا الكتاب؟

 

 في قاموسنا العربي نجد أن:

 

الكتاب: هو ما يكتب كالرسالة والمؤلف الجامع للأبواب والفصول / والكتاب هو المصحف الجامع لما نزل بالوحي من الله تعالى، ويقال له كتاب الله أو الكتاب، و منه القرآن الكريم والكتب المنزلة، و أهل الكتاب هم الذين لهم كتاب منزل كالتوراة والإنجيل وأم الكتاب في القرآن الكريم هي سورة الفاتحة وكتاب الله قدره وقضاؤه ومنه قول النابغة الجعدي:

 

يا بنت عمي كتاب الله أخرجني / عنكم وهل أمنعنَّ الله ما فعلا

 

الهادي في اللغة العربية / القاموس العربي، لحسن سعيد الكرمي، المجلد الرابع / العمود الأول  ص11

 

و الكتاب هو نتاج الكاتب

 

فماذا عن الكاتب في ثقافتنا العربية؟

 

يطالعنا تاريخ حضارتنا عن الكاتب بما يلي:

 

   أخذ العرب الخط وما اتصل به من ألفاظ، كالكتابة والكاتب من جيرانهم الشماليين الآراميين، وانتشرت الكتابة في جميع الأرجاء، ولكن بين قلة، فكتبت الأحلاف القبائلية والعقود التجارية والنصوص الأدبية قبل الإسلام، والقـــــــــرآن الكريم ورسائل النبي محمد ” ص ” بعد الإسلام.

 

   وشغل الكُتّاب مراكز عالية في الدولة الجديدة واختير منهم الوزراء في العصر العباسي وانقسموا إلى كتاب السر وهم الرؤساء  وكتاب الإنشاء وهم الذين يعدون مسودات الرسائل، وكتاب الجيش، المشرفون على رواتبه، ثم كتاب الخراج.

 

 ولكنهم اجتمعوا في طبقة مستقلة برزت أواخر العصر الأموي، وضع لها عبد الحميد الكاتب بعض الآداب، وعظم خطرهم مع اتساع الدولة، واشتد تأثيرهم في الأدب العربي، و كثرت واجباتهم، فطولب الوزير بأن يلم بمعارف عصره إلى جانب قدرته اللغوية.

 

 وأنتج ذلك مجموعة من الكتب تعرّف الوزراء بواجباتهم، وتسهّل لهم الطريق إليها مثل أدب الكاتب لابن قتيبة، و كِتاب الكُتّاب لابن درستويه، وصبح الأعشى للقلقشندي.

 

  ولقد أثروا في الشعر العباسي، فمالوا به إلى الرقة والسهولة وحلاوة الموسيقى، وانتقلوا بالنثر من  بساطته الأولى إلى التصنع والتزام ألوان المحسنات المتعددة، بسبب التنافس والتأثر بأساليب الفرس.

 

  أمام الحقائق التاريخية لحضارتنا الفكرية ولدور الكاتب في التوزير وفي النظام التربوي آنذاك نعود إلى  معادل رياضي  حملته لنا اليونسكو.

 

    تظهر إحصائيات اليونسكو تراجعا كبيرا في معدلات القراءة بالعالم العربي حيث تذكر أن نصيب كل مليون عربي لا يتجاوز 30 كتابا.

 

مقابل 854 كتابا لكل مليون أوروبي.

 

 كما يصل معدل قراءة الشخص العربي ربع صفحة في السنة.

 

مقابل معدل قراءة  للفرد الأمريكي الذي يصل إلى 11 كتابا.

 

 والمواطن البريطاني 7 كتب في العام الواحد.

 

 كما يُصدر العالم العربي كاملا نحو 1650 كتابا سنويا.

 

 بينما تنتج الولايات المتحدة وحدها ما يقارب من 85 ألف كتاب سنويا.

 

ألا تجعلنا هذه النتائج المهولة ــ معدل قراءة الشخص العربي لا يتجاوز ربع صفحة في العالم العربي ـــ: نتساءل:

 

 ولماذا ربع صفحة  في العام للمواطن العربي ؟؟..

 

ما الأسباب والتعلات  ؟؟؟ …

 

هل للأمر علاقة بالذائقة ؟؟..  ما هي هذه الذائقة ولأية ذائقة نكتب ؟؟…

 

 وهل الكاتب العربي  يراهن على حدود  معينة في كتاباته ؟؟

 

هل نقول إن الفيسبوك و الإنترنت هي التي أوصلت القارئ العربي إلى ذلك ؟؟…

 

وهل الإنترنت والفيسبوك حكر على العالم العربي ؟؟.. ألم يعرفها الغرب قبل العالم العربي؟؟

 

إلى أي صوب يتجه الكتاب العربي اليوم؟ ما هي اهتماماته ؟؟

 

و على أي سوق يراهن الكتاب اليوم في العالم العربي ؟؟..

 

هل المؤسسات و الاتحادات والجمعيات تقوم بدورها التوعوي في هذا السياق ؟؟

 

    نتذكر رواية المخطوط القرمزي للإسباني أنطونيو غالا؛ الرواية  تستحضر زمن الأندلس، تستحضر الأحد عشر ملكا الذين تجمعهم لغة واحدة و دين واحد و تفرقهم نوازع أخرى.

 

ولماذ هذا الزمن يعرض له كاتب إسباني وهو تاريخنا ونحن نتنكبه ؟؟

 

الكتاب طبع منه مليون نسخة بيعت عن آخرها.

 

أما مئة عام من العزلة، فقد نجح الكاتب في أن يخلق تاريخ قرية كامل من نسج خياله منذ أن كانت بدايتها الأولى على يد خوسيه أركاديو بوينديا وعدد قليل من أصدقائه.  مرورا بنمو القرية حتى أصبحت أشبه بمدينة صغيرة توالت عليها الحروب والحكومات.

 

من أجمل الأفكار التي أراد الكاتب إيصالها للقارئ أن الزمن لا يسير في خط مستقيم بل في دائرة، فكلما تلاشت الأحداث من ذاكرتنا، أعادها الكون لكن في شخصيات و أزمنة مختلفة.”

 

(مئة عام من العزلة، التي نشرت عام 1967، طبع منها ثلاثون مليون نسخة وترجمت لثلاثين لغة).

 

مئة عام من العزلة هي من أكثر الروايات المقروءة والمترجمة للغات أخرى خاصة.

 

ومن أهم الأعمال الأدبية العالمية.

 

يبقى سؤال أخير:

 

ما الذي يجعل روافدنا الفكرية لا تنتج أعمالا أدبية تكون لها النتائج ذاتها ؟؟ “

 

    السؤال الكبير الذي وجهته إلينا زهرة زيراوي نحن معشر الكتاب، لماذا لا ننتج كمائة عام من العزلة ؟ والجواب ربما سيتمكن الكاتب العربي من إنتاج إبداعه الحقيقي حين يجد من يقرأ له، وأن لا تبقى مؤلفات الأدباء مركونة في المكتبات يجللها الغبار بأثواب الموت، وربما هذا هو الخيط المرئي بين تكريم زيراوي وخبر موت غارثيا ماركيز في المكسيك.

 

 

{كاتب عراقي مقيم في المغرب

 

   [email protected]